"العالم الطريف" لألدوس هكسلي: عالم تم تكييفه لإنشاء حضارة "بدون عيوب"

Printer-friendly versionSend to friend
أليكساندرا غالاكوف*
ترجمة محسين الواطحي**
 
"العالم الطريف" لألدوس هكسلي هي رواية تمت كتابتها في أربعة أشهر سنة 1931، وتعد عملا مثيرا للإعجاب، وذلك بالوقوف على بعد النظر والدقة اللذين ساهما في بلورة تصور الكاتب للمجتمع المستقبلي الممكن. وللإشارة فالكتاب يستمد قوته كذلك من العمل الرائد "نحن" للمؤلف والمهندس الروسي " ليفغيني زامياتين" الذي تم تأليفه سنة 1920 والذي يصنف ضمن كتب "الديستوبيا".
في هذا الكتاب الرائع يرسم الكاتب البريطاني ألدوس هكسلي ملامح مجتمع يطمح إلى تحسين نسله، ويترك للعلماء مهمة مراقبة كل الولادات حتى يتم - وبطريقة محكمة -  إنتاج مجتمع تستجيب مكوناته لمتطلبات دفتر تحملات أولي، عالم لا يقبل بوجود الصدفة أو الحظ  ولا حتى بالقدر السيء، عالم حددت فيه مصائر الناس سلفا و يعد الجميع للمضي قدما نحو مصيره بكل رضا، ومن دون أن يطرح أي تساؤلات.
"العالم الطريف": صناعة لبشر مسير.
في مراكز التكييف والحضانة التي تعتبر معامل حقيقية لتربية الأجنة، نجد أن المتحكمين في أقدار الناس و"مدراء الحضانة" قد حملوا مشعل الأمومة، فكل من تم خلقهم داخل هذه المصانع هم نتيجة مقادير جينية محددة تمنح على طول مدة مسلسل نضجهم. على هذا الأساس تتحدد مجموعة من الأصناف البشرية الممكنة والتي تشكل بدورها مجموع الطبقات المكونة للمجتمع : الألفا - البيتا- الكاما- الدلتا- الإبسيلون. 
يمثل أفراد "الألفا" الطبقة الراقية لهذا المجتمع نزولا إلى حدود طبقة "الإبسيلونا" الذين يمكن وصفهم "بأغبياء البلدة"، ويتم الحسم في هذا الواقع الاجتماعي والثقافي على حد سواء منذ المرحلة الجنينية. فالألفا على سبيل المثال يتزودون بتغذية غنية، في حين يحصل "الإبسيلون " على وجبات أقل؛ فكلما زاد تواضع الطبقة التي ينتمون إليها، كلما قلّت نسبة الأكسيجين التي يتم ضخها في أجسامهم، ويفسر ذلك بكل فخر المسؤول عن الحضانة في الجزء الأول من الرواية بقوله: "الهدف هو إضعاف المؤهلات الفكرية بغية إبقاء الطبقة الاجتماعية حبيسة وضعها الاجتماعي".
شعار "العالم الطريف" : جماعة، هوية، استقرار.
من أكبر مسلمات هذا المجتمع الاستقرار. أي الحرص على إبقاء الأفراد منتمين إلى طبقاتهم الاجتماعية، والحيلولة دون قيام أي انتفاضة أو احتجاج أو حتى التعبير عن رغبة في الاعتراض على الوضع القائم. بخلاف النموذج الليبرالي الذي تتلخص فيه معاني الحرية في :  "أن تكون  لك الحرية في أن تكون عبارة عن دسار دائري من داخل ثقب مربع"، فنجد  أن هذا المجتمع يهدف بالأساس إلى تدجين الأفراد لقبول وضعهم الاجتماعي كإبسيلون أو كألفا. وبالإضافة إلى التحضير الفيزيولوجي يساهم النظام التربوي المعتمد على جبل العقول على ما يحتمه الانتماء إلى طبقة معينة، فبالاعتماد على دروس تكرار القول الليلية والصدمات الكهربائية تحصل كل طبقة على العقلية المتلائمة ووضعها المجتمعي المستقبلي. (تكرار القول بمعدل 62400 مرة، يجعل منه حقيقة) ، يشير بوقاحة "برنار ماركس" - أحد أبطال الرواية – "وعلى حد قول كبار مسيري هذا المجتمع فلا مجال لتدخل الغريزة في فهم الأشياء، إننا نعتقد في الأشياء لأنه تم إعدادنا للاعتقاد فيها".
