الشاعر العقلانــي بول فاليـــري

هنري دو مونفالييه*

 

ترجمة:الحسن علاج**
 
شاعر فرنسي، كاتب مقالات ،فيلسوف ،أكاديمي منسيٌ إلى حد ما ، لقد طبع بول فاليري Paul Valéry  النصف الأول من القرن العشرين . إنه يعتبر الشعر مثل تجربة فكرية أكثر منها روحية.
من بول فاليري(1871 ـ 1945 )، الكل يعرف عموما على الأقل جملة : " نحن، الحضارات ، إننا نعلم أننا فانون . " توجد تلك الصيغة الشهيرة في أزمة الروح ، مقال نشر سنة 1919 ، كُتب بُعَيْدَ مجزرة الحرب العالمية الأولى ، والتي تعبر عن قلق حول حضارتنا المنذورة للتدمير الذاتي والإبادة ، مثل تلك [الحضارات ] التي سبقتنا ... لكن ما الذي يختفي / يتوارى ؟ وراء التكرار الممل للكتب المدرسية ومباحث الفلسفة ؟ .
  نشأ بمدينة سيت Sète  عام 1871 ، اهتم فاليري الشاب بالرياضيات وبالشعر على السواء : على امتداد حياته ، سوف يحافظ على الاهتمام المزدوج بالنسبة للقطب " الأدبي " والقطب " العلمي " ، متابعا عن كثب تطور علوم عصره ورافضا التناقض بين ما سيطلق عليه الكاتب الإنجليزي شارل بورسيه سناو C.P.Snow)  ( هو الآخر عالم كيماوي وروائي)  في ما بعد بـ" الثقافتين " ضمن بحث شهير سنة 1959 . طيلة خدمته العسكرية بمدينة مونبولييه عام 1889  ـ 1890 ، ربط صداقة مع الكاتب بيير لوي Pierre Louys  الذي قَدَّمه إلى الشاعر مالارميه ، هريديا Hredia  ،أندريه جيد ، وفي ما بعد إلى المؤلف الموسيقي كلود ديبوسيهClaude Debussy  . بقراءته في تلك الفترة هيوسمان Huysmans  وفيرلين Verlaine  ، وجد ذاته في التيار الرمزي . كتب عندئذ حوالي مائة قصيدة شعرية في العبقرية الرمزية التي سيتم نشرها سنة 1920 تحت عنوان ألبوم أبيات قديمة . على أن تلك الموهبة تُقِرُّ بفظاظة أنها ابتدأت مع ما يسمى بـ "ليل جنوة" عام 1892 . أقلقته أزمة داخلية مرتبطة بطموحه المزدوج نحو العلوم والآداب ، سيقضي فاليري عطلته بمدينة جنوة عند عائلة أمه . ففي أكتوبر ،في  المكان ذاته ، أثناء ليلة عاصفة وأرق ، تجلى له نوع من "الكشف " ..صوفي عقلاني في الوقت نفسه . عقد العزم آنئذ على الزهد في الشعر كي يكرس نفسه لفائدة قيم فكرية تبدو له أكثر جوهرية : معرفة الذات ، الصرامة ، الدقة والإخلاص للفكر. سوف يخصص كل وقته بصفة كلية ل" ممارسة الفكر " وإلى زهد في  العقل . 
باكرا جدا ، في الصمت 
ففي تلك الفترة شرع فاليري في كتابة دفاتره ذائعة الصيت حيث أصبح ملؤها ،إلى حد ما مثل مراسلة فلوبير ، طقس ملزم . في كل صباح ، باكرا ، ومنذ ساعات عدة ، يقوم فاليري بتسجيل ،على شكل أقوال مأثورة ، ملاحظات فلسفية أو نصوص مقتضبة ،كل ما يخطر له على البال حول الظواهر الفكرية ، الانتباه ، الذات ،الحلم ،الزمن ، اللغة ، إلخ . انكب حتى أيامه الأخيرة  على تلك المهمة الصباحية مغطيا بكتابته الدقيقة ليس أقل من مائتين وستة وخمسين دفترا، حيث يجري إدراجها كاملة على شبكة الانترنت في الوقت الحاضر بفضل الأستاذ ميشال جاريتي Michel Jarrety  . تشهد أعمال نهاية التسعينات (1890 ) مثل مدخل إلى منهج ليونار دافنشي )1895 ( ، سهرةمع السيد تيست  m. Teste) ( 1896 ) أو مقالة غزو منهجي (1897 ) ، عن هذاالبحث " الديكارتي " والعقلاني للصرامة ، الدقة والمنهج . إلا أن فاليري الذي استمر ، فيم ا بعد ، بتعبئته دفاتر كل صباح ،لم ينشر شيئا طيلة عشرين سنة . قام [فاليري] في عام 1912 ، بتحفيز من جيد Gide  وغاستون غاليمارGaston Gallimard  ، بنشر أشعاره في فترة الشباب ، عاملا على إيقاظ الشاعر الذي ظل غافيا فيه عشرين سنة في وقت سابق، منذ الليلة الشهيرة عقد العزم آنذاك على تطبيق منهجه العقلاني على الشعر جاعلا منه لعبا خالصا للسيطرة والذكاء ، محررا من الطقس الرومانتيكي لانسكاب  الذات والتعبير عن الـ "مشاعر " . بين 1913 و 1917 ، على قصيدة وحيدة ومطولة جسدت فكرته الجديدة للشعر : [قصيدة] الغزَّالة الشابة (الغزَّالات هن في ، العصور القديمة ، آلهة القدر البشري ،الولادة والموت)  . نشرت على شكل كتيب عام 1917 ، وقد لقيت هذه القصيدة الطويلة نجاحا فوريا وأصبح فاليري شاعر المرحلة الكبير . واصل كتابة الشعر ، حافزه في ذلك هو النجاح ، لاسيما [قصيدة] المقبرة البحرية (1920) ، تحيةً لمسقط رأسه مدينة سيت . وفي سنة 1922 ، ضمت مجموعة مفاتن كل قصائده الشعرية المكتوبة منذ 1913 . 
