السودان.. عبق شاي النساء وسماحة الرجال في كل موقع

Printer-friendly versionSend to friend
فاطمة بن محمود*
 
عندما كنت استحضر السودان، لم تكن تعني لي سوى الحرب المشتعلة بين شمالها وجنوبها، واسم الروائي الكبير الطيب صالح الذي لم يستطع كاتب  أن يقفز عن تجربته الروائية الثرية، وأسماء إبداعية أخرى تتقد موهبة وفّرها لي عالم الافتراض، لذا عندما وردتني الدعوة اليها تملكتني سعادة غامرة  بأن أدخل بلادا قيل لي إن على أرضها أطيب قلوب يملكها بشرا، ومن الرائع أن أدخل هذه البلاد من عتبة السرد والقصة.
وعبر رحلة شاقة من تونس إلى اسطنبول، ومنها إلى الخرطوم كنت قد قطعت رفقة الكاتب التونسي ابراهيم الدرغوثي أكثر من ستة آلاف كيلومتر حتى وصلنا  الخرطوم ليلا.. 
 
هنا الخرطوم
يعتبر المطار وجه كل بلاد، فهو يحمل ملامحها وخصوصية الشعب الذي ينتمي إليه. ليس هناك مطار محايد وإن بدا كذلك ـ وهذه المرة يصدق المطار أيضا وقد كشف مطار الخرطوم بساطته التي يستمدها من عمق  هذه البلاد وجماليتها..
كانت السيارة تجوب بنا شوارع الخرطوم الفسيحة التي تنقصها الإضاءة، فتجعلها تشبه لوحة تشكيلية يتعمد الرسام فيها ضربات فرشاة بلون داكن ليخفي ملامحها، ويجعلها أكثر إثارة وغموضا.. وكان يجب ازاحة الستائر صباحا على شرفتي في فندق كورال حتى أرى النيل الأزرق ينساب  في هدوء، وتنعكس أشعة السماء على صفحاته فيبدو  ذا بريق أخاذ وصرخت الطفلة في داخلي " واااااااااو.. أنا في السودان".
كانت الدعوة موجهة من نادي القصة السوداني بالاشتراك مع مجلس الشباب العربي الإفريقي، لحضور فعاليات ملتقى أندية القصة والسرد العربية، وكان الافتتاح رسميا في قاعة الشارقة بحضور  وزير الثقافة السوداني الطيب حسن بدوي، وعدد من أهم المسؤولين والمبدعين في البلاد واكبوا هذا الحدث الأدبي الذي تبادر اليه السودان. 
بعيدا عن التفاصيل المعتادة في مثل هذه المناسبات الثقافية التي تبدو هي نفسها في كل بلاد: جلسات رسمية ومداخلات تشريفية ثم مطارحات نقدية، ونقاشات عادة لا تنتهي  وتتواصل في فترة الاستراحة أو في مطعم النزل، بعيدا عن ذلك  ألتقط هنا بعض التفاصيل التي تضفي على هذا الحدث بهارات سودانية خاصة، لعل أبرزها ما اشتهر به أهل هذا البلد من رفعة في الأخلاق، وتواصل إنساني عميق فالسوداني يغمرك بلطف شديد حتى تشعر كأنه يتعامل مع ورد يخشى أن يخدشه.. 
 
