الصورة بين العرض والتمثيل عند الفيلسوف الألماني غادامير

د. زهير الخويلدي*

 
 لاشك أن العصر الذي نحيا فيه هو عصر الصورة، فالثورة الرقمية جعلتنا نسكن شبكة من الرموز وليس كوكبا ، وتكاثر وسائل الاتصال قرّب بين المسافات وعجّل بظهور الإنسان المرآوي وجعل الكون بأسره يتحول إلي شاشة عملاقة تحدد نمط العلاقة بين الأفراد وطبيعة الرؤي والمنظومات الرمزية التي تتوسط بينهم والعالم، وبدأ البعض يتحدث عن نهاية الكتابة وسطوة المرئي، وبشّر البعض الآخر بالتحول الذي حصل للصور من مجرد وسائط إلي خميرة للإبداع ومادة للتفكير.
بيد أن التفكير في الصورة لا يعني فقط تتبع مسارها التاريخي ورصد لحظات ضعفها وفترات مجدها، ولا يتوقف أيضا علي علاج إشكالية ترددها بين الحياة والموت كما فعل ريجيس ديبرييه، أو الدعوة إلي عقد القران بينها وبين التطورات التقنية ومجتمع الفرجة، مثلما صنع غي بور "ليرتبط عصرها السحري بظهور اللوغوسفير وعصرها الجمالي بالغرافوسفير وعصرها الاقتصادي بنشأة الفيديوسفير، كما نجد ذلك عند جان بودريار وغي بور" بل يتعدى ذلك نحو تقصي تأثيراتها علي الوعي والعقل والإحساس وانعكاساتها على الفن والدين والإنسان وشكل حضوره في العالم والبحث في علاقاتها بأصول الأشياء التي تصورها ،والنسخ التي تنتجها، والألعاب التي تنخرط فيها، ومساءلة أنماط وجودها المترحلة بين الوسيلة والغاية وبين الشكل والمضمون وبين التزييني والمناسباتي، والاهتمام بعلاقة الصورة بالعرض والتمثيل والمحاكاة والخبرة الحية.
ما نلاحظه هو وقوع الأوساط الفكرية في الخلط والتحريف عند ترجمة المفردات الفرنسية التالية: image وfigure وforme بكلمة واحدة هي الصورة رغم أن الكلمة الأولي متأتية من الكلمة اللاتينية imago والكلمة الثانية قد تعني الشكل والثالثة تفيد الإطار الذي توضع فيه ، فماهي الترجمة التأصيلية للكلمة الألمانية Bild؟ وهل هي مجرد صورة متخيلة أم أنها ممثل عن الحقيقة المادية؟
من هذا المنطلق قام الفيلسوف الهرمينوتيقي الألماني المثير للجدل هانس جورج غادامير "1900-2002" بالاستشكال الأنطولوجي لمصطلح الصورة أول مرة في كتابه" الحقيقة والمنهج" ،حيث بين التناسج الأنطولوجي بين الصورة وأصلها وقام ببناء هرمينوتيقا فلسفية تعيد تعريف مفهوم الفن بشكل مغاير عن التعريفات السائدة، وتقوم بنقد الوعي الجمالي وتعتمد على اللعب كمبدأ تفسيري، وتجسد ذلك في طرحه للأسئلة التالية: أي نمط وجود يمكن أن تحتله الصورة؟ ماهو الأمر المشترك بين مختلف أشكال الصور؟ هل يمكن تطبيق نمط الوجود الجمالي الذي يجعل من اللعب مفتاحا للتفسير الأنطولوجي علي الصورة؟ ما علاقة الصورة بالأصل الذي تصوره؟ هل هي مجرد نسخة أم أنها عرض مضاعف للأصل؟ لكن إذا كان العرض هو نمط وجود العمل الفني كيف تساعدنا الصورة على التحقق من معنى العرض؟ ما الفرق بين الصورة المتخيلة والصورة المرآوية؟ هل الصورة غاية أم وسيلة؟ هل تمثل الصورة الشخصية نسخة ذاتية أم أنها في إعادة الإنتاج تدليل علي ما يستنسخ؟ كيف تمتلك الصورة وجودها الخاص المستقل عن الأصل؟ هل الصورة مجرد عرض لأصل أم أنها تتخطى ذلك؟ إلي أي حد يصح قول غادامير بأن الصورة تتمتع بمكانة أنطولوجية ايجابية؟ كيف يفسر فيلسوف الهرمينوتيقا تدحرج قيمة الفن؟ ولماذا التجأ إلى نقد الوعي الجمالي؟ وماذا يقصد بفنومينولوجيا الصورة؟ ما علاقة الصورة بالتزييني والمناسباتي؟ وكيف يؤدي الاعتماد على مفهوم اللعب إلى فهم البعد الأنطولوجي؟ من ناحية أخرى إذا كان هيدغر قد بين أن حقيقة الأثر الفني هي شيئية شيئه، وكانت الصورة أحد الآثار الفنية فهل يحوز لنا أن نتساءل عن صورية الصورة؟

