الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً

شاكر مجيد سيفو*

 
ما يشبه تصدير القراءة..
تثير عنونة الديوان الى الاشارة النصية لقراءتي وهذا سبق قراءاتي لنصوص شعرية حديثة ,حيث أن الذات الشاعرة  هنا تجري برؤيتها مفتوحة على الآخرين بدلالة عتبات الاهداءات التي تكررت لأصدقاء الشاعر هشام القيسي ’واستثمر الشاعر كلمة –تجري- هنا للدلالة الاستمرارية للمعاني والرؤى الخلاقة التي تجسدت في منحنيات الفاعل الحسي والفكري والتصوفي والميتافيزيقي ’ويؤكد الشاعر في منحى الاستمرارية بتثميره لمفردة –أبداً- الظرف الزماني المفتوح والمطلق بإتكائه على الأبدية لما في معاني قصائده من سيولة وجريان وكشوفات مفتوحة فكان  ان تلبست ذاته فتوحاته وكشوفاته الشعرية التي  جرت بسيولة لغوية إيحائية غير مغلقة وضبابية اكتنفها حسٌ تجريبي  بين نثرنة الشعري وتشعير النثري في طبقة من طبقات الشعرية الحداثية.
 
العتبات النصية
يشتغل الشاعر هشام القيسي على منطومة العتبات النصية مأخوذاً بتأسيس هيكيلة ديوانه عمودياً ,فالديوان تهيكل على اربع عتبات مقصودة في بنائيتها وعماراتها  الشعرية’من العتبة الاولى ندخل الى الديوان ونستشرف عنونتها(ليس الهواء ابدا)
تقوم عنونة هذه العتبة على تفعيل الماضي المتجسد في الفعل الناقص –ليس- وتدخل مفردة الهواء كمعطى حياتي لبناء عمارة شعرية عاموديا بتوصيف –الهواء- دالاً حياتيا لابد منه  وقد أضاف الشاعر  شحناتٍ شعرية ثرَة الى العنونة في موقد الأبدية- بتثميره للظرف الزماني المفتوح بدلالته الحسية والكونية والفيزيقية في خاتمة الجملة  التي ارتدت لبوسًا شعرياً مفتوحا هو الآخر في هيكلة الجملة والعنونة الرئيسة للعتبة االرئيسة للديوان.وقد اقترنت  فاعلية هذه العنونة با للحظة الشعرية المتوقدة في عنونة القصيدة الأولى (لحظة  واحدة فقط) من الديوان كمقاربة زمنية بين الأبدية واللحظة الواحدة المحسومة في خاتمة عنونتها بمفردة (فقط)  يعزز الشاعر صيغة النفي في خاتمة هذه القصيدة  بما يشبه الخسران والفقدان المحتوم للأنا- أناه الذاتية والشاعرة  معَلِلاً تلك الصيغة في معادلة  لمقاربة–هي- والدليل- وحديث آخر مقابل –صمت العالم – 
وقد تجسدت قراءتنا في هذه السطور التي يختتم بها الشاعر قصيدته (لحظة واحدة فقط) ص7-لأنها تمشي \لأني الدليل\ وليس لي حديث آخر \أدرك أن العالم اغتصب صمته-
تتكرر مشهدية الشعرية للزمن المفتوح في قصيدته الأخرى-المعنونة في الفعل الماضي الناقص –ليس- ويستثمر العبارة –مرة أخرى للتأكيد على الجري للزمن  كما تشير بقوة عنونة الديوان –ثمة ما يجري -دائما\- - ويعيد الشاعر صيغة النفي هنا بقوة في عدم صلاحية الإقامة  للهواء-مرة أخرى\ ليس الهواء دائما\لم يعد يصلح للإقامة \انه لا يغادر ظله\حتى يسعل النهار-اخر مديحه ..يظل الشاعر هشام القيسي منشغلا بالزمن كثيمة فيزيقية ويقيم مع هذه الثيمة علاقات ذات خصيصة شعرية ثرة بدلالة عدم ثبات الزمن وملحقاته ككتاب مفتوح –ففي قصيدته (كتاب مفتوح)يعود إلى ترسيخ زمنية الحال الشعري في لقطة شعرية عميقة هي بيت القصيد(..وعندما تغسل الأيام فراقها \يتذكر الصباح ينابيعه.) ص13
