السخرية في ضوء علاقة الأنا بالغير

شعيب الصديقي*

السخرية ضحك ومفاكهة ومعنى مضمر، وعلاوة على ذلك فهي تعرية وفضح لخطيئة ما أو خلل معين. وأحد دواعي السخرية تتصل بمجافاة الطبيعة العامة، والشذوذ عما تصالح عليه الجمع. لكن، أليس الداعي لإعادة النظر هو العادي في حيز النظر بعينه؟، فالنمطي ليس بالعادي، والعادي يتخفى وراء ما يقال وما لم يقل، بهذا تكون السخرية استنطاقا واستجوابا من موقع مزدوج.
السخرية ممارسة لفظية تجمع ساخرا ومسخورا منه في إطار العلاقة التي تضم الأنا بالغير، مادامت مشكلة الغير ترتبط بمشكلة الذاتية والشخصية، والشعور بالشخصية شعورا قويا يستتبع الشعور بالآخر.
إن السخرية تتجاوز موضعة الغير في علاقته بنفسه أو مع الآخر، فالأنا الساخرة لا تصير في موضع السخرية – بالنسبة للغير- باعث إدراك وعامل ظفر بمقومات وجودها، بل العكس، منظار نفي وقبر، فتتوقف ردة فعله على مدى تحكمه في شعوره وتثخين انفعالاته. إنها تمطيط للعلاقة المكانية الخارجية التي تفصل الأنا الساخرة عن الآخر المدرك حسيا، تمديد لفجوة العدم وتحفيز للذات لقبول تراتبية وهمية وفرز زائف، يحط الآخر في ذاته ويملكني(الأنا) شعور الظفر الذي لا يعدو أن يكون سوى ظفر على ذاتي، وهدما لبعض جزئي مادام الآخر أنا لا تشبه أناتي. فالسخرية كآلية دفاعية/هجومية تتجلى في كون نفي الآخر يملك الذات شعور الظفر، في حين أنه نفي مقابل لجزء من الحيوات الميتة والقاتلة للنفس. فالغير هنا شرط ضروري لوجود الأنا من ضمن ضرورات تركيب الذات. بهذا  فهي تحجيم لحيز حرية الآخر في نفسه وخارجه، فيصير، في لحظة، العالمُ سلبا خارجا والآخر مكمن نفي. إنها لحظة إقبار لعمق الإنسان وحمله على ردة فعل قد تأخذ مجرى النفي ذاته. في هذه الحال، يركن الآخر إلى ذاته محاولا إقناعها وملجما شعور الغيظ والحقد ومفرزا علاقات تراتبية. هكذا يولي المسخور منه مطأطىء الرأس، خامل الوجدان، معذب النفس، فهي سلب كوني يقتحم الآخر إزاء الأنا الساخرة، لتتجاوز الموضعة والتشييء إلى النفي، حيث يبتدئ الآخر جحيما: إذ أن المسخور منه يكاد  لا يحس بالعالم، وخاصة أن نظرة الآخر مصوبة نحوه، ليست أي نظرة بل هي نظرة ساخرة مستهترة تقصد النيل منه في داخله: "فنظرة الآخر وسيط بيني وبين نفسي" (سارتر). لذلك لا يمكن الجمع بين الرؤيتين: رؤية العالم ورؤية الذات. هكذا يخيل إلي أن أنظار الآخرين مصوبة نحوي، وأنني صرت لوهلة مركز العالم، فانكفئ على ذاتي وافقدها في غمرة خجل طافح وضغينة مضمرة، ويفقد الوجود وجوده فيّ كما فقدته فيه، بيد أنني لا أستطيع الانقلاب إلى موضوع لنفسي: "الغير يحتفظ بسر لا نستطيع الاطلاع عليه، وهذا السر هو أنه يراني كما أنا، فهو يسلب وجودي لكي يمنحني في الوقت نفسه وجودا آخر من لدنه" (سارتر).
إن الآخر يتعالى على إمكانياتي، "فأراها تفر بعيدا عني مصطحبة معها الأشياء والموضوعات التي كانت قبل ظهور الآخر متمركزة حولي، فالغير موت لإمكانياتي". بهذا تكون السخرية نفيا على مستوى الداخل، بين الزمن والوجود النفسيين، والخارج بانفكاكي عن العالم وفقدان الشعور به، علاوة على سلب الذات في ذاتها لتظل بلا حول ولا قوة. و بالتالي فهي امتداد للصراع الذي  يطبع العلاقة مع الغير ولا يحددها، لذلك هو فيها كموضوع لا كحرية.
