الركوة.. خلف فقاعاتها السوداء تتبدّى صورة الجد البعيد

أحمد م. الرحبي*
   
   الركوة التي أعدّ بها قهوتي منذ عشرين عاما أخذتها من أبي، الذي ورثها من جدي، الذي جاءته مع الأشياء التي تركها له أبوه، أبوه الذي قتلته نوبة غضب عارمة. وكلما وقفت صباحا أحرّك القهوة وأنظر إلى فقاعاتها السوداء تنتفخ وتنفجر في القعر العتيق، تظهر لي من خلف الزمن صورة ذلك الجد البعيد، وفي كل مرة يتبدّى وجهه مختلفا عن سابقه، بحسب مزاجي الصباحي المتقلب. إلا أن لوزة الغضب وقد انعقدت بين حاجبيه لم تكن تفارقه، فكأن الزمن، ومن شدة ما كان الرجل غضوبا، لم يستطع أن يُهمل علامة الغضب في وجهه وظلت ملازمة لذكراه إلى أبد الآبدين. 
   كنت وأنا أنظر إلى غليان القهوة أتخيله واقفا أمام البائع الذي اشترى منه الركوة. وكعادة البائعين الأوائل، كان هذا يفرش بضاعته على الأرض، ويجلس محادثا جاره ومهملا بضاعته كأنها لأحد غيره. 
   "سم عليك" يقول جدي وهو يقصد "السلام عليكم" ولكنه يقضم الكلمات التي ينالها هي الأخرى شيء من طبعه الساخن. "تفضل عمي" - يقول البائع وقد تذكر بضاعته فجأة وقام يفاخر بها. يرميه جدي الأكبر بنظرة نارية، وكان يود لو طاوعه لسانه ليقول له: "وهل بنيت على أمك لأصبح عمك" لكنه بدل ذلك، ولأن لسانه ليس بذيئا، يترك أوداجه تنتفخ ،وتتحول لوزة غضبه إلى جوزة مستديرة ووعرة في وسط جبينه، ويشير إلى البائع باصبع يمدها كالسهم إلى أصغر ركوة في كومة الأواني وأكثرها بؤسا.
   يأخذ الجد ما اشتراه وينطلق الى بيته، وأبعد ما يكون عن الشارع الذي لا يطيقه. يُقال إنه استخدم الركوة في ضرب رؤوس زوجاته الأربع، وأبنائه العشرة أكثر من تحضير القهوة بها. معه كل الحق ذلك الجد، فأنا نفسي، وكلما أمسكت بذراع الركوة الطويل، استيقظت في داخلي رغبة حثيثة لضرب أحدهم على رأسه. 
   تكبر رغوة القهوة في الركوة فأطعنها بالملعقة، وكأني أفقأ عين الزمن وأطوي صفحة جدي الذي اشترى الركوة ، وأنتقلُ إلى جدي الآخر الذي ورثها. 
   كان هذا الجد الآخر ميسور الحال، أخذ من أبيه الراحل حبه الشديد للزواج، فكان بيته لا يخلو من أربع زوجات؛ يُطلّق واحدة اليوم لتدخل الجديدة في الغد. تموت هذه وتنبعث أخرى بعد العزاء. وحين مات أبوه، أخذ قسمته من الورث وحزمة من أشيائه كان بينها هذه الركوة التي سرعان ما وجدت مكانا لها في رف من رفوف المطبخ. كانت نساؤه، وبينهن جدتي، يتحركن في المطبخ ويرسلن نظرة فضولية ومتسائلة إلى ذلك الشيء الصغير صاحب اليد الطويلة، وكانت كل واحدة منهن تحسبه يخص الأخرى. وهكذا سنة بعد سنة وعقد بعد آخر بقيت الركوة في مكانها المنسي: ظاهرة ومتخفية، قريبة وبعيدة حتى مات الجد الآخر وقد أتمّ قرنا من عمره. 
   تتشكل فقاعة بيضاء من سواد القهوة فأطعنها بالملعقة، وأعيدها إلى سيرتها الأولى.
   أعود إلى طفولتي في بيت أبي الذي لم يرث من جده حبه للنساء ولم يحصل على المال من أبيه، لا ولا أي شيء آخر يستحق الذكر. أتذكر الطشت المعدني الذي كنا نستحم فيه أنا وأخوتي وأخواتي وذلك الإناء ذي المقبض الطويل الذي نستخدمه لنزف الماء. كان حجمه مناسباً لهذه المهمة: لا هو صغير جدا فيعجز عن غسلنا ، ولا كبير ليهدر ماءنا. وكان يختفي زمنا فلا نعود نراه ونكاد ننساه، ولكنه يظهر من جديد، فجأة مثلما اختفى، فكأنه، وبعد أن فقد الأمل في البحث عنه، يعود طواعية للتواجد بيننا. 
   ولا أعرف كيف علق هذا الشيء ( الركوة)  بأشيائي وانتقل معي إلى بيت الزوجية. حقاً لا أعرف. ولكني حين رأيته ابتسمت بيني وبين نفسي وأمسكته من يده الطويلة وقرّبته من أدوات مطبخي.
   اليوم، وككل يوم منذ عشرين عاما، كلما رأتني زوجتي أحضر قهوتي، تسألني شراء ركوة جديدة بدل هذا الشبح القبيح. ترتعش يدي الممسكة بيد الركوة وتستيقظ في داخلي تلك الرغبة الدفينة لرفعها وضرب أحدهم على قمة رأسه... لكني أشيح بوجهي عنها، وأفرغ ثورة غضبي في فقاعات الرغوة المنتفخة في قلب ركوتي.
 
* أديب عُماني مقيم في موسكو.