من  المعطى الثقافي الكوني توحي عدد من الإشارات الشعرية بما هو راسخ في ذاكرة العالم والإنسان وهذه الثيمة تبدت بوضوح في قصيدة الشاعر-خفايا-  (آنشتاين يتكيء على تفاحة\رامبو يشرب كأسه في حفلات الهيجان\الانتظار يعود الى الوراء \والأحلام المتهالكة لا تكتب وحداتها\ على محيط الابتسامات)ص14
تتراسل ثيمات المقاطع هنا في  صيغة لا تهادن موضوع الزمن في عودة الانتظار الى الوراء والاحلام  المتهالكة لا تكتب وحدتها  فالشاعر مهموم بتوريد صيغ النفي في إحساس منه شاعرا وإنسانا بلا جدوى الانتظار’من صيغ الانشغال بالزمني تتراكب قصيدته الأخرى الموسومة بـ
 كأس- حيث تقوم هنا المعادلة الزمنية بين زمنين – لنقرأ هذه السطور- أيام مخنوقة لا تفرق بين نغم محترق وعجب\يعود بسلاسل كثيرة \ وأيام في أعماق الزمن  تزداد بسخاء- ص 15 المقاربة الأولى في أيام مخنوقة كقطب سالب يقابلها  المقاربة الثانية كقطب موجب  -وأيام في أعماق الزمن تزدان بسخاء – تتردد شعرية الإهداءات كعتبات نصية في قصائد الشاعر هشام القيسي   كموصلات ومجسات للحضور الذاتوي للآخر دالا وكيانا شعريا ويرسخ الشاعر  حضور الإهداء بلغة تتأسس على فاعل  انطولوجي  كيانا وذاتا وبيتا حسب مفهموم  هايدغر بأن اللغة بيت الوجود  ففي هذه القصيدة  الموسومة  (اورق في القلب وهجا ) المهداة للشاعر ابراهيم الخياط  يتوغل الشاعر هشام القيسي في رسم ملامح شخصية المُهدى  كدال  ذاتوي راسخ في قيمته الحياتية برؤية الشاعر المؤلف وتهيمن صيغة الإهداء على عامودية المعاني الكليانية في القصيدة –اسمه ابراهيم \ امين على النهار\حين يشهر وردة حمراء\أحس بان الأيام جداول ماء ص32– تقترن السياقات اللفظية في مزاوجة الزمن كمعادل موضوعي  في قطبيه الموجبين – أمين على النهار مقاربة لـ  الأيام جداول ماء- تتبدى شعرية القصيدة في تراسل القطبين بالمعنى  الكلي  وترسيخ الزمن في إقامة حكمة من حكم الشعرية العربية  فأسمه ابراهيم يتردد في المورورث الجمعي الأنطولوجي ..ومن جماليات الاهداءات قصيدته الأخرى الموسومة- رحيل سعود احمد-  تنتظم القصيدة في هيكليتها على المقاطع البنائية لتوريد الدلالات في رحيل صديق الشاعر هنا في هذه السطور – ها أنت توقد الشموع \ وقد ولدت مع صهيل الدهر \ لن ترسل بعد الان حسرة  \فقد نثرت وهجا بالأمس\من أمواجه الأولى يحكي \وعن اختصار للفصول لا يبكي  ص38دلالة كلية مع قطبين آخرين ، 
تقوم هيكلة القصيدة في هذه المقاطع على مقاربتين  وتتمثل قطبين موجبين الاول يتجسد في توقد الشموع والثاني فقد نثرت وهجا بالأمس وتتقارب الدلالة الكليانية مع القطبين  - ولدت مع صهيل الدهر واختصار الفصول لا يبكي  بالاستدلال على المقاربة  الداخلية العميقة  - من أمواجه الأولى يحكي – الحكاية هنا  عن البدء المدهش في الأمواج وقرائنها الحياتية للون والماء والمعطيات الحسية الأخرى.