يصعب الحديث عن السخرية باعتبارها محاولة الذات لامتلاك الآخر في تعاليه وحريته عبر أسلوبها الخاص، لذلك فأدنى ضروب حضورها أنها لا تنفك تحجم على الغير الوجود في ذاته، وتتعالى عن وجودها في ذاته، فهو مكمن نقص معين، والذات لا ترى نفسها موضوعا فما بالك أن تنطوي على نقص. هكذا تعرض وجوده معلقا: فلا هو منفي فيها بشكل نهائي (إذ يظل موجودا في العالم حتى لو تعالت عنه)، ولا هي تثبت وجوده في ذاته أو عبر العالم، ولا وجودا معينا له، فقط الآخر هو. زيادة على ذلك، فهي نوع من النفي لرذيلة معينة. والقوة الكامنة في السخرية تتجلى- من ضمن ما تتجلى فيه – في ردة الفعل المماثلة والساخرة، آنئذ تكون إثباتا للوجود ونيلا من وجود الآخر، فهي حرب أعصاب. وفي لون من ألوان السخرية أكون أنا وسيلة يبلغ بها الآخر إمكانياته، "ولن أستطيع لهذا الخطر إلا بأن أحيل الآخر إلى موضوع، وفي هذه الوضعية يذوب وجودي الرائيentre-regardant، وأتحرر من وجودي للغير؛ بأن أجعل الغير وجودا من أجلي". ويمكن إسقاطها على ردة فعل المسخور منه لكن بكل تحفظ، لأن السخرية ليست تواجدا مفاجئا للآخر.
"وثمة اتجاهان أوليان تصنعهما الذات حيال الغير فهي إما أن تتعالى على تعالي الغير، أو أن تبتلع وتتمثل في داخلها هذا التعالي، دون أن تفقده طابع المتعالي".
المشكل في تحديد السخرية على ضوء العلاقة بين الأنا والآخر والغير المغاير هو اختلافها وتنوع أشكالها، فالسخرية من سلوك شاذ أو دنيء الطبع ليس في شيء السخرية من دمامة المحيا وبشاعة الطلعة، وليس في شيء ما يقال في السيد الطبقي، إذ تنصرف العلاقة إلى تصانيف تتجاوز إثبات وجود الفرد و الآخر، والأكثر من ذلك في حالة السخرية كردة فعل فجائية. إن السخرية تختلف باعتبار زاوية نظر الأنا وبالتالي تأثرها هي، وباعتبار دواعيها لدى الآخر، وبعض السخرية ينبني على المعرفة، كالسخرية (العقلية)، فهي نفي لمدى معرفة الآخر سواء بنفسه أو بموضوعه أو عالمه الذي يستمد وجوده فيه.
الحقيقة أن السخرية تحتاج إلى آخر ثالث مغاير يدرك الحدث بكل حمولته وعلاقاته المكهربة، ويمنحه قيمة بردة فعله المتفاعلة، إنه ثالث غير الأنا وغير الآخر وفي الآن نفسه هو هما معا، وهو في تفاعله يشكل مع الأنا الساخر جماعة الـ "نحن" في مقابل الآخر. بيد أن العلاقة المتبادلة المزدوجة للأنا الساخرة والآخر تبقى موضوعا لذات ثالثة حتى لو انضمت الأنا الثالثة (الغير المغاير) للأنا الساخرة في النظرة للآخر بوصفه موضوعا، في هذه الحالة فإفلات الغير من السخرية كامن في تعاليه الخاص على الأنا، ليظل الثالث مجرد عابر متفاعل يرمق هذا ويرمق ذاك، مبتعدا بأناته ومتعاليا بتعاليه الخاص، إلى أن يخترق حيز السخرية: "فالموقف لا يختفي وإنما يفر خارج عالمي وعالم الآخر لكي يوجد في عالم ثالث على صورة موضوعية، وفي عالم ثالث يخضع لنظرة الغير وحكمة تعاليه".
على العموم، إن علاقة الذات بالغير على ما يذهب سارتر علاقة ذات طابع دائري لا مكان فيها للتناقض، هكذا يدور الشعور وينتهي إلى ذاته، أي أن السخرية -إن لم نجاف الصواب- تنتهي إلى مصادقة وجود معين للغير، وفي حدود. فالسخرية موقف إزاء الغير لا يخلو من تناقض، إنها موقف طبيعي من ضمن علائق الذات بالغير، ولعلها من ضمن العدة اللازمة في طريقي إلى نفسي، هذا الطريق الذي يمر بالآخر ويستحضر كل حين الذات المتعالية.
 
choaybhandala@gmail.com  
 
* كاتب من المغرب.