ان رهان غادامير ليس التخلي عن الفن، أو البحث عن بديل عن الصورة، بل إبراز الوظيفة الأنطولوجية للصورة وإعادة تعريف الظاهرة الجمالية، وذلك بإحراز أفق يربط بين الفن والعالم ويصالح بين الإنسان والتاريخ، ويماهي بين الجمال والحقيقة.

حالة الفن في عصر الصورة:

 

"بعزلنا الفن عن ارتباطاته بالحياة، وعن الشرائط التي نقاربه بها، فإنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه علي الجدار"[2].
الفن يزيد من قدرة الإنسان علي أن يصور الأشياء الموجودة في العالم، وعلى أن يتخيلها في وضعيات أفضل ويصنع منها عوالم أرحب وقد جعل الناس من الفن يعبر عن الجمال وينتج الحقيقة في الآن نفسه، ويظهر ذلك في الطاقة الهائلة التي تكتنزها الآثار الفنية على إنتاج المعنى، وإضاءة المناطق المظلمة وفتح الفضاءات المغلقة.

انحطاط الفن في الحقبة المعاصرة هو حقيقة ساطعة وأمر ظاهر وبادي للعيان، حسب غادامير من عدة نواحٍ أهمها: غزو العقلية التجارية للفن، وانحدار الخلق الفني إلى مجرد إنتاج صناعي، علاوة على احتلال الوعي الجمالي المكانة التي كان يحتلها الذوق الفني، واتصاف هذا الوعي بالتجريد وادعاء الشمولية، على الرغم من آنيته ومسايرته للبني التقليدية.

 

من جهة أخرى يذكر غادامير استعادة جماليات العبقرية نظرية الإلهام والتوسط والحدس والتقمص، وعزل الأعمال الفنية عن الحياة، والتعامل معها كمجردات ورموز مغلقة على ذاتها ،ولا تشير إلا إلى بعضها البعض، وحتى لغتها السرية فلا يفهمها سوى مبدعوها. 
وتأكيدا لهذا النقد لعلم الجمال الكانطي نجده في كتاب آخر عن هيدغر يرى أن :"ما نخبره في الجميل- وفي الطبيعة وفي الفن كذلك- هو الانتعاش الكلي والتفاعل الحر لجميع قوانا الروحية. فحكم الذوق ليس معرفة، ولكنه ليس حكما اعتباطيا. 
وهو ينطوي علي ادعاء الشمولية التي يمكن أن تؤسس استقلالية العالم الجمالي. ويجب أن نقر بأن هذا التسويغ لاستقلالية الفن كان المنجز العظيم لعصر التنوير من خلال الإصرار على قداسة القوانين والاستقامة الخلقية. فكانت هذه على نحو خاص هي الحالة تماما في إحدي نقاط تاريخ ألمانيا ،عندما كانت الحقبة الكلاسيكية للأدب الألماني من خلال تمركزها في فايمر تسعى إلي تأسيس نفسها دولة جمالية، فوجدت تلك الجهود في فلسفة كانط تسويغها المفهومي. ومع ذلك كان تأسيس علم الجمال على ذاتية القوى الذهنية بداية عملية التذويت الخطرة"[3].
عيب هذا الاتجاه أنه فهم العمل الفني علي أنه تموضع للروح وتصور الفن على أنه تحلي الروح على مستوي الحدس الحسي للعالم، لأن الفن حسب رأيهم وبالمعني الحرفي للكلمة هو حدس العالم.

