الصديق

شيلي مينون*

ترجمة: صالح الرزوق**
لم أقصد أن أصادقك، وكنت تبدو لي أصغر مما أنت عليه: ولد خجول بابتسامة معدية. ماذا يضر لو ابتسمت لك بالمثل؟. وآنذاك وضعت نفسي في عزلة. كنت أبحث عن العزاء من أوجاع القلب، وكفاني أن أكون وحدي في غابة ماطرة. وكان واجبي يقضي أن أبحث عن بقاء الأنواع المنقرضة، ومنها مجموعة من القردة تعيش على بقايا الغابات. ثم تحديد كيف يمكن أن تحمي نفسها في ظروف قاسية من هذا النوع. وكان البحث عن جواب ببتفكير بسيط يعني لي الخلاص والراحة في هذا المنفى.
لكن أرغمت على تقديم تنازل عن شرطي للبقاء وحيدة – كان يجب أن يرافقني في الغابة وكل الوقت قصاص أثر. ورشح  لي زميلي أ. جاي.  قصاص الأثر موروجافيل. ورأيت أنه حالة فريدة تسترعي الاهتمام. وقد أحببت ذلك فيه. كانت أطرافه رفيعة، ويحمل في كل الأوقات ساطورا بقبضة خشنة. لقد حماني من الضياع في الطريق، وكان ساطوره الرشيق يحررني كلما وقعنا في أسر الأشجار المتشابكة، أو في بقايا شبكة عنكبوت عملاق في عرض طريقنا. لكنه لم يكن يتكلم الإنجليزية، وكنت أعرف القليل من التاميل الركيكة وبعض الكلمات الضرورية.
وكانت مشاكلنا اللغوية وطبيعتنا، ورفضه للاستحمام، يعني أن نحافظ على علاقتنا في حدودها الدنيا. ومع الوقت، أصبح أكثر عنادا، وربما كان مزاجي المتقلب قد أصابه بالعدوى. وفي وقت مبكر قبل الفجر من أحد الأيام، وأنا أغلي مياه الشرب على الموقد، والبيض اللازم لوجبتنا اليومية المعتادة، رفض مرافقتي إلى الغابة، ونقض الاتفاق الذي تنص عليه وظيفته كقصاص أثر. سألته:"هل أنت متوعك؟".. هز رأسه بالنفي. كان الطقس غامضا في الخارج، وتغمره الأمطار. وكان حريصاً أن لا يبتل. قال:"المطر"، وأشار إلى الأعلى، لأسمع في الحال أطرقات قطرات المطر الثقيلة والمتتالية على السطح المصنوع من قصدير مضلع قد غطت على جوابي. ذكرته بقولي:"أنا أفهمك، لكن يجب أن أتابع عملي". سأل:"وما الغاية منه؟". كان متبلدا. فكيف أوضح له: أنا الحائزة على شهادة جامعية. لقد كان شعارنا لا يعفيك من جمع المعلومات غير الموت. وعوضا عن ذلك قلت:"لمطاردة القردة وتسجيل ما تأكل. لا شيء آخر". نظر لي بحزن وصدمني بقوله: "إنها تأكل الطعام الذي تناولته بالأمس". لقد كان كلامه بغاية الحكمة.  مع ذلك وقفت بصمت تام أراقب الماء وهو يغلي. يا له من بيان مشرق – التحليل الإحصائي والمكررات والتوزيع التكراري، واختيار العينات، لتحديد الاختلاف في الحمية الفصلية،  كلها أصبحت عديمة الجدوى. لم يكن بيننا في تلك اللحظة مفردات مشتركة، ولا نية لنفهم بعضنا بعضا قلت له :"حسنا". ثم ذهبت وحدي إلى الغابة لأختبر عزيمته.. 
