السينما.. فنّ امتحان الضَّجر

 

إسماعيل غزالي
 
المتعة المضاعفة لا تحقّقها إلا الأفلام التي تبتكر قواعدها الخاصّة ولعبتها الحميمة ومغامرتها المجهولة. إنها الأفلام التي تنسيك في كل ما رأيته من قبل، إذ تخلق طريقة مشاهدتها الخاصة بها، طريقة لا مألوفة على نحو يكسّر كل طرائق المشاهدة المألوفة التي تعودت عليها.. لعل هذه الشذريات تضيء على عالم السينما، وما يمكن للمرء أن يراه خلف العرض السينمائي أو يعايشه مما يقبع ما وراء الفيلم.

 

 

حَسْبُ الفيلم أن يكشف عن الشاعر الكامن وراء قناع المخرج.
٭٭٭
 
أعظم الأفلام حين ترتاد ظلمة السينما لمشاهدتها، تجعلك تخرج في ذهول وأنت تتساءل في غرابة: ما الذي تغيّر في هذا الشارع فجأة ؟! ما الذي تغيّر في هذه المدينة على نحو سحري ؟!
يلفتك انعكاسُ شبحكَ في مرايا المحلّات وتهسْهسُ في ذعر: هذا ليس أنا؟!
٭٭٭
 
ترتاد ظلمة السينما مع أشخاص واقعيّين، وتخرج منها مع أشخاص «تخييليين» بمن فيهم أنت!
٭٭٭
 
الخدوش التي تعتري صور ولقطات بعض الأفلام القديمة، هي جروحها السرية أو النرجسية التي تتنفس من خلالها لغة السينما الأخرى.
٭٭٭
 
هذا الموظّف الذي يدير الفيلم من غرفة كواليس في الأعلى، وهو يصوّب خيط النّور السّحري من ثقب رفيع إلى بياض الشاشة... ليس في واقع الأمر إلا قنّاصا مأجورا يصوّب الرّصاصة إلى رأسي في كل مرّة أختبئ فيها وسط الحشد في الظلمة. بدل أن يضغط على الزر، يستمتع بإيقاظ الكوابيس في جنوب دماغي.
٭٭٭
 
وحدهُ طفقَ يتألّم بفداحة وسط الحشد في الظلمة فيما كان الآخرون يستمتعون بالفرجة. لقد كان يشعر بفداحة الألم نفسه الذي تجشّم المخرج شقاءه وهو يرتكب جرائم الحذف اللّابُدّ منها.
براعةُ الحذْف لا يتحمّلُ خطورةَ قسوتِها إلا مخرجٌ مأساويّ.
٭٭٭
 
هل خُيّلَ لي أنني سمعتها أو قرأتها من قبل: ما أكثر الأفلام، ما أقلّ السينما!
٭٭٭
 
الفيلم الذي يحكي قصة لا يعدو أن يكون منجزُهُ تخييلاً أدبياً (روائياً). أمّا التخييل السينمائي فيوجد حيث لا توجد القصة.
٭٭٭
 
أن تدخل ظلمة السينما كائناً حقيقياً، وتخرج منها شبحاً، تلك هي الرّجّة التي يستطيع فيلم جيد أن يحدثها في كيمياء شخصيتك.
٭٭٭
 
ليس فيلماً هذا الذي تغامر بالدخول إلى غرفة السينما كي تشاهده وتخرج منه كما أنت. على الفيلم لكي يكون كذلك، أن تخرج من مجازفة مشاهدته شخصاً آخر غير الذي كنته.
٭٭٭
 
ليس فيلماً هذا الذي تشاهده مرة واحدة ولا يغريك بأن تعاود اكتشافه مرة ثانية وثالثة وأكثر، كما لو كنت ستراه لأوّل مرة.
٭٭٭
 
حَسْبُ الفيلم أن ينجح في ترسيخ لقطة مدهشة واحدة في ذهنك ليكون فيلما بالفعل.
٭٭٭
 
في غمرة الوجوه داخل ظلمة السينما أبحث عن قناع المخرج.
٭٭٭
 
تبدو مشاهدة فيلم من البلكونة كما لو كانت مسألة أرستقراطية، وعلى النقيض يبدو الأمر بروليتارياً من أسفل. وحده الفيلم الجيّد يكسّر هذه الحدود، فلا تعدو زوايا النظر إليه إلا أن تكون موهومة بأي موقع تركته في جغرافيا العتمة.
٭٭٭
 