 

عيب الكانطية المحدثة التي قضت على علم الجمال المثالي أنها رفضت الاعتماد علي المفاهيم عند التعامل مع الأثر الفني، واعتقدت في وجود منهج موصل إلى الحقيقة، ولكن هذا خطأ حسب غادامير لذلك نجده يقول:" هذه الحركة الفلسفية المهيمنة كانت قد أحيت الأساس الكانطي للمعرفة العلمية من دون استعادة الأفق الميتافيزيقي الذي يقع عند أساس وصف كانط للحكم الجمالي وأعني بذلك نظام الوجود الغائي. وبالنتيجة تعبأ التصور الكانطي المحدث للمشكلة الجمالية بأحكام مسبقة فريدة، وعرض موضوعة مقال هيدغر يعكس بوضوح هذه الحالة"[4].
لا ينظر الوعي الجمالي إلى الفن إلا من جهة الشكل الجمالي، أو الصورة الفنية غافلا عن أن الجميل الفني هو مفهوم حديث نسبيا، وطارئ على التجربة الفنية وهو لم يكن أبدا منعزلا عن سائر أشكال حياتنا الإنسانية ولذلك يدعو غادامير إلى إعادة بناء الوعي الجمالي بتبصيره بماهية الفن وتمكينه من تحصيل الحقيقة في الأعمال الفنية.

 

عيب الحداثة الفنية أنها أهملت قضية الرمز في الفن ،وبخاصة في فن التصوير إذ أن "الطابع المميز لفن عصرنا أنه يفتقر إلي الرمزي، ولا يستعدي الموضوعات الأسطورية الرمزية في الدراما القديمة والشعر الملحمي من أجل تصوير العالم الديني ولفهم القدر الإنساني".
"فالحقيقة الواضحة للعيان هي أنه قد حدث في عصرنا تحول بلا انقطاع في مسار الفن التقليدي العظيم المتوارث عبر العصور الماضية"، كما وقع اختزال الفن في العرض، وجعل كل عمل فني في صورة واختزلت الصورة في الإطار الذي يحتويها، وعلقت على الجدار من التفرج عليها، يقول غادامير حول هذا الموضوع:" إنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه على جدار"[5].
النظرة الاختزالية تظهر في الحاجة إلي المكان والتأطير، والوضع جنبا إلى جنب وقد تسبب فيها الوقوع ضحية الاستخدام العام للصورة: "نحن نفهم من هذه الكلمة الصورة الحديثة المؤطرة التي لا تحدد بمكان معين، وإنما تعرض نفسها بنفسها على نحو كامل بفضل الإطار الذي يؤطرها. وهذا يمنح اللوحات إمكانية أن توضع جنبا إلي جنب كما في قاعات العرض الحديثة"[6].
بقي أن نشير إلي سيطرة الفهم الكلاسيكي للجمال علي تعريف الفن بماهو رؤية للعالم والاعتقاد الساذج في إمكانية مقاربة الظاهرة الفنية مقاربة موضوعية وتطبيق المناهج العلمية عيها، إذ يقول غادامير حول هذا الموضوع: "الجميل هو الشيء لو أضيف له شيء أو أخذ منه شيء فسوف يدمّره" [7].

نستخلص من هذه الإشارات أن السبب الرئيسي لانحدار قيمة الفن هو سيادة الصورة، واعتقاد الوعي الجمالي أن كل شيء خاضع لتقنيات التصوير الشائع مادام له قابلية العرض، ويمكن أن يتحول إلي صورة والصورة مرتهنة بالإطار والخلفية وتعلق على جدار، وتكون فيها بُنى موحدة ومغلقة.