وها أنت هنا.. فكرت: ولد بعمر خمس أو ست سنوات، ولد صغير مع ضحكة غريبة. أولا تبعتني من مسافة، ثم انتهزت غياب قصاص الأثر، واقتربت عدة أقدام. راقبت بحذر سلوكك خلال الصباح، متوقعة أن تغيب في أية لحظة. وعند الظهيرة، شاهدتك بزاوية عيني، وأنت تتوارى خلف جذع شجرة وتدندن بنعومة لحنا مألوفا. وخلال استراحة من متابعة حمية القرود وتصرفاتها، قلت لك بالتاميل المكسورة:"أنا أعلم أنك هناك". وقدمت لك البيضة المسلوقة التي أحضرتها لموروجافيل، على أمل أن يبدل رأيه وينضم لي، بالأخص أن المطر توقف والشمس الساطعة جففت الأشياء وخلصتها من البلل. خرجت على استحياء من وراء الشجرة، وكنت تتحسس من أقل مداعبة. ولكن عينيك كانتا لامعتين وابتسامة تتراقص على شفتيك. كنت ترتدي بذتك المدرسية – قميص أبيض بكم قصير، وعليه بقع بنية، وجزء منه مطمور تحت سروالك القصير بحوافه المهترئة. سألتك بحذر:"هل لديك اليوم عطلة؟"،
 وحرصت أن لا أخيفك. كنت أعرف أن مدرسة بالتاميل يعني pallikudam – لأن أغنية من فيلم مشهور كانت تردد الكلمة في السوق يوميا بأعلى صوت، عن أولاد يلعبون الهوكي ويسعدون بها. ولكنك قلت إنك تبغض المدارس، وأن المعلمين أنذال والمدرسة مضجرة. وكنت تريد أن تكبر وتلتحق بالعمل في المدينة الكبيرة. وأنك رأيتني في مناسبات عديدة أدخل الغابة مع قصاص الأثر قبل بزوغ الفجر، وأغادرها في المساء بعد الظلام. قلت لك:"أنا أزور هذه الغابة كل شهر لبعض الوقت. وأنضم للقرود قبل أن تبتعد عن مكان استراحتها وأتعقبها طوال اليوم، وأنتظر حتى يغلبها النوم لأعرف أين أجدها مجددا في الصباح التالي. وإلا سوف تختفي في الغابة عند أول ضوء، وهذا يحتاج لمعظم النهار للعثور عليها من جديد، هل تفهمني؟". فكرت بالأمر مليا وأومأت مرغما – أنت لا تعتقد أن متابعة القرود تحتاج لهدر يوم كامل، ولكنك متيقن أن المدرسة مضجرة. قلت لك بتاميل مكسورة مع إيماءات وكلمات إنجليزية:"أحيانا تراني أصعد في الحافلة، وتتساءل هل سأعود؟ في وقت غيابي أزور غابات أخرى. وأحيانا مكانا في المدينة. متحف أعشاب، شيء يشبه المدرسة، للتعرف على عينات نباتية وأنواع النباتات التي يتناولها القرود في طعامهم". وكنت ألوح لك بغصن عليه أوراق كان في جعبتي. وأضفت:"ربما تأتي وتساعدني في جمع النباتات، ولكن يجب أن تداوم في المدرسة وتبذل جهدك لتتعلم".
بعد ذلك اليوم في أيام السبت والأحد، رافقتني مع أنه بمقدورك أن لا تفعل، وكنت تذهب معي إلى الغابة، إن لم يكن لديك واجبات منزلية أو عمل في شركة الشاي. وتحسنت لغتي التاميل بشكل ملحوظ نتيجة لحواراتنا، وشرحت لي معنى الأغنية عن الأولاد الذين يلعبون الهوكي في المدرسة، وكتبت كلمات أول فقرة بحروف لاتينية. لكن محاولتي الفاشلة لإنشاد الفقرة دفعتك للهياج والضحك. وكنت تنثني على نفسك، وتضرب فخذيك، حتى آلمتك معدتك من الضحك وتوسلت لي أن أصمت.
