العالم وقد تجاوز سن قراءة "البؤساء"..

د. عـبـد القـادر حسين ياسين*

 

 
"البؤساء" Les Miserérables
لفيكتور هـوغـو (1802 ـ 1885) هي رائعة الأدب الفرنسي، وإحدى روائع الأدب الـعـالـمي. 

قـصة رجل بائس يدعى جان فالجان ، يضبط وهو يحاول سرقة رغـيف ، فـيمضي بقية حياته من زنزانة إلى زنزانة، وكلما حاول الهرب صدر عـليه حكم أقسى، وكلما تخفى عـثر عـليه المفتش جافير، الذي لا يمثل القانون ، بقدر ما يمثل الإنسان المريض،  السادي، والمتمتع بالانتقام الصغير.

لا أذكـر كم مرة قـرأت "البؤساء" فـتـياً، وكم مرة شاهـدتها فيلماً. 

وعـندما حوَّلها أندرو لويد ويبر إلى مسرحية في لندن، كنت أول الحضور بعـدما استطعـت العـثور على تذكرة ، اشتريتها من السوق السوداء. وكان ذلك بعـد سنوات من البدء في عـرضها.

 

ما هـو سرّ "البؤساء" ونجاحها منذ القرن التاسع عـشر؟
 تعاطف البشر (غير منتحـلي الصفة) مع المظلومين والمساكين. 

 

لو كان جان فالجان قاتلا أو لصاً كبيراً، لما كان موضوع رواية، بل لكان ظل موضوع تقرير شرطة عاديا. 
إلا أنه هـنا قـضية إنسانية ، لا مجرد بطل رواية أو حكاية، يتنقـل مظلوما في عالم من الفقراء والبؤساء ، والأيتام المشردين الذين لا ذنب لهم، يتفرج عليهم المجتمع دون أن يراهم.

 

قبل أعـوام طلب المدعي العام في بلدة بادالونا البرتغالية، السجن عاماً ونصف العام لرجل حاول سرقة رغـيف خبز. 
كتب أديب البرتغال، جوزيه ساراماغـو، ينصح الرجل بقراءة "البؤساء". 
لكنه استدرك : 
"لا.. لا.. هـذه رواية تُـقـرأ في سن معـيَّنة، 
وقبل أن يبلغ المرء مرحلة اللامبالاة".

كان ذلك، بالنسبة إليّ، أهم ما قرأت في تحليل الرواية. 

 

أتذكر الآن وأنا أشاهـد ، من جهة، هذا العالم المتوحش، اللامبالي،
ومن جهة أخرى ، خيام السوريين في ثلوج تركيا ولبنان. 

صقـيع القلوب الكافـرة ، أفظع بكثير من الطبيعة وبرودة شتائها. 

أطفال بلا رغـيف وبلا حطب، وبلا وطن ، وبلا أمـَّة، 

وعالم بلا أخلاق وبلا ضمير ، وبلا ذمم ، وبلا فروسية،  وبلا رجولة. 

عالم تجاوز سن المشاعـر والأحاسيس ومخافة الله، يـُحـيل ملايين البؤساء إلى المؤتمرات والمنظمات، من الجامعة العـربية (أطـال الله بـقـاءهـا..!) إلى الأمم المتحدة،

لـقــد تجاوز هذا العالم سن قراءة "البؤساء".

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.