من الصمت في الأفلام يأتي هذا الجمال المرعب. أن يكون الصمت هو إيقاع الفيلم مسألة تتخطّى حدود الموسيقى والشّعر معا على نحو أعمق وأجمل.
أساتذة الصمت في السينما نادرون جداً.
٭٭٭
 
ما تفعله بنا لقطة سينمائية لعينة في فيلم:
ممتلئاً حدّ الجنون بالحياة تدخل مصادفة أو عن ترتيب لكي تشاهد فيلماً فتخرج مقتنعاً بفكرة الانتحار.
رمادياً فوق ما تحتمله سوداوية الضجر على أهبة الانتحار، تدخل مصادفة أو عن ترتيب لكي تشاهد فيلماً فتخرج مقتنعاً بفكرة الامتلاء بالحياة.
٭٭٭
 
من فرط جمالها بعض الأفلام جديرة بأن يغادر المشاهد فرجتها والعرض لم ينته بعد. ليس خوفاً من أن تخذل النهاية ما تحقق من متعة وحسب، ولكن لأن هذه الأفلام خُلقت لكي يمهرها المشاهد بتخييل نهايته الخاصة لا غير.
٭٭٭
 
قد يحدث وتنصرف إلى مرحاض السينما والفيلم لا يزال قيد العرض... أُنظر إلى نفسك بإمعان في المرآة هناك. إن لم تر المخرج منعكساً فيها بدلك أنت، فالأجدى أن تغادر السينما بلاعودة.
٭٭٭
 
وحدهم الذين يبقون بعد نهاية الفيلم ولا يغادرون القاعة، يقدّرون خطورة ومعنى الشّعر الذي يسكن كتابة الجينيرك.
٭٭٭
 
في الترجمة أسفل الشاشة، قد تقول جملة شعرية شاردة ما لم يستطع الفيلم قوله بالمجمل على سبيل الصورة.
٭٭٭
 
في كل فيلم ممتع أشاهده، لا يزال هاجس التحري والتحقيق في ذهني يضطرم بحثاً فيما وراء زخم اللقطات والصور والوجوه والحبكات ورماد القصص، عن طرح الفيلم الأول الذي فتن المخرج وزج به في طريق الولع بالسينما. مثل حصاة بيضاء تلمع في قعر نهر يلازم هذا الطرس خلفيات ومطبخ أفلامه كلية، وإن بدرجات متفاوتة مهما وكيفما نبغت أعماله في فن الإخفاء.
٭٭٭
 
ثمة أفلام توقظ فيك إحساساً مضطرباً بازدواجية ما أن تخرج من تجربة مشاهدتها: إما أن تضرم فيك الرغبة بحماس مريب كي تنجز حلم فيلمك الخاص. أو تجعلك على النقيض تنصرف عن التفكير في صناعة فيلم، لأنها نابتْ عنك في خلق ما كنت تحلم به ولو في لقطة مكثفة واحدة ويتيمة.
٭٭٭
 
الفيلم الجيد يجعلك تشعر بنفسك وحيداً في ظلمة السينما، تفقد الإحساس والوعي بمن حولك على نحو كامل. بل إنك تشعر بنفسك داخل غرفة تحميض، والفيلم محض صور فوتوغرافية تتساءل في غرابة متى وأين التقطتها؟
٭٭٭
 
ما قيمة فيلم وما معناه إن لم يرجّ علاقتي بالزمن؟ السينمائيون بصورة من الصور، فلاسفة الإيقاع/‏‏‏ الزمن بامتياز.
٭٭٭
 
الشيء المفقود في جمال الفيلم قد يشكّل قوّته وروحه حين ينتبه الفيلم نفسه إلى ذلك، ويحاول أن يشعرك به على سبيل الغمز والإشارة.
٭٭٭
 
اللقطة الطويلة : فن امتحان الضجر.
٭٭٭
 
مهما برعت موسيقى بعض الأفلام في إخفاء نشاز الأصوات، يظل صدى قرقعات لوحة «حركة» أو «انتباه كاميرا» يتردّد في منطقة غامضة على طول فراسخ العرض... إنه الإيقاع الخفي الذي يجعل الفيلم أكثر تناغما على نحو هارموني.
٭٭٭
 