ثم بلمح البصر انتهى وقتي في الغابة. فقد جمعت المعلومات التي تجيب على مشكلة الاختلاف الفصلي في المصادر المتوفرة واستفادة القردة منها، ودفعت لموروجافيل راتب الشهر الأخير، وشرعت بحزم أشيائي المتواضعة وبدأت بالوداع. أنت توسلت قائلا:"خذيني معك". وألحفت بالتوسل لوالديك قائلا:"اسمحوا لي بالرحيل". ولكنهما كانا بمزاج سيء. وكنت في ورطة في السنوات الأخيرة. أساتذتك يئسوا منك، ودخل والداك  في حالة من القنوط. وكانا يخشيان أن تهجر الدراسة وتهرب، وترافق جماعة سيئة، ولو تابعت على هذا المنوال قد يكون مستقبلك غير مضمون، وتتعلق بالحياة التي تسير في مجراها وراء التلال ويصيبك الخبال وأنت تحاول التملص من حياتك هنا. واعتقدا أنه ربما يمكنك أن تلتزم بما أقوله لك، وتعود للمدرسة، إذا انتقلت لبيئة مختلفة. وربما تصبح مجتهدا وتتعلم تحمل المسؤولية.
وقالت أمك إنها دللتك ولاحظت خطأها وبدأت تخشى على مستقبلك. وفي النهاية، قابلت أنا وأ. ج. والدك، ورتبنا أمر أن ترافقني إلى بومباي لتعيش مع والدي. (وهاجمتني بالأسئلة: هل هي مدينة كبيرة، أخبريني؟. ووعدت وعيناك تلمعان: سأكون طيبا ومجتهدا). سنحاول لعام، وستعلمك أمي في البيت أول الأمر، فقد كانت معلمة والآن تربي الأطفال الصغار. وحينما تكون جاهزا، ستنتسب لمدرسة ابتدائية مناسبة، وهي في نهاية الشارع الذي نعيش فيه. وستمد يد العون للوالدة، وستشغل وقتها بتعليمك، فأبناؤها كبار ولا ضرورة لرعايتهم.
ولكن الأمور لم تتيسر بهذه الطريقة. ومع أننا شرحنا لك عدة مرات، لا أعتقد أنك فهمت معنى المسافات. 
أنت لا تعلم أن بوسطن ليست بعيدة من بومباي، بل بعيدة جدا، وحينما تقول سأعود لزيارتك، فهذا يعني على الأقل بعد عام، وربما أكثر. كتبت أنا ووالدي عنك في كل رسالة تبادلناها. وفي البداية تقدمت الأمور بشكل جيد، وكلنا شعرنا بالدهشة من اهتمامك بالوالدة، حين تقبض على يدها وهي تسير ببطء، بسبب العرج في ساقها البديلة. وأحيانا كنت تقفز بجانبها ولكن لا تفلت يدها، وحقيبة الخضروات تتدلى من ذراعك. ويبدو أنك كنت تتذكر وعدك لي أنك ستكون مهذبا وترافقها إلى السوق ولن تلهو وتسبب لها العصبية أو القلق وهي تبحث عنك. وكنت تجلس لتلقي الدروس كل أمسية، ولكن ذهنك كان يشرد بسهولة فأنت طالب مزاجي.
ببطء، تمكنت منك طبيعتك الغريبة، ووتيرة الشكاوي المتزادية عن تطفلك على الحي أصبحت أكثر مما يتحمله والداي. وفي رسائله لي، تكلم الوالد بعاطفة فياضة عن طريقتك المباشرة في الحياة. ثم عنفني لأنني دللتك وعاملتك كفرد من العائلة، وسمحت لك بمجالستنا وتناول الطعام معنا ومشاركتنا بكل شيء. وبدأت تشعر بالتنافس مع أشقائي، ومع أنهم أكبر منك بالعمر، شعروا بالانزعاج من تواجدك وطلباتك المتزايدة. وبعد حوالي خمسة شهور، وصلت الأخبار عن تدبير زواج لأختك الكبيرة. واستجابة لطلبات والديك، حملك والدي معه في رحلة استغرقت بالقطار ثماني عشرة ساعة لحضور زفاف أختك. وشرح لوالديك أنه لن يعود لترافقه مجددا. وترك لك ثيابا جديدة اشتراها من بومباي مع بعض النقود لإنفاقها في حفل الزفاف.
