السرد وبناء الشكل وأفق تعدد الخطاب.. "عندما يومض البرق" للزهرة رميج نموذجاً

محمد صولة*
 
إن القصة القصيرة جدا هي أسلوب سردي خاطف، ينبني على ثيمة مسرودة تختزل فيها القصة بين عالم مسرود وآخر في طور التشكل، فالتمييز هنا ضروري، لأن النص في صورته الكلية قد يحتمل استحضار السارد والمؤلف وأشياء أخرى، في حين أن ما يمكن التأكيد عليه، هو أن مقتضى العملية السردية في بناء القصة القصيرة جدا ملتبس، أو يتم من خلال عناصر الخرق والإدهاش التي تنشئها مكونات التسلسل والتناول والتضمين والتبئير، إضافة إلى بنيات المحكي المتمثلة في الخطاب والحكاية، وبما أن القصة القصيرة جدا هي رديفة هندسة تتميز بالتكثيف والتوتر والمفارقة والسخرية. فإنها تنفتح على أسلبة مغايرة واختلافية لما هو عادي ومألوف، لأنها كتابة ترسم بشدة موقفا أو حالة ـ وضعية من زاوية محددة، لنقل من ثقب إبرة. هذه القصة، هي أيضا فن يسترفد من فن القول القديم والجديد، يستثمر آلياته الأصيلة والحديثة، بحيث يلاحظ، مثلا، أن المتن القصصي إذا جاز لنا هذا، يقتصد في عرض الحدث اقتصادا كبيرا بدون إطناب في توصيفه، أو تمديد في سعة فضائه، إذ اللغة التي يستعملها الكاتب تنوب عن كل هذا، وذلك من خلال ميلها إلى الشعري والرمزي.
وإذا كان من الضروري توطين القصة القصيرة جدا في حقل السرديات، فإنه من اللازم تأكيد البحث في عنصري القصة ـ الإطار والخطاب ـ المعنى، بحيث لا يمكن أن نقف على بعض هذه التمظهرات التي تخفي ضمنها مضمرات، هي مؤشرات دالة تسهم في عملية بناء المحكي وتأويله، ونخص بالذكر هنا دلالة العمل الأدبي، ذلك أن هذا الأخير لا يكتب نمذجته إلا من خلال تحديد ماهية انتمائه للجنس، وبالتالي تشخيص علاقاته السردية، باعتبارها قصة محكية وخطابا يحمل صورا ذات دلالات محددة في الزمان والمكان. "إن شكل السرد تطبعه بشكل أساسي قدرتان: القدرة على نشر علاماته على امتداد القصة، والقدرة على توسعات غير منتظرة ضمن تلك الامتدادات. وتبدو هاتان القدرتان بمثابة عناصر تتيح للسرد حرية في التصرف، غير أن ميزة السرد وتفرده هما بالتحديد ما يسمح بإدخال هذه الانزياحات داخل  لغته"(1)، فالقصة القصيرة جدا، وهي تتأسس وتبني معمارها، استطاعت أن تنتسج لذاتها شكلا تصب فيه مادتها القصصية، وقد يلاحظ أن هناك تقاطعا حاصلا بين هذه الأخيرة والقصة والرواية خاصة في الأدوات السردية والأبعاد التي يتوق الخطاب القصصي الحصول عليها..
 