روائح سودانية
في أسواق السودان تتلاصق الدكاكين التي تبيع كل شيء من الملابس والعطور والتحف التذكارية، ولعل أهم ما لفت انتباهي ظاهرة المقاهي التي تنتشر في كل أرصفة الخرطوم: مقاه صغيرة تشرف عليها نساء يجهزن الشاي إلى العابرين، تجلس المرأة أمام موقدها بجانبها طاولة صغيرة عليها كل مستلزمات الشاي، وتحيط بها كراس صغيرة يجلس عليها المارة.   قلت لمرافقي الشاعر هيثم مضوي: لماذا لا أرى غير النساء يبعن الشاي؟ قال من خلال ابتسامة هادئة "لا أحد يتقن إعداد الشاي مثل النساء، لذلك لكل امرأة حرفاؤها" . جلسنا في ركن من الشارع فاستقبلتنا صاحبة المقهى بابتسامة ناعمة وكلمات ترحيب ودودة . يبدو ان وراء كل امرأة تبيع الشاي قصة تعيشها وتحاول أن تتحدى ظروفها القاهرة، لذلك تنتشر في شوارع الخرطوم رائحة الشاي المنعنع اللذيذ.
عندما تدخل الى أي متجر سياحي أو في المناطق الشعبية سيستقبلك البائع بابتسامة هادئة وعلى غير ما تتوقع فانه لن يزعجك بأسئلته، ولن يشوش عليك بإلحاحه حتى تشتري منه مرغما ،أو تغادر المحل منزعجا بل يتركك تتجول في دكانه بسلام يجيبك على قدر سؤالك، ويشيعك  بالابتسامة الهادئة نفسها وأنت تغادر المحل. في الدكاكين السياحية مثلا لن تسهو عن شراء مقتنيات جلدية ستجدها متقنة الصنع وبأسعار مناسبة، إضافة إلى إكسسوارات نسائية تقليدية تتنوع وفق تشكيلات مختلفة تجمع بينها الألوان المشرقة التي تشير إلى توهّج الحياة في السودان.
في إحدى الساحات حيث تتجمّع أسراب من الحمام التي يبدو أنها ألفت الناس، تتقدم منها فتحيط بك من كل جانب وتصنع لك لحظة مميزة مناسبة لالتقاط صورة، وسط هذه الساحة تنتشر مقاعد حجرية ملوّنة في شكل مكعّبات يجلس عليها الناس. أشار مرافقي  "في هذه الساحة يأتي عادة الكُتّاب والمثقفون والطلبة" وابتسمت وأنا أتخيّل ان هذا الحمام شاهد على سجالات بين المثقفين ومجادلات بين الكُتّاب هنا تحلق مع الحمام الأحلام الطريّة للطلبة، وحملقت بين زوايا الساحة كأني أبحث عن بقايا قصص حب اشتعلت في هذه الساحة، وتساءلت: ترى كم من همسة عاشقة تضوعت في هذا المكان، كم من قبلة اختلست في زوايا الساحة ؟
 
الفضاء والملامح سودانية
من المقولات الشائعة والتي قد تكون لها جانب من الوجاهة أن أقرب طريق إلى قلب الرجل هو بطنه، وأعتقد انه يمكن  القول إن من أقرب الطرق إلى محبة الشعوب هي مطبخها ،و يبدو أن من أفضل ما قام به منظمو الملتقى ان جعلوا وجبة الغداء في كل مرة في أحد المطاعم الشهيرة في الخرطوم، وبعيدا عن أصناف الأكل التي تعدّ في الفنادق و التي تكون تقريبا هي نفسها في كل مكان من العالم، فان ميزة مطاعم المدينة انها تحمل روح البلاد وتعدّ على طريقة الأمهات السودانيات وهن أمام الموقد يعددن الأكل و يترنمن بأغان شعبية، لذلك فوجئت بثراء المطبخ السوداني وتنوع أكلاته، إضافة إلى انه شهي جدا ربما لأنه ينفتح على ثقافتين مختلفتين الإفريقية والعربية، ولذلك الفضل في تكوين ما تسميه السوسيولوجيا بالشخصية القاعدية للسوداني التي تشتهر بالطيبة والتسامح.  قال الصديق الباحث السوداني عمار محمد أحمد ان المساحات الشاسعة التي يعيش فيها السوداني تؤثر في بُنيته النفسية والذهنية، بمعنى ان هذا الإمتداد ينعكس عليه لذلك فإن الشخصية القاعدية للسوداني تتسم بالهدوء،  وأضيف ان بساطة العيش تجعل منه لا يميل إلى تعقّد الحياة ،وربما هذا ما يجعله طيبا ومتسامحا ولطيفا وقد لمست هذا في ثلاث لقطات طريفة . الأولى عندما كنا  في جولة مع مرافقينا السودانيين عمار  وهيثم اذ اعترض طريقنا بعض من المهمّشين ،الذين لا ملجأ لهم يتسكعون في شوارع أم درمان في حالة شبه مغيبة بفعل شربهم  لمسكرات التي تجعلهم لا يتماسكون في مشيتهم عندما اقتربوا منا كثيرا، توجستُ منهم ولكن فوجئت من طلبهم البسيط فقد أراد بعضهم  أن نلتقط معهم صورا، وقد كان لهم ما أرادوا ، و يبدو أن هذا أسعدهم فقد غادرونا بهدوء وهم يتضاحكون. كما اقتربت مني امرأة مشردة وهي تقول بلهجتها السودانية: أريد ان تلتقطي لي صورة بمفردي. ضحكت من طلبها واستأذنتها في صورة مشتركة فقالت لي بإصرار ان الصورة الأولى تريدها بمفردها، فضحكنا وكان لها ذلك. أما اللقطة الثالثة فقد فضّل فيها احد المتشردين ان يمسكني من كفي ويغني لي إحدى الأغاني الشعبيةK وقد تعالت قهقهاتنا عندما علمت أن تلك الأغنية تتغزّل بالمرأة وتطلب ودّها.
 