اعــــتراف 
تميزت سنوات حياته الأخيرة بالمجد . اختير في الأكاديمية الفرنسية سنة 1924، لاسيما وأنه عين عضوا في مجلس المتاحف الوطنية سنة 1932 وعين أستاذا ل"الشعرية " (نظرية الإبداع الأدبي) والفني   بالكوليج دو فرانس سنة 1937 . ومن ثم فقد أصبح كاتبا معروفا ومعترفا به ، ثم نشر في تلك الفترة مقالات عدة ، مثل: خطاب حول الذكاء (1925 ) ، نظرات بخصوص العصر الراهن (1931) وكذلك ديغا  Degas)  ، رقص ، رسم (1938 ) . لدى وفاته ، سنة 1945 ، أمر الجنرال دوغول بجنازة وطنية : ففي هذا اليوم ، كان آخر كاتب حظي بهذا الشرف .  دُفن بمدينة سيت بال" مقبرة البحرية " التي خلدها ، أمام " البحر المتجدد دوما " . 
  طيلة حياته ، تساءل فاليري حول تعريف الشعر وفعل الخلق الشعري ، ساعيا إلى بذل مجهود جبار من أجل التأمل، ومن أجل ألا يُخْدَعَ ويستوعب،  في  الوقت ذاته  الذي كان يكتب فيه أشعاره ، وفقا لمثال السيادة الفكرية التي كان يميل إليها منذ شبابه .ينتقد فاليري في البدء الأسطورة الرومانتيكية لل"شاعر المُلْهَم " . أن يكون المرء مُلْهَماً لا يكفي للأسف كي يكون شاعرا، " وليس كافيا لرؤية كنز في الحلم من أجل إيجاده ،  عند اليقظة ، متلألئا عند قدم سريره " خطاب حول الشعر ، (1927 ) . إحدى أفكار فاليري الأساسية ، هو أن وظيفة الشاعر لا تكمن في " الإحساس " بالحالة الشعرية بل بخلقها لدى الآخرين ،  عند القراء ، مع العمل على ابتكار عالم من الكلمات منسجم وإيحائي في  الوقت ذاته تتصادى وتتجاوب بعضها بعضا . الشاعر هو أكثر من ذلك ، في العمق ، هو من يُلهم أكثر من الملهم لأنه لا يصف " الموضوع بل ما يحدثه من أثر " ، كما قال مالارميه . فضلا عن ذلك ، فحتى لو لم نسع إلى إنكار وجود الإلهام ، فهو يظل متقلبا ، مختلفا ونزويا ثم إنه بدون العمل لاشيء . إن حماسة الإلهام لا تشكل سوى نقطة انطلاق : " تمنحنا الآلهة ، بلطف ، البيت الأول بلا مقابل ؛على أنه ينبغي علينا صياغة البيت الثاني ، كي يتناغم مع البيت الآخر ، وألا يكون جديرا بالبيت الفوطبيعي الذي تقدمه ") تنوع 1  ،( 1924 ).
صبر ووعــــي 
كذلك فإن الشعر ، بالنسبة لفاليري ، هو ثمرة اختيار وعمل واع . إن الانطباعات ، الصور ، الأصداء يمكن أن تتجلى في روح الشاعر ،على أنها لا قيمة لها في غياب العمل الواعي الذي ينظمها بطريقة صبورة ، عنيدة ومنهجية . لنتذكر أنه ،حين " عودتـ"ـه إلى الشعر ، استغرق فاليري أربع سنوات في كتابة الغزالة الشابة عاملا على صياغة وإعادة صياغة أبياته كل يوم من أجل التوصل في النهاية إلى قصيدة من خمس عشرة صفحة على وجه التقريب. على غرار معلِّمه يونار دافنشي الذي اشتغل على لوحاته لمدة طويلة جدا (نحو عشر سنوات) لإنجاز لوحة القديسة آن Sainte Anne)  ، مثلا  ، عظَّمَ فاليري على الدوام الصبر والوعي ،التفكير والإفراط في التدقيق ، الدقة والصرامة ،والتي بدونها لن يتمكن المرء من العمل في واقع الحال . ينبغي أن نتصوره ، عند الفجر ضمن صوت الصباح الباكر ، الشروع في  العمل بعناد ، في تحرير دفاتره لقصيدة معينة : " صبر  ، صبر /صبر في زرقة السماء ! / كل ذرة صمت / هي فرصة لثمرة ناضجة ! ") مفاتن ، 1922 (. 
 
* مصدرالنص :المجلة الفرنسية عالم الأديان (Le Monde Des Religions) عدد 86 ، نوفمبر ـ دجنبر 2017 . 
** بتحث ومترجم من المغرب.