 

من هذا المنطلق يشعر الإنسان المعاصر إزاء ظواهر الفن بالاغتراب والضياع فقد حجبه اغتراب الوعي الجمالي الذي نسي ماهية الفن وخبرته الأصلية بالحقيقة، ولذلك يسعي غادامير نحو ربط الفن بالعالم المشترك، وذلك بالحفر في الجذور وتحقيق المصالحة بين فن الماضي وفن الحاضر طالما أن الآثار الفنية التي خلفها السابقون هي ينابيع ينبثق منها الجمال والحقيقة والمعنى.
يبذل غادامير جهده من أجل تجاوز هذه الحالة غير المقبولة التي انتهى إليها الفن، ولذلك يعيد تعريفه كما يلي:" طبيعة الفن لا تتمثل في تحويل شيء كان قد تشكل من قبل، أو تتمثل في نسخ شيء كان موجودا من قبل. إنما الفن هو شروع من خلاله يبرز شيء ما، بوصفه شيئا حقيقيا."[8] والمقصود من ذلك أن المهمة الفريدة التي ينبغي أن ينهض بها الفن في حياتنا المعاصرة ،هي قدرته علي تشخيص أسباب التوتر وعدم الألفة بين الإنسان والعالم، والعمل على مساعدة الإنسانية لإعادة الحياة إلى تجربة القرب والألفة إزاء العالم من خلال اللغة.
المشكلة أن ربط الصورة بالعرض أدى إلي تضخم عرض الصور، والكف عن القول بخيالية الصور بل الإقرار بواقعيتها وماديتها، والذي أدى بدوره إلي غياب أمكنة فارغة تصلح لعرض الصور الجديدة.

ألم يقل غادامير:"منذ لم يعد لدينا أي مكان للصور عرفنا آنذاك فقط أن الصور ليست متخيلة بل تحتاج إلى مكان"[9] ؟ كيف سيصل غادامير إلى تعريف جديد للفن يتمثل في زيادة قدرة الكائن على أن يكون مصورا طالما أن الصورة هي المجال الوحيد الذي يتيح له فرصة أن يعرض نفسه بالشكل الذي هو عليه فعلا؟

الصورة بين العرض والتمثيل:

"يبدو لي أن نمط وجود الصورة لا يمكن أن يوصف أفضل من مفهوم يخص القانون الكنسي وهو التمثيل[13] représentation

لقد تفطن غادامير إلي أن كلمة zoon تعني ببساطة صورة، وأن النسخة تفقد وجودها المستقل وتقتصر علي أن تكون شبيهة بالأصل لا غير، ويرى أن الصورة المرآوية هي النسخة النموذجية. في هذا السياق يقول:"ان النسخة النموذجية ستكون صورة تعكسها المرآة لأن وجودها سيتلاشي فعلا فهي موجودة فقط من أجل الشخص الذي ينظر في المرآة، وهي ليست شيئا آخر غير مظهرها وحسب" [14].

 

لكن غادامير يعترف بالقيمة الأنطولوجية للصورة المرآوية ويرفض أن تكون نسخة أو رسما توضيحيا، لأن فيها سيظهر الشخص في الصورة ومهمتها تعيين هوية هذا الشخص. وآيته في ذلك أن:" المرآة تجعل مما تعكسه مرئيا من قبل الشخص مادام هو ينظر في المرآة ويرى صورته أو صورة أي شيء آخر تعكسه المرآة" [15].
الصورة ليست نسخة لأن الصورة لها قوام وجودي ،بينما النسخة تطمس نفسها وأقصى ما تريده هي أن تكون متشابهة مع الأصل، أما الصورة فهي تجعل الشخص يوجد والشيء يظهر، وان إعادة إنتاجها تكتسب وجودا مستقلا يفوق الأصل أحيانا. تستخدم النسخة كوسيلة من أجل التدليل على الأصل وتفحص مقارنة وتمييزا بينها وبين ما تستنسخه. ان الصورة "ليس مقدرا عليها أن تطمس ذاتها لأنها ليست وسيلة من أجل غاية...وهذا يعني أن المرء لا يصرف انتباهه عن الصورة إلى ماهو ممثل فيها، بل ان العرض يظل مرتبطا على نحو أساسي بما ممثل وينتمي إليه حقيقة"[16].