سبقتنا خطى تونسية
و نحن نتجول في أم درمان وقفنا أمام جامع بهندسة مختلفة ومميزة ،وكانت المفاجأة ان تونسي مر قبلنا وأقام بهذه الديار، وخلّف بعضاً من أثره هو هذا الجامع الفريد في هندسته. انه الخليفة عبد الله التونسي من جذور تونسية، حكم السودان لمدة أربع عشرة سنة واستشهد في حرب ضد الانجليز وضحكنا: من قال ان السودان بعيدة عن تونس ؟
عادة وفي كل بلاد عربية تقريبا ويحدث لك أن تلتقي دائما في مفترقات الطرق أو شوارعها بالمتسولين ، وقد لمحتهم في شوارع الخرطوم وأم درمان .كنا نبدو من غير أهل البلد لكن لم يجرؤ أحد منهم على الاقتراب منا، و كأن عزة النفس التي تسكن السوداني تجعلهم ينظرون لك من بعيد ويمضون في حالهم دون أي إزعاج من جهتهم..
أهم ما رسخ في ذهني ان السودانيين يحبون الحياة و يتوزعون في كل مكان على ضفاف النيلين، أو في المنتزهات المنتشرة يميلون إلى السهر فرادى وجماعات ويميلون إلى التوغل في الليل، لعل ما يشجعهم على ذلك إحساسهم بالأمان فالبلاد هادئة وآمنة والحياة فيها بسيطة وجميلة.
ككاتبة قادمة من تونس  أفضل ما أستحضره الآن بمتعة هو حضور المرأة السودانية في كل مجالات الحياة، فأنت تجدها في قاعة الشارقة مثلا باحثة في الأدب تدير الجلسات النقدية بامتياز وتتحكم في الأطروحات ونقاشها بلطف وحرفية ، كما تجدها في أرصفة الخرطوم تتقن إعداد الشاي للعابرين و أيضا ستجدها في مفترق الطرقات بلباس الشرطة الجميل تساعد على تيسير حركة المرور كما تجدها في أسواق المدينة تبيع وتشتري كما تلفت انتباهك في مجموعات كبيرة أمام جامعات الخرطوم للدراسة، بمعنى أن المرأة السودانية ذات حضور جلي في مختلف جوانب الحياة فاعلة وإيجابية كما يجب أن تكون.
في غمرة هذه الزيارة الممتعة للسودان تنبغي الإشارة أن الهدف الأساسي منها  هو تأسيس اتحاد عربي للسرد والقصة ، وقد حضرت نقاش البيان التأسيسي الذي انتهى بتأسيس هيئة عربية لكتّاب السرد والقصة برئاسة كويتية مثّلها القاص فهد العتيبي وتضم  الهيئة التنفيذية اعضاء ينتمون لأغلب الدول العربية مثل اليمن والسعودية ومصر والجزائر وتونس وعمان وغيرها...
 شكرا لنادي القصة السوداني و لمجلس الشباب العربي الإفريقي اللذان لولاهما لما كانت هذه المبادرة الأدبية أن تتحقق و لما كانت لي هذه الزيارة الممتعة أن تكون.
شكرا للسودان على كل شيء.
 
* أديبة من تونس.