لا حدود بين الفيلم والحلم: أخطر المخرجين هو الذي يجعلك جزءاً من حلمه، ولا يرتكب خطأ إيقاظك داخل حلمه.
٭٭٭
 
لا أفهم كيف ما تزال السينما ملتزمة بهذا التقليد الكلاسيكي الخاص بالموسيقى، وكأنها في حاجة ضرورية إلى الموسيقى دائماً وأبداً، إذ لا تستقيم التجربة البصرية إلا بشرطها قطعيا؟
الموسيقى كيفما كان توظيفها ألمعيا وجماليا تظل عبئاً ونشازاً... إنها تخلق عالماً موازياً ومستقلاً ينحرف باتجاهات الفيلم إلى منحدر غير الأفق العاتي الذي كان يحلق فيه.
على السينما أن تستغني عن الموسيقى، هذا لأن الفيلم يخلق موسيقاه الخاصة جدا، وهي خالصة على نحو أجمل وأبدع وأعمق... ما عساها تكون موسيقى الفيلم الحقيقية سوى مجمل أصواته وصمته منتظمة في إيقاع كلّي.
٭٭٭
 
مصوّر (الفيلم) هو عين المخرج الثالثة.
٭٭٭
 
يرتكب المخرج خطأ فادحاً عندما يكشف للممثل مجمل قصة السيناريو. هكذا يبطل جمال أداء الممثل منذ أول مشهد، لأنه يدرك تماماً الخط المرسوم له سلفاً، وكيفما تمرد على هذا الخط يظل أداؤه مفتقداً لروح الإدهاش، هذا لأنه يجدف في مياه منطقة معلومة، والأحرى أن تكون مجهولة وضبابية حتى يتحقق لها مناخ المتعة الخالصة.
٭٭٭
 
يضع المخرج العالم في كادر، ولا يبقى خارجه بالضرورة، إنه يختار توقيته الذكي والماكر كي يتسلل بدوره إلى داخل الكادر، دون أن يشعر به المصوّر والممثل، والمشاهد فيما بعد.
٭٭٭
 
لعبة السينما هي نفسها لعبة صندوق البندورا.
يتسلّل المخرج السينمائي إلى منطقة الحلم، وهو يمشي على حبل بهلوان. السقوط الفادح هو حين يقترف خطأ إشعارك بأن ما يحدث ليس إلا حلماً. أجمل الأفلام على الإطلاق محض أحلام لا تعقبها يقظة.
٭٭٭
 
السّينما التي تثرْثر هي في الغالب لم تنسلخ بعد عن جلد المسرح. ليس على السينما أن تنسى المسرح وحسب، بل على المسرح أن يكون عدوًّ السّينما الأوّل حتى يتحقّق لها أن توجد على حقيقتها كما هي، بشكل مستقل.
٭٭٭
 
لا يوجد فنٌّ يقرأ الوجه أعمق وأخطر من السينما. الوجه في السينما هو الصخرة التي تتكسر عليها أمواج الفنون كلها، عن بكرة أبيها.
٭٭٭
 
ما يفتقده تاريخ السينما :
هؤلاء النساء العاملات في ظلمة قاعات السينما (لا أعلم إن كان هذا التقليد موجوداً في بلدان أخرى غير المغرب)، ما أن تدلج باب العرض حتى يتلقّفْنك ويسعفنك كدليل في العتمة إلى الكرسي الفارغ، في الزاوية الملائمة للفرجة، عبر ضوء بطارية طفيف يكشفن به الطريق السالك دونما تعثر... مجهولات في غسق المكان، لا تكاد ترى وجوههن، أو تتبيّن غموض هيئاتهن. وحدهُ نبْسُ أصواتهن المكثّف ما يهسْهس في ذاكرتك عن وجودهنّ الشبحي.
كم أودُّ أن أسمعهنّ ( هؤلاء النسوة)، واحدة، واحدة ، كيف يتحدثّن - بتلقائية - عن السينما؟ عن مجمل الأفلام التي شاهدنها بطريقتهنّ الخاصة...
حتما في عيونهن يرقد جمال آخر لمعنى مريب لم يُكتشف بعدُ حول لعبة أو فنّ السينما. 
وحده خطابهنّ المنسى ما يفتقدهُ تاريخ السينما إلى الآن!
 
عن "الاتحاد" الإماراتية.