 

ان القراءة الهرمينوتيقية من طرف غادامير للصور بينت أن اللاتمايز بين هوية الصورة والمصور في اللحظة السحرية هو الطابع الأساسي الذي يطبع تاريخ الصورة، لأنها غير قادرة أنطولوجيا على الانفصال عما هو ممث،ل وأن "نموذج الصورة المرآوية لا يغطي التصور الجمالي عن الصورة"[17]لأنها مجرد مظهر وانعكاس مرآوي وغير موجودة واقعيا وتعتمد كوسيلة لإظهار ماهو منعكس فيها. في حين أن الصورة تؤكد وجودها الخاص وتمكن ماهو مصور من الوجود.
ان الصورة الفوتوغرافية الشخصية الجيدة ليست مجرد نسخة الشخص المصور، بل هي منتوج استعمال فني لتقنيات آلية يقول شيئا عن الأصل، وإذا كان للصورة وجود عرضي فان هذا العرض له ارتباط جوهري بالأصل، وعن هذا الأمر يقول غادامير:" فالقول ان التمثيل صورة وليس الأصل نفسه لا يحمل أي معنى سلبي، فهو ليس وجودا ناقصا وإنما هو واقع مستقل بذاته"[18].

 

ينتهي هذا الفيلسوف إلي تأكيد الاختلاف بين علاقة الصورة بأصلها وعلاقتها بنسختها رافضا العلاقة أحادية الجانب، طالما أن الصورة عندما يعاد عرضها فهذا ليس تكرارا أو مجرد حدث عرضي، بل يدخل في صميم وجودها وهو حدث أنطولوجي ويحتل منزلة  ماهو مصور. ليس العرض مجرد مناسبة لكي تظهر الصورة للعموم بل هو طريقة ينمو بها وجود الصورة لأن كل صورة يمكن أن تعرض نفسها بطرق مختلفة، يقول غادامير عن هذا الموضوع:"مضمون الصورة ذاتها يعرف أنطولوجيا بأنه فيض للأصل"[19].
وحجته يستمدها من الأفلاطونية المحدثة ومن اللاهوت المسيحي، لأنه بالنسبة للأول نعثر على الفكرة التي ترى أن فيض التعدد والكثرة عن الإله رمز الوحدة، ليس علامة نقص بل نمو في الوجود وبالتالي فالشيء الذي يفيض منه الفائض لن يصير بذلك أقل، بل علامة على كماله وثرائه لكونه معيناً لا ينضب، أما بالنسبة للثاني أي اللاهوت المسيحي فإننا نجد فكرة قيمة المظهر المرئي لحظة تجسد الإله في شخص المسيح، ولذلك تطورت الفنون عندما تغلب هذا اللاهوت علي تحريم التصوير وانتهينا إلي القول بأن "العلاقة الأنطولوجية بين الأصل والنسخة هي الأساس للواقعية الأنطولوجية للصورة" [20].
ان نمط وجد الصورة حسب غادامير هو التمثيل وهذا الأخير لم يعد يعني الاستنساخ والعوض بل الاستبدال والحضور، هنا يقوم فيلسوفنا بتعديل أساسي للعلاقة الأنطولوجية بين الأصل والنسخة ويقلب التصور الأفلاطوني رأسا علي عقب تشبها بنيتشه وبالتالي لم يعد الأصل هو المرجع الذي نقيس به القيمة الأنطولوجية للنسخة بل أصبحت النسخة التي هي الصورة تؤثر علي الأصل لأن "الأصل لا يصير أصلا إلا من خلال الصورة فقط" [21].
يستشهد غادامير بالصورة التمثيلية في المجال السياسي ويقر بأن رجل الدولة يجب أن يمثل الدولة علي أحسن وجه، وأن يلبي جميع الانتظارات التي تفتحها صورته، وما نلاحظه هنا ليس الشخص الذي أصبح حاكما قد اكتسب صورة جديدة بل ان الصورة هي التي اكتسبت وجودا واقعيا.
يتعمق غادامير في إثارة المشكل عندما يميز بين التمثيل عن طريق الصورة والعرض من خلال الصورة، ويرى أن المرء عندما يعرض نفسه فانه لم يعد ينتمي إلى نفسه ،ويتقمص الصورة التي يريدها المتفرجون أي" يتعين عليه في النهاية أن يستعرض نفسه بحسب ما تفرضه الصورة" وليس كماهو في حد ذاته. هنا يكشف غادامير عن مفارقة تتمثل في أن "الأصل يكتسب صورة متخيلة ما فقط من خلال كونه مصورا ، ومع ذلك فان الصورة المتخيلة ليست غير مظهر للأصل" [22].
الغريب أن غادامير يكشف في الصورة الدينية عن وجود قوة أنطولوجية تامة لأن الإله في المسيحية يمكن تصويره بواسطة الكلمة والوحي وعن طريق الصورة المتخيلة والمرسومة ولكن هذه "الصورة ليست نسخة عن الكائن المصور إنما هي تشاركية أنطولوجية معه" [23].
بعد ذلك يعيد غادامير قراءة تاريخ الفن علي ضوء التأكد من التكافؤ الأنطولوجي بين الصورة والأصل، ويبين أن الفن التشكيلي يحل مشكلة نشوء الأنماط وتغيرها ويبدع الصور بشكل مزدوج ويخدم الدين والشعر عندما يخلق صورا متميزة من حيث الشكل eidos والوظيفة timé ولذلك يثني غادامير على الشعري لأنه يساعد الفن التشكيلي على خلق الأنماط، ويتجاوز الوعي الديني الموحد ويقدم من خلال الكونية المعقولية ما يظل مفتوحا علي التخيل.

