الراحل راندي ويستن.. نصف قرن لاستكشاف علاقة الجاز بإفريقيا 

الحبيب الواعي*

"عندما ألمس البيانو يصبح آلة أفريقية. لا يعود آلة أوروبية."

راندي ويستن
 
توفي راندي ويستن- عازف البيانو والملحن الأميركي المرموق الذي كرس أكثر من نصف قرن لاستكشاف علاقة الجاز العميقة بإفريقيا- يوم السبت 1 سبتمبر2018 في منزله بنيويورك عن 92 عاما، وجاء خبر وفاته على لسان زوجته فاتوماتا ويستن. 
ولد راندولف إدوارد ويستن في بروكلين في 6 أبريل 1926، كان والده ، فرانك ويستن ، حلاقًا وصاحب مطعم من أصول بنامية لم يغفل دراسة تراثه الأفريقي بكل فخر بالرغم من تعقيدات الحياة بنيويورك، وكانت والدة راندي ، ني فيفيان مور ، ربة بيت ترعرعت بولاية فرجينيا. بالرغم من أن والديه انفصلا عندما كان في الثالثة من عمره ، إلا أنهما بقيا على علاقة جيدة وعاشا بالقرب من بعضهما البعض في بروكلين. كان راندي يمضي وقته أثناء الطفولة مع والديه حيث تلقى مبادئ في ثقافات إفريقيا ومنطقة بحر الكاريبي  من والده واستوعب موسيقى الكنيسة الأفريقية الأميريكية من خلال مرافقته لأمه. درس ويستن العزف على البيانو الكلاسيكي مع رجال البلوز مثل إدي "كلينهيد" فينسون وبولموس جاكسون قبل أن بلتحق بالجيش عام 1944 حيث عمل لمدة ثلاث سنوات وترقى إلى رتبة رقيب يشرف على الموظفين.  في أثناء تواجده في أوكيناوا باليابان عمل مسؤولاً عن إدارة المؤونة ، وحاول مراراً وتكراراً تقاسم المواد الغذائية المتبقية مع السكان المحليين الذين فقد العديد منهم منازلهم خلال الحرب العالمية الثانية. عند عودته إلى بروكلين ، تولى إدارة مطعم والده ، تريوس ، الذي أصبح ملاذا للمفكرين والفنانين، وبدأ  ويستن العزف على موسيقى الجاز و R & B في بلدته باحثًا عن الحكمة من الموسيقيين القدماء، وأصبح بشكل خاص قريبا من ثيلونيوس مونك.
بدأ مسيرته الاحترافية بعد الحرب العالمية الثانية وتلقى بعض التشجيع المهم عندما نال وظيفة صيفية كطاه فطور في "ميوزيك إن في بيركشيرز" عام 1951، وهناك التقى بالباحث والمؤرخ مارشال ستيرنز الذي طلب منه مرافقته في محاضراته التي وضعت معالم حاسمة ساعدت في دراسة العلاقة بين موسيقى الجاز والموسيقى الفولكلورية في غرب أفريقيا.
طيلة مسيرة فنية طويلة وخصبة، واصل ويستون العزف والتأليف الموسيقي متأثرا بمدرسة ديوك إلينجتون وثيلونيوس مونك قبله، غير أنه ظل عازما على خلق طريقته الخاصة وفق إحساس موسيقي فريد، فقد كان يعتبر موسيقى الجاز امتداداً للموسيقى الأفريقية في جوهرها، سواء من حيث المبدأ أو الأداء الحي، وعمل على تأكيد هذه  الفكرة ليس فقط في محادثات بليغة، وإنما أيضا في عزف موسيقي متميز خاصة في السنوات الأخيرة مع فرقته إيقاعات إفريقية.
تجدر الإشارة إلى أن ويستن كان رجلًا  فارعا طويل القامة ، لكنه لين الصوت، وقد جسّد  في سلوكه نموذج العلاقات الانسانية التي نادى من أجلها. طريقته في العزف على البيانو مثيرًة للإعجاب، وكان أيضًا أنيقًا ومرنًا وواضحًا. يعزف بايقاع منسجم ومتطور غالباً ما يتخلله إحساس شجي. رسم ويستن في مقطوعات فريدة - مثل "Hi-Fly" و "Little Niles" ، التي أصبحت معيارا - مسارا واضحًا يجمع بين ايقاعات من القارة الأفريقية وموسيقى البيبوب وأنواع أخرى من موسيقى الجاز الحديث.
"عندما تذهب إلى أفريقيا ، تصبح متواضعا للغاية" ، قال ويستون لشيله أندرسون العام الماضي خلال مقابلة مع راديو WBGO. و أضاف "تدرك أنك تنحدر من حضارة عميقة، وأنه يلزمنا أن نتعلم من هؤلاء الناس."
زارويستن القارة الأفريقية  لأول مرة في عام 1961  في إطار جولة نظمتها وزارة الخارجية الأميركية زار خلالها لاغوس وعاد هناك بعد عامين بدعم من الوزارة ذاتها. بعد زيارة ثالثة في عام 1967 قرر الانتقال إلى المغرب عام 1958 حيث وجد رنينًا روحانيًا عميقًا في موسيقى الكناوة التقليدية. في أواخر الستينات إلى السبعينات قام بافتتاح وإدارة نادي جاز مشهور بطنجة أطلق عليه "إيقاعات أفريقية."