وتعد الجماعة إحدى أهم سمات هذا المجتمع كذلك. فالروح الجماعية مطلوبة بشدة وترفض أي فردانية، وعدا إنتاج أفراد بمواصفات جينية متشابهة، فالعديد من هؤلاء الأفراد يحملون  اللقب نفسه؛ إذ يتم تداول 2000 اسم فقط. ويبقى تبادل الشركاء الجنسيين وبدون تمييز من أبرز مستجدات هذا المجتمع أيضا، فمفهوم الأسرة لم يعد له وجود مثله مثل مفهوم الشريك الذي أصبح مدانا من لدن الجميع. فهو نظام يتجاوز مفهوم التعدد "كل شخص هو ملكية للآخرين". ويبدو جليا أن العقل المدبر لهذا التنظيم الجنسي هو رجل وليس امرأة، فللرجال وحدهم حرية امتلاك النساء، وتسخيرهن لإشباع رغباتهم متى شاءوا وبدون تمييز، لهذه الاعتبارات نجد الرجال يصنفوهن على حسب مردودهن الجنسي بإضافة عبارة ناقص أو زائد لنعوتهن ، وكأنهن قطع لحم مهداة تحت الطلب.
انتفاء الأحاسيس في "العالم الطريف".
من بين الدعامات المهمة التي يقوم عليها الاستقرار الاجتماعي في هذا العالم مخدر "السوما" ،فبمجرد بلع أقراصه الصغيرة تنتفي كل مشاعر الحزن والأسى وكل حالات القلق إنه مخدر "نافع" له القدرة على تبديد الشك والخوف ويستطيع أن يقذف بالجسد والروح في حالة من اللامبالاة الجالبة للسرور. "غرام واحد في الوقت المحدد يجعلك سعيدا"، هذا ما تردده على الدوام "لينينا" إحدى بطلات الرواية والمتعلقة بقوة بطوق النجاة الكيميائي هذا. 
تتمحور رواية "العالم الطريف" حول وصف آليات هذا المجتمع المستقبلي ويصل السرد ذروته عندما تضع الأحداث وجها لوجه كبار مسؤولي هذه الحضارة أمام إنسان همجي اسمه "جون". وقد نشأ هذا الأخير بمحض الصدفة مع أمه (ما يعد جرما في ظل هذه الحضارة) بإحدى المحميات الهندية التي تعد بمثابة حديقة حيوان. ويلعب الابن دور الشاب البسيط التفكير كما في رواية "كونديد" لفولتير، من خلال حوارات تزكي "صدام الحضارات". وقد استطاعت هذه الحوارات الفريدة أن تميط اللثام عن الدوافع الدفينة لجري الإنسان وراء سعادة مصطنعة من جهة، وكشفت من جهة أخرى مسلمات هذا المجتمع.
التفكير الحر عدو سعادة الإنسان في "العالم الطريف".
حتى تتم إزالة جميع الأخطار والمعيقات المتعلقة بالحياة في شكلها الخام وبطبيعة البشر في بعدها الغريزي يجب تلجيم العقول. أي منعهم من الوعي بكينونتهم ومن الانشغال بالتفكير والإحساس، إذ سينقلب النظام الاجتماعي رأسا على عقب إذا ما بادر الناس إلى القيام بالأشياء، "سينقلب النظام الاجتماعي رأسا على عقب إذا ما بادر الناس بالقيام بالأشياء. فبمجرد ما يحس الفرد، يصبح وضع المجتمع هشا. الاستقلال لم يصنع للإنسان، هو وضع مناف للطبيعة ولا يفرز الأمن دائما." يقول  أندريه جيد  "الإنسان الذي يدعي السعادة ولا ينفك يفكر، هو الوحيد الذي يمكن نعته بالقوي". إنها الخشية على" كائن لا تحتمل خفته"  على حد قول كونديرا. 