الصورة بين الأصل والنسخة

 

"وهكذا فان مفهوم الصورة يتخطي مفهوم العرض كما استخدمناه حتى الآن، لأن للصورة علاقة أساسية بأصلها"[10]
يري غادامير أن هذا الاستخدام لمفهوم الصورة لا يتمتع بصدقية تاريخية لأن الصورة لها تاريخ متغير ولأن سيادة الصورة بشكل نهائي لم يتحقق في التناغم الذي تحدث عنه ألبرتي حيث وجدت صور منتصبة بذاتها، بل ان هذه هي فترة معينة من تاريخ الفن.
تتمثل خطة غادامير في تغييره للمدخل الذي ينطلق منه لمعالجة قضية تعريف الصورة، فهو يرفض أن ينطلق من مفهوم الصورة السائد في القرون الحديثة، وخاصة مفهوم الصورة الذي عودتنا عليه قاعات العرض الحديثة وينفصل عن الوعي الجمالي الذي يركز علي جماليات الخبرة ويعامل الظاهرة الفنية علي أنها مادة للمقاربة الموضوعية، ولا تختلف عن الظاهرة الطبيعية التي تتطلب التفسير.
دعو غادامير إلى التحرر من المفاهيم الساذجة عن الرسم والنحت ويقوم بنقد الجماليات التقليدية ويحمل كل من التأمل الفلسفي والبحث الجمالي والدولة الصناعية الإدارية الحديثة مسؤولية أزمة الصورة للاستغلال المفرط للفضاءات العامة الإغراق في التجريد والشكلانية والانفصال عن العالم.
يحاول غادامير هنا أن ينزل الصورة ضمن إطار الفن التزييني المناسباتي، ويبحث عن علاقة التحليل التصوري بالأنطولوجيا مثيرا مشكلة الأصل بتساؤله عن الفرق بين الصورة ونسختها، وعن علاقة الصورة بعالمها.
لا يقتصر مؤلف "الحقيقة والمنهج" على فنون النحت والرسم بل يهتم بتاريخ الفن والعمارة والدراما والمسرح والموسيقي والشعر والبلاغة، ويميز بين الفنون الزمانية والفنون الأدائية والفنون التي تركز علي العرض، والفنون التي تهتم بالصورة، والفنون الأخرى التي يشتبك فيها العرض بالصورة والفنون التي تسمح للصورة بأن تتخطي العرض مثل إعادة إنتاج عمل أدبي علي خشبة المسرح كلما كان العرض مضاعفا وتم إعادته، فان المحاكاة لا تعني نسخة بقدر ما يدل علي أن إعادة إنتاج إبداعية تكون مظهرا لما يعرض ووجود حقيقي للعمل علي الرغم من أنها عرض مضاعف ومحاكاة للعمل الأول.
في هذا السياق نجده يقول: "فالعالم من دون أن يحاكي في العمل لا يكون موجودا كوجوده في العمل. فهو ليس موجودا كوجوده في العمل ومن دون أن يعاد إنتاج العالم لن يكون العمل موجودا. لذلك يبلغ حضور ما يعرض في العرض اكتماله" [11].
يستنتج غادامير من هذا المثال ثلاثة أفكار: الأولى هي التناسج الوجودي بين الأصل والمعاد إنتاجه أثناء المحاكاة، وبالتالي فان المعاد إنتاجه يكون هو فوق مرتبة النسخة، والثانية هي الأولوية المنهجية التي تتمتع بها الفنون الأدائية على البقية، والثالثة هي أن هذه الحقيقة تنطبق أيضا على الفنون التشكيلية. 
لكن غادامير ينتبه إلى أن الصورة في الفن التشكيلي تقاوم إعادة الإنتاج، والشيء المستنسخ له وجود مستقل ويمكن أن يمتلك درجة أنطولوجية أعلى من الصورة التي حاول محاكاتها، وبالتالي يصعب حسب غادامير القول ان إعادة إنتاج في الفن التشكيلي هو وجود حقيقي واكتمال للعمل.
ان العرض عن طريق الصورة لا يعني استنساخ الأصل، بل تمثيله وإعادة إنتاجه و"الطريقة التي يرتبط بها تمثيل ما بالأصل" مختلفة "عن الطريقة التي ترتبط بها نسخة ما بالأصل".