نظام السرد
أولى هذه الملاحظات التي تستند إليها القصة القصيرة جدا، هي الاختزال، وهي ميزة يمكن الوقوف عليها من خلال عتبة العنوان "عندما يومض البرق" للكاتبه الزهرة رميج، وبما أن تسمية هذا الجنس قد اتخذت صورة توصيفية له عند البعض كالقصة اللقطة والقصة البرقية والقصة قصيرة جدا، فإنه ارتبط أيضا باسم القصة الومضة، هذه الأخيرة التي تتميز بخاصية الجرأة والوحدة والتكثيف، الجرأة في الإعلان عن مالا يقال في الأجناس الأخرى، والوحدة في التخيل وإبداعيته والتكثيف في طريقه العرض ومستوى الإبلاغ، والعنوان دال على ملفوظ النص القصصي، من حيث هو مدخل أولي لفهم بنائه ومضمونه، وللبحث في تشققات تكونه وتأسيسه. نستطيع القول، إذن، إن سرد الحدث ينبني على لغة حالمة تسائل القيم، بمختلف أشكالها، تارة بطريقة السخرية، وأخرى باسثتمار التشكيل أو المسرحة، فالتعدد الدلالي الذي يتم به السرد في المجموعة يرتبط بتحليل الواقعة أو الحالة، ويمكن تمثل هذا في النصوص التالية: علاقة ص 8 حمام 9 المرآة ص 10 تشابه ص 14 رؤى ص 15، ثم أن الوسائل التي تمت الاستعانة بها اقتصرت على جمل فعلية كثيرة واسمية دونها، إضافة إلى التخفيف من وطأة الوصف، والتركيز على فعالية السرد، مع التقليص من عنصري المكان والزمان، المكان باعتباره معبرا للفضاء، والزمان من خلال تمثله للذاكرة والواقع الكائن، هذا السرد الذي يبدو عاديا ومألوفا، يتحول في بعض النصوص إلى تعبير عن دواخل السارد/ الساردة نفسيا بالخصوص، وذلك باستخدام الرمز والأسطورة وتوظيف اللغة الشعرية، فمثلا عندما نقول نص العمامة ص19 نكتشف إلى أي حد تتحول اللفظة من بنيتها اللسنية الطبيعية، إلى بنية إحالية ذات دلالة إيحائية رمزية، إذ أن العمامة- الظل- التاج- وردا- عيدا، تنتقل إلى التواري – الشيخ الصحراء السواد، ليصبح القفل في النص مرتبطا بالبحث عن عمامة بيضاء وبها نور، هذه الخاصية التي نلحظها في النص نجدها في نصوص أخرى تميز قصص الكاتبة، وهي بالتالي تسعى إلى تطوير اللغة القصصية، وتجعلها تنفتح على إيقاعات متنوعة ومتاخمة لأسلوب شعري ومستفيد من تقنيات المسرحة، لأن القصة وهي تسرد الأحداث لا تنقل الواقع كمعطى، بل تركز على لحظة ما، ذلك أن القصة نادرا ما تكون بسيطة، فهي غالبا ما تضم عدة خيوط ولا تلتقي هذه الخيوط إلا عند لحظة ما.
 