وبعد ئذ أرسل لي زميلي أ. ج. أنباء عن مكانك. ثم بدل عمله وانتقل إلى جامعة في ولاية أخرى. وفقدت أخبارك. وتخيلت أنك كبرت وأصبحت حظوظك أفضل، وتحملت مسؤولياتك كرجل في مقتبل العمر، وأنك تعمل في شركة الشاي. مثل والديك. وتخيلت أن ذكاءك وشخصيتك ستنفعانك، مع أن المدرسة والكتب لم تحرك اهتماماتك. وبالتدريج، بدأت أنساك.
ثم سمعت الرنين المتواصل لهاتفي في بوسطن، والحوار الذي أعقب ذلك، أعاد الذكريات فغمرتني.
صاح الصوت على الهاتف بحماس:"ألو، ألو؟".
في البداية لم أعرف صوتك. فقد مرت فترة طويلة. تسع سنوات؟ عشر؟.
"نعم. من حضرتك؟.".
وإن كان صوتي جافا فذلك لأنني لم أكن متيقنة أن المكالمة صحيحة.
"إشان سيدي".
وحاولت ربط الصوت باسم، والاسم بوجه. ولكن الخوف زحف إلى صوتي.
"سيدي، إشان يتكلم. كيف حالك يا سيدي؟".
إشان. يا إلهي. كم مضى على ابتعادك. وابتسمت لأن من عادتك أن تناديني يا سيدي، وهذه عادة من أيام شركة الشاي، وحراس الغابة الذين خدموا أسيادهم البريطانيين والذين هم دائما ذكور ويجب مناداتهم بسيد.
سألت بحذر وقبل أن أقتنع:" إشان؟ هال هذا أنت حقا؟".
"نعم يا سيدي. أنا أتكلم من موبايل صديق. أنا إشان يا سيدي. هل تذكرينني؟". سألتني بلغتك الإنكليزية المكسورة.
"إشان، طبعا. أتذكرك. كيف حالك؟. كيف أحوالك؟".
كان خط الهاتف سيئا، وأملت أن يتسلل إليك صوتي من خلال التشويش.
"أنا بحالة جيدة. جيدة جدا يا سيدي".
وأسعدني أنك بخير.
تنهدت وقلت لك:"هذا عظيم، أوه". وأراحني أن هذه المكالمة غير المتوقعة والبعيدة ليست للطوارئ. ولزمت الصمت، فقلت مجددا، بوضوح هذه المرة. "هذه أنباء طيبة يا إشان. لقد مرت فترة طويلة على فراقنا. أين أنت الآن؟. ماذا تفعل هذه الأيام؟".
"نعم.. مر وقت طويل.. أنا الآن حلاق..".
قلت له:"حلاق. طيب". واستغربت من مساره الذي قاده ليعمل في الحلاقة.
"... في صالون صديق. كويمباتور". كنت تنتقل من الإنكليزية إلى التاميل وبالعكس. وترجمت كلامك لأتأكد أنني أفهم.
"إذا لدى صديقك صالون حلاقة في كويمباتور ويستعين بخدماتك فيه؟. أنت تعمل بخدمة صالون صديقك؟".
"نعم. هو صديق للوالد. وأحصل على دخل منتظم. إنه عمل جيد يا سيدي". 