يجري غادامير للتثبت من وجاهة هذه الإقرارات تحليلا على النتاج الحي، ويهتم بالشخص الإنساني ذاته والصورة الشخصية ويثمن الصورة الدينية بالخصوص، ويرى أنها لم تكن مجرد نسخة بل تشارك مشاركة أنطولوجية مع الأصل، إذ يقول حول هذا الموضوع:"إننا نعرف أن الصورة الدينية هي التي تكشف فقط عن القوة الأنطولوجية التامة للصورة. فالثابت أن الإله يصبح قابلا للتصوير من خلال الكلمة والصورة المتخيلة. لهذا تتمتع الصورة الدينية بأهمية نموذجية. فنحن نستطيع من دون شك أن نري فيها أن الصورة ليست نسخة عن الكائن المصور بل إنما هي تشاركية أنطولوجية معه"[12].

لكن إلي ماذا تستند الصورة الدينية؟ هل تعتمد علي العرض والأداء مثل بقية الصور أم علي التمثيل والتعبير والمشاركة مثل النماذج الأفلاطونية؟.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب فلسفي.
المراجع: 
Hans- George Gadamer, l’actualité du beau, traduction par Elfie Poulain, éditions Alinéa 1992
هانز جورج غادامير، طرق هيدجر، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلي حاكم صالح، الطبعة الأولي دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان
هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا.

 

[1] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص224
[2] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص213
[3] هانز جورج غادامير، طرق هيدغر، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلي حاكم صالح، الطبعة الأولي دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان، ص222- ص 223
[4] هانز جورج غادامير، طرق هيدغر، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلي حاكم صالح، الطبعة الأولي دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان، ص224
[5] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص213
[6] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص
[7] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص
[8] هانز جورج غادامير، طرق هيدجر ، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلي حاكم صالح، الطبعة الأولي دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان، ص237
[9] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص215
[14] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص216
[15] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص217
[16] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص217
[17] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص218
[18] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص219
[19] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص219
[20] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص220
[21] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص221
[22] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص222
[23] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص222
* كاتب فلسفي  من تونس.