الشخصية الأميركية مزاج المهرج الذي يبيع الصمت

Printer-friendly versionSend to friend
فاروق يوسف 
 
ما من شعب قُدّر له أن يقدم نفسه للعالم مثلما قُدّر للشعب الأميركي. هناك أمم لا نعرف عنها شيئا فيما يعتقد الكثيرون أنهم يعرفون كل شيء عن الشعب الأميركي وهو وهم صنعته الماكنة الدعائية الأميركية بإتقان يبدو من خلاله الكذب نوعا من المزاح الخفيف، المحبب.
 
راعي البقر رئيسا
جون ون، تشارلز برونسون، كلينت إيستوود كلهم رعاة بقر لكن ليس في الواقع بل في عالم وهمي اسمه السينما. وهو ما جعلهم يغزون العالم بخرافة الأميركي الشجاع والجسور والجريء والمغامر والمتحدي الذي لا يخفي ميله إلى العنف من أجل الحصول على المال.
بعد سنوات سنكتشف أن عددا من أولئك الأبطال الخارقين لم يكن يجيد إطلاق النار بعد أن كان قد قتل في مجمل أفلامه مئات البشر برصاصاته التي لا تخطئ طريقها نحو الهدف.
 
هل كان هناك رعاة بقر حقا في الغرب الأميركي؟
سؤال تأخر طرحه كثيرا. لقد حلت السينما المشكلة حين صدّرت إلى العالم فكرة عن الشخصية الأميركية المطلوب استعراضها عالميا. أما حين أصبح أحد رعاة البقر وهو رونالد ريغان رئيسا للولايات المتحدة (1989-1981) فقد ضبط الكثيرون ساعاتهم على توقيت الغرب الأميركي.
مات جيمس دين عن عمر 24 سنة في حادث مروري، غير أن رمزيته المطلوبة حيا وميتا صنعت أسطورته. ففي “شرق عدن” وهو فيلمه الأخير بعد فيلمين سبقاه قدم دين شخصية الأميركي المتمرد من غير أن يكون معنيا بتقديم أسباب لتمرده.
الشخصية المستلهمة من سيرة بطل رواية ألبير كامي “الغريب” صار عنوانا لعصر أميركي سيسلّمنا بعد سنوات إلى زمن ستسوده الاحتجاجات التي رافقت حرب فيتنام وهي الحرب التي امتدت حتى منتصف عام 1975 وانتهت بهزيمة أميركية مروّعة. كانت الشخصية التي جسدها جيمس دين ضرورية أميركيا في اتجاهين.
هناك مَن يقتل من غير أن يعرف سببا لسلوكه العدواني في مقابل مَن يخرج محتجا على ذلك القتل من غير أن يتوجه بالإدانة إلى آلة القتل التي لم تتوقف عن العمل. لقد التبست يومها الشخصية الأميركية فكان ضروريا أن يظهر جون رامبو مجسدا من خلال سليفستر ستالون عام 1982.
كان ذلك هو زمن الريغانية الداعية إلى القفز على تداعيات حرب فيتنام المأساوية من خلال التركيز على الشخصية الأميركية التي تميزت بصفات بطولية خارقة.
 
كوكب على الأرض
كان فيلم رامبو بأجزائه الثلاثة ردا مباشرا على فيلم “القيامة الآن” لمخرجه فرانسيس فورد كوبولا. ولأن كوبولا كان ممعنا في قسوته حين استعرض واحدة من المآسي التي انطوت عليها الحرب الأميركية في فيتنام فقد كان رد هوليوود سريعا وصاعقا ومصمما بطريقة شعبية من أجل أن يستعيد الأميركي صورته بطلا مستلهما من الحكايات ذات الطابع الرمزي.
كان الرسام أندي وارهول في المرحلة نفسها قد حوّل كل شيء من حوله إلى أيقونة. ما من شيء في أميركا لا يصلح لأن يكون أيقونة تصدّر إلى العالم باعتبارها علامة طريق تقود إلى الحلم الأميركي.
أميركا هي البلد الوحيد في العالم الذي يمكن أن يتحول فيه أي شيء إلى خرافة. الطباخ يمكنه أن يتحول إلى نجم يظهر مع نجوم السينما في حفل توزيع الأوسكار. وهو ما فهمه وارهول جيدا.
لم يكن من الصعب عليه أن يحوّل علبة حساء إلى رمز وطني. وهو ما يصح على مارلين مونرو وإليزابيت تايلور وألفيس برسلي. لا يُرسم الأميركي بطريقة عادية بل يُقدّم باعتباره منتوجا لا يُنافس.
لم تكن صدفة أن يهبط الطفل الخارق القادم من كوكب كريبتون قبل انفجاره في مدينة أميركية عام 1938. لقد اخترع ذلك الطفل من أجل أن يكون أميركيا. سوبرمان هو الكائن الذي يودّ الأميركي أن يكونه في كل لحظة.
وإذا ما كان ظهور “سوبرمان” قد أشبع غرور الأميركيين فإنه في الوقت نفسه قد حفر نفقا طويلا يؤدي إلى الذاكرة البشرية مرت من خلاله معجزات أميركية كثيرة، في مقدمتها ناطحات السحاب، كما لو أن أميركا كلها ناطحات سحاب.
ولكن لـ”وودي ألن” المخرج والممثل والمؤلف وهو ابن نيويورك رأي مختلف في الشخصية الأميركية، حيث أضفى عليها الكثير من الخفة والمرح والنباهة التي تتستر بشيء من البلاهة. حسب “ألن” فإن الشخصية الأميركية بالرغم من تواضعها فإنها تنطوي على الكثير من الذكاء العفوي.
 