بناء الشكل
يشير معظم الدارسين إلى أن جنس القصة القصيرة جدا، قد تم فيه الربط بين مختلف الأشكال السردية والفنية، بحيث استفاد من التقنيات على مستويي التناول والاستعمال، مثلا: الخبر، النكتة، الطرفة، اليوميات، المراسلات، الشعر، هذه الاستخدامات راهنت على تمثل فني وجمالي أضفى على النص ميزة مائزة، خاصة الإطار الشكلي، إذ أكد بعض الباحثين أيضا على أشكال الميتا حكي، وتقنية القصة داخل القصة والتعليقات الهامشية والحوارية وتوظيف الكائنات الحية.
 نكاد  لا نجزم بأن هناك تغييبا للشكل في جنس القصة القصيرة جدا، بل إن صفتها تدل على حجمها الذي يتسم بالقصر إلى حد المبالغة ـ تجاوزاـ أحيانا، ونقصد بهذا المستوى الاستعاري أو المجازي الذي يقتصر على التشظي والتفكيكي، فالقصة القصيرة جدا يبدو أن بناء شكلها له خاصية جمالية ودلالية كمية وكيفية، يشير إلى هذا د. حميد لحمداني من خلال: التكثيف، التركيز، الإضمار والحذف أولا، وثانيا/ الإيحاء، الانزياح، الترميز، التهجين، السخرية، اللغز، المشهد الدرامي4 ، وإذا أردنا مثلا أن نمثل لما هو كمي ، فإننا نلاحظ مكون القصر، يبدو في نصين، هما: الديناصور ص 86 وموت ص 67، بحيث يمكن ملاحظة أن جل النصوص تبدو خاضعة إلى مواضعات شكلية متفاوتة بين القصر، والقصر جدا، أو بين الصفة الأخيرة والندرة في الألفاظ والصور والأطر، فالخصائص التشكيلة فنيا يمكنها أن تتخذ لنفسها شكل الومضة، الشذرة، البرقية اللوحة، اللقطة المشهد، الكبسولة، الخبر، النادرة، أما على المستوى الجمالي فنكتفي بالإشارة إلى الكثافة، الإيجاز، التقليص، الاقتصاد، التحجيم، الحذف، الفراغ، التشظي، البياض، كل هذه العناصر ترتبط باللغة والمكان والزمان والحدث والحكاية، وبهذا فالبناء القصصي للقصة القصيرة جدا يختزل العلاقة التي تجمع بين مفهومي الشكل والمضمون، الشكل باعتباره وعاء لما يحتوي عليه المضمون، إذ أن الشكل هو أساسا رؤية فنية وجمالية مضاعفة للنص القصصي، لأنها شبه لقطة مصوغة بكامل دقة اختيار زاوية التقاطها، أو بلغة أكثر عمقا إن  القصة القصيرة جدا، تختزل أكبر مساحات ومسافات في حيز يحبك تحجيم سينوفراغية تتجمع فيها وحدة موضوعية تتنوع فيها الأشكال والأحجام والظلال والكتل.
إن الشكل في القصة القصيرة جدا مرتبط بأسلوب الكاتب في تناول الموضوع، كما هو شأن المخرج في المسرح والسينما، ذلك أن الخاصية الشكلية بصرية سطحيا ورؤيوية عمقا، وبما أن هذا يتجاوز الطرح الكلاسي للقصة، فإنه يثير إشكالا بلاغيا يعيد ترتيب علاقة الشكل بالمضمون، أو البناء/ القالب بالمحتوى، أو "كما  تسمح (ق ق ج) يتقبل الأشكال والدلالات الجديدة المحتملة في حدود ارتباطها بالتطور الطبيعي لهذا الجنس الأدبي وقدرتها على ابتكار وسائل تعبيرية جديدة ومتميزة"5، لذلك فهي من منظور آخر، تصوب طلقاتها نحو هدفها الأوحد والمرتبط بالخاصية الدلالية للقفل.نلاحظ هذا في نص أمنية ص7، المرآة ص 10، عبور ص17، عجيبة ص 984 حالة ص 85. فالقصة القصيرة جدا لا تأبه بشكلها إلا حينما يصبح فاقدا لشرعية الرؤية المجهرية التي تسعى إلى توتير الحدث، والرمي به في حقل دلالي ملغوم بمعان المفارقة والسخرية والطرافة والتنكيت والإضحاك والإدهاش، والشكل في القصة القصيرة جدا ضرورة جمالية، يحقق من خلالها لذته، خاصة إذا استحضرنا الغموض أحيانا والسخرية أحيانا أخرى، وقد يتنوع من كاتب لآخر، إلا أنه قد يتطور عند البعض إلى وجهة نظرـ بمعنى معين- حيلة Truc   تقنية، وسيلة، للوصول إلى أهداف أكثر طموحا، قد نؤكد أن التقنية هي الوسيلة التي في متناول المبدع ليكشف عن نواياه الخاصة، أو أنها الوسيلة التي يتوفر عليها للتأثير في الجمهور حسب رغباته، إلا أننا في جميع الأحوال، لا نستطيع أن نحكم عن التقنية إلا في علاقتها بالمفاهيم الأكثر عمومية للمعنى وللأثر الذي استخدمت لتحقيقه، رغم أننا نخون، أحيانا، قناعاتنا الخاصة، فإن أغلبنا مقتنع بأنه ليس من حقنا أن نفرض على المبدع مقاييس مجردة مأخوذة من أعمال أخرى"6، وبما أن الشكل كذلك فهو اختيار بويطيقي يخلص عمليات الحكي من الإطناب والملل، وكأن الصورة التي يلتقطها الكاتب ويسردها السارد لا تقبل البروز إلا في حالة الاستعصاء، إن بعض عناصر الحدث قابلة لأن تعرض، وبعضها الآخر قابل لأن يحكى، إنما تحكي من طرف من؟ ومتى؟ وبأي تفاصيل؟7، إن هذه المراوحة الفنية ـ الجمالية تتمثل صنعة شكلية تتغيا خاصية اللغة التيليغرافية وتتميز بالإيجاز في التعبير والكثافة في الدلالة.
 