كان صوتك مفعماً بالثقة. وتصورت أن حيويتك سوف تناسب عملا من هذا النوع. حيث تقابل الكثير من الناس. وحيث يوجد القيل والقال. ولاحقا تساءلت إذا كان العمل يدر ربحا وفيرا، أو أنك تتورط مع شلة من أصدقاء السوء ممن تقابلهم خلال تشذيب شعورهم. أو أنك تقترض النقود منهم، وتراكم الديون بسبب القمار، أو ترافقهم في حفلات شراب وتفتح أبواب أسرارك لهم. تخيلت هؤلاء الأصدقاء السيئين، بوجوه مربعة، وعيون غامضة، يدفعونك للشراب ويبذرون فيك بذور تفاهاتهم. وافترضت أنك اصبحت تلميذا عند حلاق محترف، وتتدرب لامتلاك صالون أو أن تحتل هذا الصالون وتحل محل صديق الوالد بعد أن يتقاعد. ولاحقا، تساءلت هل عملك يتطلب كنس الأرض، وغسيل المقصات، وسن سكاكين الحلاقة، وطرد المتسولين، وإحضار القهوة الساخنة في أكواب ستانليس من المشرب القريب بينما الزبائن يملون عليك رغباتهم.
قلت له:"هذا ممتاز. وكيف العائلة؟". وكنت ذهنيا أتنبأ أن عمرك يبلغ تسعة عشر عاما وربما لديك زوجة وأولاد":العائلة – تمام يا سيدي – الوالدة والوالد يعملان في شركة الشاي. نفس المكان. وهناك نقود شهرية".
افترضت أنك ترسل لوالديك النقود، ما دام لديك عمل جيد. وهذا أكد على الصورة التي رسمتها لك في رأسي، يتحمل المسؤولية، ناضج، وتعتني بمن حولك. ولاحقا، تساءلت هل تعني أن والديك ما زالا يمدانك بالأموال. فسألتك ثانية:" هذا عجيب. ألا توجد لديك عائلة في كويمباتور؟".
سألتني باستغراب:"عائلة في شركة الشاي. ألا تتذكرين يا سيدي؟". وتساءلت هل تشعر الآن بالخذلان لأنني نسيت كل الأوقات التي أنفقتها في الشركة والغابة. وتلكأت في التعليق.
ثم قلت:"أتذكر. ولكن أعني هل لديك زوجة وأولاد يعيشون معك في كويمباتور؟".
وأراهن أنك كنت تبتسم حينما قلت محتجا:" كلا، كلا يا سيدي. لا زوجة ولا أولاد. وأنت يا سيدي؟".
" نعم. أنا متزوجة. ولدي توأم. ولد وبنت. بعمر أربع سنوات". وقلت لنفسي: هما تقريبا بطولك حينما قابلتك هناك، بشكلك المضغوط حينما كنت بعمر عشر سنوات.
"تهانينا يا سيدي".
وفي الصمت الذي تبع ذلك، تبادر لذهني أن المكالمات الدولية غالية التكلفة، وليس لدي فكرة كم كلفتك المكالمة.
قلت لك:"إشان. اسمع. كانت بادرة طيبة منك أن تتصل. ومن حسن حظي أنني تكلمت معك ويسعدني أنك على ما يرام. اذكر لي رقم هاتفك، لأتصل بك بعد يوم أو إثنين".
"موبايل صديقي؟. إنه لا يعيش بالجوار". كان صوتك مكبوتا، وفكرت بمقاهي الإنترنت فقد ازدهرت في كل زاوية وحي في بومباي. وربما في كويمباتور.
"هل بقربك مقهى أنترنت؟. سألقنك عنواني الإلكتروني، وربما يساعدك أحدهم بإرسال رسالة إلكترونية. أنا شخصيا لا أحمل موبايل، ولكن الرسائل الإلكترونية طريقة مناسبة للتواصل معي، حتى لو أنني مسافرة".
"نعم اذكري لي عنوانك الإلكتروني". وكررت كل حرف منه، وأنت تكتبه بمشقة. ثم قلت:"حسنا، سأكتب لك يا سيدي. وداعا يا سيدي".
