الخطيب تحاضر حول كتاب خليل: "محمد القيسي  قيثارة المنفى وتباريح الشجن"

ألقت الشاعرة والناقدة د.ة نبيلة الخطيب،

محاضرة في رابطة الكتاب الأردنيين، عن كتاب د. إبراهيم خليل الصادر حديثا عن الشاعر محمد القيسي بعنوان " محمد القيسي  قيثارة المنفى وتباريح الشجن"،في لقاء نظمته الرابطة بالتعاون مع مركز «تعلم واعلم» للأبحاث والدراسات. وقد عقب د. إبراهيم خليل على المحاضرة، التي قدمها وأدار الحوار فيهاد. أحمد ماضي.

قالت د. ةالخطيب التي كان موضوع رسالتها الدكتوراة عن شعر محمد القيسي في ضوء نظرية التلقي:"على مائدة القيسي الإبداعية التقينا أنا والأستاذ الدكتور إبراهيم خليل، ولكن باتجاهين مختلفين؛ فبينما كانت دراستي عمودية تغوص في العمق الفكري والشعور، وتعالج قضايا اللغة والمفارقة والصورة والبناء الجزئي والكلي للنصوص، عمد الدكتور خليل إلى دراسة أفقية من خلال التجوال في حدائق القيسي، فجاء كتابه باقة متنوعة منسقة من أهم الموضوعات، فكل موضوع يصلح لأن يكون رسالة أكاديمية مستقلة، وقد جاءنا الدكتور خليل في كتابه هذا بزبدة الكلام الذي يلخص أهم ملامح تجربة القيسي. وبهذا تكون الدراستان متكاملتين في البحث عن الشعور وقيمته الروحية والتعبيرية، وما أنتجتاه من تنوع وتعدد في المستوى الأحادي والإنساني".
         وأشارت المحاضِرة إلى كتاب سابق حول القيسي وضعه إبراهيم بعنوان "محمد القيسي الشاعر والنص"، جمع فيه ما كان كتبه من دراسات وبحوث تناولت تجارب القيسي شاعراً وناثراً. كما أشارت إلى بعض الرسائل والدراسات التي تناولت وجوهاً من شعر القيسي.
    وقفت الخطيب على عنوان الكتاب المدروس وقفة إبداعية. بصفة العنوان يمثّل عتبة غاية في إتقان البناء الذي يربط بين عتبات الفصول. "محمد القيسي قيثارة المنفى وتباريح الشجن"، وقالت إن المؤلف جرّد من القيسي قيثارة، وجسّد المنفى وتباريحَ الشجن، وكذلك جسّم الشجن وجعل له تباريح. فقد أبدع الناقد صورة تقوم على إيحاء تلك الكلمات ودلالتها المركزية والهامشية، التي تنسج علاقات جديدة من خلال تبادل المدركات، وذلك بإضفاء الصفات المادية على المعنوية، أو بإضفاء صفات معنوية على المادية، بأسلوب فني بديع.
       ورأت الخطيب أن دلالة ذلك هي أن صوت القيسي مرصود ليبث لنا مواجع المنافي وآلامها، وليعزف تباريح الشجن، فيصوغها لحناً خالداً يخترق أسماع الكون وأعصابه، ليوقظ الذاكرة الغافلة. لذلك كان عنوان الفصل الأول "غرّيد الحزن الموزون"، وهذا عنوان لمقالة كتبها أحمد دحبور، كما أشار المؤلف، وبهذا جعل من القيسي طائراً غرّيداً بصيغة المبالغة التي تفيد الإكثار من التغريد، فهو طائر منذور للتغريد، ولكنه تغريد يتغنى صاحبه من خلاله بالحزن شعراً، ويطير به من منفىً إلى آخر باعثاً أحزانه وأشجانه في الكائنات، لتظل قضية عصيّة على النسيان.
