السراب

طلال الحضرمي*

بينما كنت أهرع بخطوات الأقدار، وبين أزقة الأيام، استوقفني كهل بلغ من العمر ما أشعل رأسه شيبا. 
أمسك بيدي يشدني نحوه ممعنا في بعينين تبدوان كبيضتين سلقتهما السنون، وبشفتين ترجفان خاطبني قائلا: 
"أسكت حيرتك ببوح يطفىء لهيب أسئلتك". 
 ودون أن أفهم سبب محاورتي لهذا الكهل الغريب عني، ظل هناك شعور يراودني بأن هذا الذي اعتبرته غريبا قريب مني.
 ودون سابق إنذار باغتتني أسئلة كثيرة:
 "من أنا؟
 من هذا الغريب؟ " 
 لحظة راح الكهل ينقر الأرض بعصاه، وهو يتأمل نقراته مستمعا لصوتها وهي تدق الأرض، كأنه يسترسل الكلمات التي يبدوا أنها أثقل من احتمالاتي . وجدتني أتأمل معه تلك النقرات . لم يرفع رأسه وكأنه خجل أو وجل مما سيقول، ثم أرسل صواعقا دوت في أرجاء عقلي وقلبي :
 " أنا أنت بعد حزمة من عقود السنين
 أنت أنا قبل أن تسحقني تلك السنين
 وما اجتماعنا اليوم إلا حقيقة المسافة التي تفصلنا، مسافة التناقضات والعجائب والهموم التي لا تعرف النهاية، وأشياء أكبر من الحقيقة، وأكبر مني ومنك.
 فبين جنبات السنين، رأيت الفراق يقتل الاتفاق، والحروب تغتال السلام، رأيت المصلحة تحكم الحب، والأسقام تهزم الأجساد، رأيت ولدانا يقبرون ولم تجف أثداء أمهاتهم بعد، وشيوخا يعمرون، رأيت ما استوجب وقوفي عن السير نحو الحقيقة.
 توجه إلي وبدموع القهر همس لي مودعا: 
"أكمل سيرك نحوي، أنا الحقيقة".
 
* أديب من سلطنة عُمان.