كنت أفحص بريدي الإلكتروني بانتظام ولعدة أسابيع، متوقعة رؤية رسالة منك. ولاحقا تساءلت إذا كنت فهمت ماذا يعني "بريد إلكتروني". كنت تستعمل "عنوان" و"بريد" وأتساءل الآن إذا كنت تعتقد أنه عنوان بريد عادي.
"وداعا يا إشان. سعيدة لأنك وجدت عملا جيدا. وشكرا لأنك تذكرتني".
وفجأة شعرت أنه من غير المناسب أن أغلق الخط على وعد غامض ببريد إلكتروني. وتبادر لذهني:"هل يوجد هواتف قرب صالونات الحلاقة؟. هل بمقدورك أن ترسل لي هذا الرقم".
وسمعتك تقول بلغة تاميل سريعة: "نعم سيدي". وأعقب ذلك حركة سريعة، ثم أمليت سلسلة من الأرقام وسجلتها. وجربت ذلك الرقم عدة مرات في الأيام التالية ولكن لم يرد أحد. والسيدة في مقسم الاستعلامات الدولية ذكرت أنه على الأرجح رقم للعموم وليس رقما يمكنه تلقي الاتصالات.
"جيد جدا يا إشان. سأتصل بك بعد عدة أيام".
"نعم يا سيدي. سأتذكر. يا سيدي". هكذا أنهيت المكالمة. ولفترة طويلة لم أسمع منك مجددا. وتساءلت إذا كانت هناك طريقة للعثور عليك، بعد أن اتصلت بي. 
وتساءلت أيضا هل اتصلت لتطلب معونة، ولكنك خجلت من طلب النقود أو المساعدة  في العثور على عمل أفضل، فهذا أول اتصال منك بعد انقطاع عشرة سنوات. ولعلك أملت بعد أن تواصلنا، أن أجد طريقة لمساعدتك، كما فعلت من قبل. وتساءلت إذا ما ذهبت للهاتف العمومي القريب من الحلاق، مستفسرا بإلحاح إذا جاءت مكالمة لك، حتى طلبوا منك الانصراف لأنك مزعج. وأتساءل إذا شعرت أنني فشلت بالاتصال بك، وأنك لم تجد طريقة لاستعادة الاتصال، وأغفر لك هذا التقصير.
ومرت سنتان تقريبا قبل أن تتصل مجددا. وفي هذه المرة عرفت صوتك مباشرة وبدأت أعنفك بحرارة لأنك أعطيتني رقما لا يتلقى المكالمات. وشعرت بالقلق في صوتك، فتوقفت عن التوبيخ وسألتك: "إشان، هل كل شيء على ما يرام؟". وتدفقت كلماتك بين الشهيق والنواح. ولم تقبل ملاطفاتي. فوالدك سقط بالمرض، ويئس منه الأطباء في مستشفى صغير داخل شركة الشاي. وأحضرته إلى كويمباتور، حيث يمكنك رعايته. لقد كان مرضه في القلب، ونفعه الدواء أول الأمر، ولكنه حاليا في المستشفى، وبحاجة لعملية في القلب. وأخبرتني باسم المستشفى. وقلت إنك من شهور تدخر المال لعملية تنقذ حياته، ولكن من حوالي أسبوع دخلت حالته في منعطف خطير، وليس من المحتمل أن ينجو إن لم يخضع للعملية في غضون أيام قليلة. لقد كان ضعيفا بالأساس. وتحتاج لسنتين لتوفير نفقاتها. وأخبرتني أنك ستعيد لي النقود شهريا حتى تسدد الدين، مع الفوائد. وكنت بالكاد تعرف ماذا تقول، فقد كنت تشهق بصوت مرتفع. وبمعونة مدير مصرفي، أرسلنا من حسابي برقيا إلى حساب أ. ج. لسداد قيمة المبلغ الذي أرسله لك. وطلبت منك أن تخابرني في التوقيت نفسه من اليوم التالي. 