الأبيض في برجه العالي
حين الحديث عن الشخصية الأميركية يحضر الفرد ذو الأصول الأوروبية وحده. الأبيض وحده هو الأميركي. ولكن أميركا ليست كلها بيضاء. نيويورك على الأقل وأنا الآن أكتب منها ليست بيضاء بل يبدو الأبيض طارئا.
إذن ما من شيء واقعي في تلك القناعة. الآسيويون والهنود الحمر والأفارقة وأبناء أميركا اللاتينية هم أميركيون أيضا. في الظل الخدمي هناك الأميركي الآخر. في نيويورك تسمع الإسبانية كما لو أنها لغة البلاد الأولى. الأفارقة في هارلم هم السادة المطلقون.
هارلم جزء مقتطع من خيال أفريقيا. الموسيقى زنجية من البلوز إلى الجاز. الرسامون في الشوارع زنوج. رسام قطار الأنفاق لم يرسم سوى نثار حكايات أفريقية. رأيته يترنّم بلحن حزين مغمض العينين. عاش الروائي جيمس بالدوين حياته كلها في هارلم. الأميركي الآخر لم يكن آخر حقا.
شخصية الأميركي يمكن التعرف عليها من خلال ما يأكل. ولأن الأميركيين هم أكثر شعوب العالم شراهة في الأكل فإنهم تنازلوا عن شيء من خيلائهم ليتراجع معه الـ”همبرغر” عن المركز الأول وتحل محله وجبات قادمة من مختلف أصقاع الأرض.
أميركي اليوم ليس رشيقا مثلما كان حال راعي البقر. باستثناء الطعام القادم من إيطاليا وهو ما يذكّر البيض بأوروبيتهم فإن ما يتناوله الأميركيون يعود إلى أصول مكسيكية وصينية وأفريقية وكورية وعربية. قبل منازل الأزياء تحتل المطاعم المرتبة الأولى في شوارع نيويورك.
ربما أحدث وصول أميركي من أصول أفريقية هو باراك أوباما إلى منصب الرئاسة شيئا من الخلخلة في صورة الأميركي التقليدية، ولكن تلك الخلخلة لا تعني الشيء الكثير بالنسبة إلى الثوابت الأميركية.
كان هناك مارتن لوثر كنغ وهو أميركي من أصول أفريقية. وكان هناك فوكوياما وهو أميركي من أصول يابانية وكان هناك إدوارد سعيد وهو أميركي من أصول عربية وكان هناك نعوم تشومسكي وهو أميركي من أصول روسية.
هناك المئات من أمثالهم. شخصيات صنعت مجد أميركا من غير أن تكون مسكونة بروح سوبرمان الأبيض القادم من كوكب كريبتون.
كانت ويتني هيوستن معجزة في الغناء غير أن مادونا وهي مطربة ريفية خفيفة الظل تبقى هي الأكثر تمثيلا للشخصية الأميركية لا لشيء إلا لأن هيوستن من أصول أفريقية.
في جزء مهم من أسطورتها الموسيقية في العصر الحديث كانت الولايات المتحدة قد استندت إلى موسيقى البلوز والجاز وكلاهما من صنع العذاب الزنجي غير أن شيئا من ذلك العذاب لم يأخذ طريقه إلى الشخصية الأميركية ليظهر على ملامحها.
لكن لمَ لا يكون الأميركي هو بيل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت؟ المشكلة أن غيتس بالرغم من عبقريته وثرائه وأصوله الأوروبية لا يمكنه أن يكون رمزا لأميركا، ذلك لأنه يتحدث بلغة العلم فيما يقوم كل شيء في الشخصية الأميركية على الخرافة.
تحتاج أميركا إلى رجل خارق ليس من طراز غيتس الذي تحرم عقلانيته الشخصية الأميركية من ملكة التهريج التي هي موهبة أميركية بامتياز. في الحياة الأميركية هناك الكثير من التهريج، غير أنه تهريج لا يخرج عن السيطرة حتى وإن تخلّى عن أناقته.
الفلسفة الذرائعية تتيح له أن يكون موجودا ولو في الهامش الذي لا يمكن الاستهانة بحجمه. ذلك لأن كل شيء في أميركا كبير.
أميركا هي بلد المساحات العمودية والأفقية على حد سواء. لن يخيب ظنّك حين تلتقي مهرّجا يقوم بالترويج للعطور واللوحات الفنية والعقارات والأزياء والسيارات الفاخرة وليس بينه وبين ذلك المهرج الذي يرقص في عربات قطار الأنفاق سوى واحدة من جادات نيويورك الفارهة التي يقل فيها عدد المشردين وعربات بيع الأطعمة الرخيصة.
هناك الكثير من التهريج في الشخصية الأميركية يصعب التعامل معه على أنه جزء من الواقع. في المزادات والصالات الفنية حيث تُباع الأعمال الفنية بأرقام فلكية التقيت كثيرا من المهرجين الذين ارتدوا أقنعة صنعها الرجل الأبيض لتعبّر عن مزاجه المتحذلق الذي يقول لك من غير كلمات “هنا يُباع الصمت”.
 
عن "العرب" اللندنية.