العتبة الثانية من الديوان تتمثل في العنونة ( يوميات من نوافذ غير مجففة ) تتبدى العنونة في تشكيل الزمن كرؤيا  ورؤية بدلالة تثمير مفردة –نوافذ- قد تكون نافذة اقلب أو نافذة البيت أو حلم ما ضائع من دفاتر الحلم الشخصي للشاعر 
ويعود الشاعر ثانية لترسيخ صيغة النفي في-غير مجففة- واذا قرأنا قصيدته –انكسارات – ص47 نضع حدود المقاربة الزمنية بين حدين  الأول –الأيام المتسولة والثاني االسواحل المتسربة كدال مكاني منفلت من قبضة الزمني الراسخ في الأيام المتسولة في انفلاتها المتجسد في مفردة  -المتسولة- ( الأيام المتسولة تستيقظ فجأة دون أن تردد في نفسها شرارات القدح \ والسواحل المتسربة من الباب المفتوح  لا تستجلي بقية الأعباء \ هكذا يحتشد الزحام – تتاسس مقاربات الزمن السالب في الأيام المتسولة  كمفهوم ضائع من تقويم الزمن العادي وتقترن بنية المكان –السواحل المتسربة كدال سالب بالزمن الضائع في تسوله المتمثل بالأيام   . يواصل الشاعر هشام القيسي  مراجعة صيغة النفي في قصيدته ( ليس) وتبدو بنية هذه القصيدة في تكثيفها الشديد معادلة شعرية ثرة بمعان حسية مرسلة كخطاب شعري للآخر المتجسد في مفردة الهواء  فالهواء هنا مصدر كلي للحياة والإقامة فيه ابدي ويلجأ الشاعر الى صيغة النفي  بقوة –مرة اخرى \ ليس الهواء ابدا \لم يعد يصلح للإقامة \إنه لا يغادر ظله \حتى يسعل النهار \ اخر مديحه . ص9 يعود الشاعر الى المكرور النصي في صيغة الإهداء فقصيدته هذه(مرافيء) يهديها لصديقه الشاعر لقمان محمود   يقول الشاعر (لك الوقت \ولي صرخة تتوقد في الجمر \سأمضي\ واغرس تجليات لا تضيع في الغناء بقة أحزاني -) ص58 تتبادل الرؤى الشعرية هنا بين الشاعر وصديقه المهداة له القصيدة في تشكيل شعري نابض بحرارة التجربة الشعرية التي  ترسخت  فبمفردات عميقة الدلالات منه –  تتوقد- الجمر اغرس –تجليات – غناء- أحزان –تؤسس هذه المنظومة من المفردات لسيميائية شعرية تتقارب في تشكيلها  البنائي كقيمة حياتية عميقة الرؤى والمعاني ’-.تتداخل الرؤى الوجدانية والغرائبية في قصيدته الأخرى الموسومة ب- مرايا-ص59 (قبالة رغبات تتساقط \قبالة صمت لا يقود الى شيء\يقبع عري الفراغ \اجد قصيدة-   تشي الرغبات هنا للذات الشاعرة المعلنة صوتها قبالة الصمت الساكن  لكن سرعان ما يقود الشاعر مخيلته إلى استنبات الغرائبي في , يبع عري الفراغ ويصدم القارئ بخاتمة القصيدة بـ – أجد قصيدة..للشاعر هشام القيسي قدرة لافتة لتكثيف  شعرية القصيدة في الاعتماد على المفردة الايحائية العميقة في دلالتها وقد  كشفت قراءتنا هذه الصيغة الشعرية في قصيدته –امكنة ص 74هذه الأبواب لا تختمر \ولا ترتد مرة اخرى \ أليست هذي مفاتيح الانتظار ؟ - ويبقى في انعكاس شعرية المفردة في صورة اخرى هي –عند مستوى البرق \تتخطى الدهشة\ دمعة بحيرة الكلمة يعود الشاعر إلى متحف الاهداءات فقصيدته هذه الموسومة –صاحب الصباح- ص 77 يهديها لصديقه –حسين سرمك- يختصر الشاعر معادلة الزمان والمكان في ترسيخ المعادلة الزمكانية \ -في خلواتك تصطفي الانوار \ ولا تندب المكان \ وفي خلواتك لا يهدأ\الوجد والزمان- من كشوفات قراءتنا لقصيدة الشاعر الموسومة –فقط- 83 يسعى الى ترسيخ التكثيف بدلالة  المرفدة الثرة بعمقها الانطولوجي الشعري والايقوني  الجسداني –يقول –في لحظة ما\حين أصل الى  الجور \أخبيء أحلامي \ وأقيس على أبدية  لا تتأوه... يؤسس الشاعر في العتبة الثالثة من ديوانه رؤى شعرية الشعرية كقيمة حياتية ومعطى دلالي ,  توحي العناصر اللغوية في تجسيد هذه القصيدة إلى الزخم الروحي والفلسفية بدلالتها الموحية  للذات الشاعرة وهذا هو فضاء شعرية القصيدة الحديثة. ففي العتبة الثالثة من المؤلَف الشعري – أمطار- يبتعد الشاعر هنا فيها عن ما كان سالبا للزمن ومنه وفيه ليؤسس معادلة شعرية تنبئ بالغزارة القيمية كمعطى حياتي راسخ في الذاكرة الجمعية والفردية –المطر طاقة حسية  هنا تجسده قصائد الشاعر هشام القيسي غير محكوم بتراتبية معينة- يلخص هذه القيمة الشعرية في هذه السطور –وها اني ارى القصائد\عن غد تحكي \ وان القصائد تحدق \ ولا تبكي –ص104 العتبة الرابعة وسمها الشاعر – وجد بين شفتين – يلتفت الشاعر في قصيدته هنا –حالة –ص149 الى   الموروث الشفاهي الراسخ في موضوعة- المصباح بالرجوع إلى مصباح علاء الدين وكشوفات الشاعر لثيمته المرجعية-يقول المصباح \رسمت في أحوال الصمت \كيف يكون العشق \ ويحيا ..\ وكيف يشهد أن النعت النازف \ يستوصي الذكريات ..
 
* كاتب من العراق