أرسلت إلى أ. ج. رسالة إلكترونية عاجلة. وكانت الساعة في الهند في وقت متأخر من المساء. وأجاب ليقول إنه يجهز نفسه لمعزوفة على سيتار يؤديها  فنان محلي، ولكنه سيبذل جهده صباحا ويخبرني. وتطورت الأمور بعد ذلك بسرعة. اتصلت مع مصرفي في بومباي وفتحت حسابا لأودع فيه النقود. كان بوسعي أن أرسل لك شيكا، ولكن هذا يستغرق عدة أيام ليصلك. وبناء على طلبي، سحب أ. ج. النقود من حسابه وأرسلها إليك نقدا بواسطة حامل موثوق (طالبة كانت في كويمباتور وتدرس تقسيم النبات في نفس متحف الأعشاب الذي ألجأ إليه). وكنت في أشد المعاناة آنذاك. وأخبرتك أن لا تقلق وأن تبدأ بإجراءات العملية في المستشفى. وأعطيتك رقم هاتف أ. ج. واقترحت عليك أن تتواصل معه. وفعلنا ما بمقدورنا لنتأكد أنك حصلت على النقود في الوقت المناسب لإنقاذ حياة والدك. وشكرتني بحرارة، وأخبرتك أن لا تتصرف كأحمق وأن تحتفظ بدموعك وطاقتك وأن تهتم بوالدك. وقلت لك إنه رجل محظوظ لأن لديه ابنا مثلك وأنا فخورة بك.
وبعد يومين أخبرني أ. ج. أنه حينما سلمت طالبته لك النقود انتبهت لتصرفات غريبة في سلوكك. فاتصل أ. ج. بصاحب صالون الحلاقة، الذي أنبأه أنك لا تعمل هناك من شهور، وأنه طردك لأنك تسرق النقود من الآلة، وأنك اعتدت على الشراب والمقامرة. وكان عنوان رسالة أ. ج. الإلكترونية: نحن ضحية الغش.
كان احتيالا متقنا. كنت أعلم أنك ذكي وشخصيتك قوية، وهذا سيساعدك في حياتك. وقد أقنعتني: الدموع الحارة، والإعلان عن إخلاصك الذي يفطر القلب، والوعد بإعادة النقود من خلال العمل لوقت إضافي في صالون الحلاقة، مع معلومات مفصلة عن الروبيات التي ستدفعها لي شهريا لعدد من السنوات، والقسط الذي تحتاج له من راتبك لتحتتفظ به لتسدد الإيجار وثمن أدوية والدك، الذي يجب أن يخضع للعلاج لفترة طويلة بينما قلبه يبرأ من العملية. وكنت أعتقد أن هذا صعب عليك، ووفاء الدين مشقة حتى لو رغبت بذلك، ولم أتوقع أن أراك مجددا. ولكن كرامة لكبريائك، قلت:"أنا لا أشك أنك ستبذل قصارى جهدك لسداد آخر روبية دفعتها، والآن عليك أن تركز على شفاء والدك".
كان للعاطفة الأولوية. ويجب إجراء العمل الجراحي فورا. وحياة والدك تعتمد عليك. 
لكن كان أي تأخير في تنفيذ الخطة، يعرضها للفشل، أو يقود لتساؤلات تكشف سمعتك، أو ترفع الستارة عن المستشفى في كويمباتور، هل هو موجود أم لا. وسنعلم أن والدك غير موجود فيه، ولا في أي مكان بجواره. وهو غير مريض أساسا، وأن قلبه معافى، ولو أنه مريض فسيكون بسبب شيئ آخر غير القلب.

 

شيللي مينون Shaily Menon: عاشت صباها في مومباي في الهند، حائزة على الدكتوراة في الأنتربولوجيا وعلم الحيوان والمصادر الطبيعية من جامعة أوهايو. وتعمل بالتدريس في جامعة غراند فالي. تقيم في ميشيغان.
* أديب  ومترجم من سورية.