الخطاب القصصي وبلاغة التعدد
يلاحظ في النص القصصي منذ تأسيسه وتأصيله عامة أنه لم يخرج عن إطار الواقعية أو التجريب، بما فيهما من تقاطع مع مدارس غريبة استلهمها بعض الكتاب، إلا أن القصة القصيرة جدا، ومن خلال هذه الانتقالات التي مستها ثقافيا خاصة، نرى أنها انفتحت على تعدد خطابي متنوع، سياسي، ثقافي، ديني، تربوي، أسطوري، خرافي، فلسفي،،، إذ في مجموعة القاصة والكاتبة الزهرة رميج ما يوضح هذا، بحيث يمكن القول إن ما يحمله الخطاب ليس كائنا، بل ممكنا حصوله، وهو متجاوز للآن ـ هنا، ومستشرف للآتي ـ هناك، هذا المستقبل الحاضرـ الغائب في النص ترسمه الكاتبة من زاوية مفتوحة على التأمل والفكر، مثلا في نص "عجينة" ص84، يختار السارد شكلا لشبيهته تجاوزا ليلا، لكنه يفاجأ أن ما سيصبه فيه يختفي، وفي نص حالة ص35، يلاحظ أن الساردـ الخطيب بعد أن تلذذ بخطابه أمام الجمهور يفاجأ هو الآخر بعد يقظته أن لا أحد كان في القاعة، فهذه الأنماط الخطابية تؤكد وحدة النص، وفي نفس الوقت تنوعا في المعنى، ذلك أن الحقل، أو نهاية السرد بعض الأحيان يحقق الغاية من سيرورات الأحداث التي تنتهي وفق مسار سردي غير منتظر، لعل هذا، هو ما جاءت به الكتابة القصصية الطليعية، خاصة عندما أزاحت فيوض الأساليب والألفاظ والصور البلاغية القديمة التي خصت بها الكتابات الحكائية الكلاسيكية. إن خطاب القصة القصيرة جدا، استطاع أن يستفيد من الحكم، والإدهاش، والاستبطان السيكولوجي، والمهمش، والتفلسف، والتلغيز، والتشكيل والشعرية والحذف والفراغ والتشذير، وكل ما يرتبط بالميتاحكي، والقاصة الكاتبة الزهرة رميج من هذا المنطلق، نجد في تجربتها الخاصة بالقصة القصيرة جدا انهماكها العميق الذي يبدو بسيطا، في نظام سردي حديث يتناغم وأفق كتابة مفتوحة على القيم والنزعة الإنسانية والحرية والعدالة والمساواة، إنها كاتبة تتطلع بالحكاية سواء كانت رواية أو قصة أو قصة قصيرة إلى تحقيق تواصل سردي يبرز فيه وعي كلي، وذلك من خلال تحركات الشخصيات دون أن يتماهى معها.
 
هوامش
1 ـ رولان بارت. التحليل البنيوي للسرد. ترجمة حسن بحراوي بشير قمري عبد الحميد عقار. طرائق تحليل السرد الأدبي. منشورات اتحاد كتاب. المغرب. ط1 الرباط. . 1991 صفحة 30.
2 ـ الزهرة رميج. عندما يومض البرق. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. ط1. 2008.
3 ـ تزفيطان تودوروف. مقولات السرد الأدبي.ترجمة الحسين سحبان وفؤاد صفا. طرائق تحليل السرد الأدبي. مرجع سابق. صفحة 42.
4 ـ حميد لحمداني. نحو نظرية منفتحة للقصة القصيرة جدا. قضايا ونماذج تحليلية. مطبعة أنفو ـ برانت. فاس. الطبعة الأولى. السنة 2012.
5 ـ نفسه. صفحة 104.
6 ـ واين بوث. المسافة ووجهة النظر. نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير. ترجمة ناجي مصطفى. منشورات الحوار الأكاديمي والجامعي. الطبعة الأولى 1989. صفحة 38.
7 ـ نفسه. صفحة.40.
 
* ناقد من المغرب.