سيكون من المبالغة في التبسيط القول أن نبوغ وستن ناجم عن رحلاته إلى الخارج، فقد ولد في بروكلين ونشأ في كنف عائلة ذات معرفة واهتمام بالثقافة الإفريقية، وكان والده فرانك ، المنحدر من أصول بنامية ، معجبا أشد الاعجاب بماركوس غارفي  الذي ترك نضاله من أجل الهوية الإفريقية انطباعا عميقا على جيله.
تدريجيا، أصبحت تلك العلاقة بين موسيقى الجاز و موسيقى غرب افريقيا أكثر وضوحا من منظور وستن. قال ويستن"صديقي العزيز ، عازف "الباس" أحمد عبد المالك كان من أصول سودانية  وكان يعزف على آلة العود، تلك الآلة التي تتميز بعزف نوتات تقع بين نوتات أخرى." تذكر ويستن كل هذا منذ ما يقرب عقد من الزمان عندما دعي للعزف في مقر الإذاعة الوطنية. يقول: "لم أستطع الحصول على مثل ذاك الصوت على البيانو ولكن عندما سمعت عزف "ثيلونيوس مونك"  سمعت الصوت الساحر نفسه على البيانو، حتى أن طريقته في السوينغ لها السمة ذاتها."
أصدر ألبومه الأول "كول بورتر في مزاج عصري" عام 1954. وتم تعيينه نجم البيانو الجديد في العام التالي في استطلاع أجرته نقابة Down Beat الدولية. عندما أنشأ فرقة  The Randy Weston Trio ، التي ظهر فيها سام جيل على الباس و Art Blakey على الطبول ، افتتح بمقطوعة فريدة بعنوان "Zulu".
خلال ستينيات القرن الماضي ودفاعا عن حق الشعوب الافريقية في تقرير المصير ، أصدر وستن سلسلة من الألبومات المتقنة منها  Uhuru Africa (الحرية في افريقيا)، والتي قدمت عرض الطبول الأفريقية  وسط وجانب الخشبة، جنباً إلى جنب مع فرقة كبيرة من المواهب مثل كلارك تيري ، يوسف لطيف ، ماكس روش وجيجي غريس ، وكان الاشراف و الادارة الصوتية من قبل ميلبا ليستون الذي عمل أيضًا مع وستن علي ألبومات مثل Highlife (1963) ، Tanjah( (1973 و (The Spirits of Our Ancestors (1991( أرواح أجدادنا).
غير أن ألبوم "أوهارو أفريقيا" الذي يضم أيضًا كلمات وشعر لانغستون هيوز ينتمي لنوع متميز من الابداع الموسيقي كما لاحظ  روبن D.G. الذي أكد أن الألبوم "يعترف بالعلاقات الثقافية لأفريقيا مع أحفادها ، ويكرم الأنوثة الإفريقية ويروج لفكرة إفريقيا حديثة ، كمنارة لمستقبل جديد".
حقق وستن  نجاحا تجاريا في السبعينات من مبيعات ألبومه Blue Moses الذي يضم فريدي هوبارد، وفريق الإيقاع الذي ميزه عازف الباس رون كارتر والطبال بيلي كوبهام ، جنبا إلى جنب مع العديد من آلات إيقاع.
في كتاب "الإيقاعات الإفريقية: السيرة الذاتية لراندي وستن" ،  من تأليف ويلارد جنكينز والمنشور عام 2010 ، يتذكر ويستن أنه فوجئ على نحو غير مألوف من إنتاج ألبومه Blue Moses ، ولكنه يقدر حقيقة أنه كان أهم عمل فني في حياته المهنية.
يُعزى نجاح ويستن الى التأثير الثقافي لعمله الموسيقي أكثر من المبيعات التجارية التي حققها. في عام 2001 انتخب خبير في موسيقى الجاز و حصل على زمالة غوغنهايم عام 2011 ، وفي عام 2016 التحق بقاعة المشاهير كما حصل على جائزة دوريس ديوك بالإضافة إلى العديد من درجات الدكتوراه الفخرية من  Brooklyn College و New England Conservatory ، واشترت مكتبة هارفارد مجموعته الشخصية من التسجيلات الموسيقية والمراسلات والمواد الأخرى، بالتعاون مع مبادرة أبحاث الجاز في مركز هاتشينز للأبحاث الأفريقية والأميركية الأفريقية.
في العام الماضي ، أصدر ويستن The African Nubian Suite- ألبومه الخمسين بدعم من زمالة غوغنهايم، تم تسجيله في حفلة موسيقية في عام 2012 في مركز سكيربول للفنون المسرحية التابع لجامعة نيويورك، و يتضمن حكيا للباحث واين تشاندلر وشعرا للشاعرة الراحلة جاين كورتيز.
ظل ويستن يخطط للقيام بجولة وتسجيل ألبومات، إلا أن الموت باغته. كان برنامجه الخريفي يشمل حفلة موسيقية في 17 أكتوبر بمعهد الموسيقى العالمية في  نيوسكول. وقد آمن بأن الموسيقى تربط الماضي بالحاضر وهي مشروع جماعي يحقق التقارب بين الثقافات و الشعوب. سيبقى راندي وستن خالدا في  الذاكرة  ستستمر وداعة روحه ولطفها في الايقاعات والنغمات التي ألهمها، ستعيش رسالته النبيلة في تسجيلاته ولقطات من حفلاته، وسيستمر في التأثير على الأجيال المقبلة من خلال القدوة الحسنة. 
 
* كاتب من المغرب.