يجب على الإنسان أن يكون قويا جدا حتى لا ينغمس في البؤس والمأساة عندما تغادرنا آخر أوهامنا. في عالمنا هذا "الناس سعداء لأنهم يحصلون على ما يريدون ولا يرغبون بما يستحيل تحصيله. لا يهابون الموت، وهم في وضع مريح بجهلهم للأحاسيس وحقيقة التقدم في العمر". مرة أخرى يتبين أن هذه المبادئ تلامس أفكار أندريه جيد في  كتابه الأطعمة الأرضية  "لا ترغب سوى بما تملك، يشجعنا قائلا، فهناك أمراض غريبة تتمثل في حب امتلاك مالا نملك". 
"العالم الطريف": انتصار الآلات ونهاية الإيمان.
 إنه انتصار كاسح للإنتاج بالجملة ولكل السلع المصنعة في زمن كتب فيه هكسلي عن الحقبة الذهبية للتايلورية وللإنتاج الصناعي للسيارات وللمكانس الكهربائية للمصنع والأب المؤسس "فورد"، .في إحدى قصائد منتصف القرن 19 "بحر الإيمان"،  للإنجليزي ماثيو أرنولد،  الذي ما فتئ ينتقد الفراغ الروحي الذي حفزته الثورة الصناعية.
إنها الوسائل  التي يتم تبنيها لتسع وتشمل جميع مناحي الحياة بما فيها خلق الإنسان. فالعالم اليوم على وشك التحول إلى نموذج لتلك الشركات المتعددة الجنسيات المرفوضة من لدن مناهضي العولمة. ففي "العالم الطريف" نجد أن البويضات والأمشاج هي بمثابة مواد أولية شأنها شأن الفولاذ والفحم، يتم تعديلها لتناسب أهداف المردودية نفسها واقتصادات الحجم والنمو كما هو الحال في الوسط الصناعي.
وبخلاف الرواية "1984" التي عادة ما تتم مقارنتها مع رواية "العالم الطريف"، فروايتنا لم تكتب من منظور الأحداث التي ستظهر لاحقا (الفاشية، النظام النازي...)، ولكن من منطلق هيمنة الآلة والتكنولوجيا وتفوق العلوم وارتقائها على حساب الإنسان، وإن تخللتها بعض المفاهيم التي تحيل على بعض التنظيمات الاشتراكية (كالأنظمة الاشتراكية المتطرفة) وعلى أسماء بعض الشخصيات (برنار، ماركس، لينين...).
"العالم الطريف" لألدوس هكسلي: التفكير الوجودي كما يراه ميشال هويلبيك.
للوهلة الأولى يتضح أن هذا المجتمع المخيف له سمات كابوس شمولي، ومع ذلك فلا يمكن رفضه برمته، على هذا الأساس تلتقي وجهة نظر كاتبة المقال مع وجهة نظر ميشال هويلبيك الذي يتناول الكتاب في جزئياته الأساسية. فهو يتعاطف مع هذا النموذج المجتمعي ولكن لأسباب أخرى غير تلك التي تبنتها أليكساندرا غالاكوف. فبالنسبة لميشال هويلبيك يعتبر المجتمع الذي تم وصفه في "العالم الطريف" مجتمعا سعيدا تغيب عنه المآسي والأحاسيس المتطرفة، كما تأخذ فيه الحرية الجنسية بعدا كليا بحيث يستحيل لأي شيء كان أن يقف أمام التفتح والرغبة. وقد تتخلل هذا المجتمع لحظات من الكآبة والحزن والشك، لكن يبقى من السهل علاجها باعتماد الأدوية. وتعد محاولة مقارنة هذا الكتاب بكابوس شمولي نفاقا صريحا؛ فبالرجوع إلى مختلف النقاط – المراقبة الجينية، الحرية الجنسية، التصدي للتقدم في العمر، استثمار أوقات الفراغ فيما هو حضاري- يتضح أن "العالم الطريف" هو جنة بالنسبة إلينا (...). وبالإمعان في حجم التطور الحاصل على مستوى الآلة والروبوتيك يتضح أيضا أن الإشارة إلى النسق الاجتماعي الذي ينقسم في ظله المجتمع إلى طبقات هي إشارة غير مجدية تعكس ضعف قدرة هكسلي على التنبؤ بالمستقبل فقط. ومما لاشك فيه فألدوس هكسلي ليس بالكاتب البارع؛ فجمله ثقيلة وتغيب عنها الجاذبية، وشخصياته جد تافهة كالآلات. لكن وبالرغم من كل هذا فقد تميز الكاتب بذلك الحدس الأساسي الذي يفضي إلى أن تطور المجتمعات يعود إلى قرون من الزمن، وأنه سيتقوى حصريا بالاعتماد على التطور العلمي والتكنولوجي. على هذا الأساس فجميع المؤاخذات على غياب الرقة والبعد السيكولوجي والأسلوب لا يمكنها التأثير سلبا بالنظر إلى الدقة التي رافقت حدس الكاتب منذ البداية. فهكسلي يعد من الكتاب الأوائل الذين توقعوا الدور الأساسي الذي ستلعبه البيولوجيا بعد الفيزياء.
لقد استطاع هذا المجتمع أن يمنح امتياز مجابهة مصائب البشرية المتجسدة في الحروب والنزاعات بشتى أشكالها، كما استطاع أيضا - ولو على مستوى أقل- محو الاختلافات (على الأقل بين أفراد الطبقة الاجتماعية الواحدة ) ،فلم يعد جمال الجسم أو الذكاء ميزة يتحصل عليها بالصدفة ولم تعد أخطاء الطبيعة ألما يعاني منه الناس بسبب اختلافاتهم، فكل واحد في موقعه مرحب به من داخل نظامه وفي انسجام مع النظام العام باستثناء بعض الأخطاء الطبية التي تبقى جد نادرة. إلى جانب هذا فالإحساس بالأمان يؤثث جميع مناحي هذه الحياة وذلك بالاعتماد على برامج التكييف وعلى "السوما" (التي تبقى بدون أعراض جانبية بالخصوص) ليتم التصدي بحزم لكل مصدر للألم. وقد يتبادر إلى الذهن أن الحياة على هذا النحو هي أكثر رتابة وبدون طعم، لكن يبدو أنه ثمن الراحة النفسية والعزاء الوحيد "لغواية الوجود" على حد تعبير سيوران، وحتى لا نكون فريسة للأوجاع الوجودية التي تتم ملاحظتها عادة عند "الإنسان الحر". وأمام هذا الواقع "فالعالم الطريف" يقدم الحل بالعودة إلى تلك الأقراص الصغيرة لاستبدال العواطف؛ فهي قادرة على خلق "الرغبة القوية" وكذلك التخفيف من حدة الأحاسيس المتوهجة ومشاعر الأسى والحزن. فبأي حجة بينة يمكننا طلب العذاب والتعاسة كما فعل الشاب الهمجي (جون)؟ إنه استعداد طبيعي في الإنسان لتجاوز الأحزان والمضي قدما نحو حياة بدون عقبات.
وقد حظي عمق رواية "العالم الطريف" بترحيب كبير - خصوصا مع الجدل الواسع الذي أثاره موضوع الاستنساخ البشري- فهي ما زالت تثير الاهتمام وتبعث على الدهشة. وللإشارة فقط ففي الوقت الذي كتب فيه هكسلي "العالم الطريف" لم يتم بعد الإعلان عن أي اكتشافات جينية وجزيئية، ولم يتم اعتمادهما في الأبحاث العلمية إلا بعد  1953 مع اكتشاف البنية الكيمائية للحمض النووي.
 
رابط المقال الأصلي:
 
* محررة محتوى بموقع  www.buzz-littéraire.com
** محسين الواطحي من المغرب، أستاذ لغة فرنسية بالسلك الثانوي التأهيلي ومهتم بالترجمة.