ووقفت الناقدة على الموضوعات الرئيسة التي تناولها الكتاب وعلى كيفية معالجة المؤلف لكل منها. فقالت: "ينقلنا مؤلف الكتاب نقلاً متصلاً بالعنوان، إلى فضاء الموت في شعر القيسي، بعد أن قدم لهذا الموضوع متحدثاً عن مواقف بعض النقاد والشعراء قديماً وحديثاً عن فكرة الموت. فقد كان موقف الشاعر القديم من الموت يتسم بالسذاجة والبساطة، ولم يتطرق لذكره إلا في باب الرثاء والمواعظ. ويقول الدكتور خليل إنه قلَّ من الشعراء من ينظر للموت نظرة مالك بن الريب، الذي لخّص في قصيدته المشهورة فلسفتَه البسيطة حَيال الحياة والموت. يقصد القصيدة التي مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً     بجَنبِ الغضا أُزجي القِلاصَ النَّواجيا
   وقد اكتسب مفهوم الموت في الشعر الحديث حرارة أقوى بل وأعمق، كما هو الحال بالنسبة لأبي القاسم الشابي، على سبيل المثال، الذي تمتزج في قصائده رؤيته للموت، بتجربته المريرة في الحياة. مما يضفي على موقفه مِسْحة وجودية، عدمية، وأخرى كئيبة، بل تتسع مرامي موقفه إلى حد المفارقة، حين يأتلف موضوع الموت في شعر الشابي مع موضوع الحب.
 أما عن القيسي فالموت يضرب حصاراً حوله منذ طفولته؛ حيث فقدَ أباه وهو حول الرابعة من عمره، ثم فقد أخواته ثم أمه. وفي حديثه عن موت شقيقته زكية، أو موت شقيقتِه الأخرى بهية، أو موت أمّه حمدة، لا يتخذ القيسي موقفَ الراثي المتفجّع فحسب، بل إنه يشعر بالذنب لأنه لم يمت كغيره. ويلتقط الناقد هذه المفارقة التي تتجلى في أن تكون مذنباً لأنك حي:
أدور من فلَكٍ إلى فلَكٍ/ يتيماً بلا قناديل/ جائحاً إلى كتابكِ هذا/ دون وثائقَ، أو مستنداتٍ/ ترتكز إليه لغتي/
وتُضْفي عليّ/ طابعَ التوبةِ واليقين.
       ومن المواضيع التي تناولها الكتاب موضوع التناص والنص الموازي، ولا يخفى على أحد أن هذا الموضوع يحتاج إلى ثقافة واسعة وحضورِ ذاكرة يقظة ومهارة في التقصي والبحث، لم يفتقر الناقد لأي منها. حيث راح يضع يده على مواضع التناص في شعر القيسي بأنواعه. ولاحظ الدكتور خليل أن التناص في شعر القيسي يسير في خطين متوازيين؛ التناص الخفي، وهو الذي لا يحيل فيه إلى نصّ معروف، والتناص الصريح، وهو الذي يحيلنا إلى نصّ معروف، وهو ما يسمى النص الغائب. ويذكر الناقد أمثلة على أنواع التناص معيداً النصوص إلى جذورها الأصلية سواءً من القرآن الكريم أو الأسطورة أو الشعر العربي والغربي أو الشعر الشعبي..
    وقد ركز الناقد على أثر لوركا في شعر القيسي، حيث أفرد له فصلاً خاصاً، وذلك بسبب شدة وضوح هذا التأثير وتميزِه. وأجرى دراسةً مقارنةً لطيفة ودقيقة في معطياتها بين شعر الشاعرين؛ لوركا والقيسي. وفي هذه المقاربة بيّن الناقد أثر الترجمة سلباً وإيجاباً في إحداث التأثير على الأدب. ثم بيّن بعض مظاهر الأثر اللوركي في شعر القيسي، من ذلك ترديد اسم لوركا نفسِه، وتضمينُ أبياتٍ من شعر لوركا في شعر القيسي، وترديدُ الأمكنة التي كان لوركا يرددها، ذلك لأن القيسي نفسَه زار تلك الأمكنة وباتت جزءاً من تجربته الشخصية. وكذلك أكد الناقد على استخدام القيسي لبعض رموز لوركا وصوره.ومن الواضح أن النصوص التي تأثر بها القيسي كانت هي الأخرى معزوفةً على قيثارة المنفى وتباريح الشجن:
آه يا لوركا/ لهذا القصَبِ الناحلِ في الوديان أمشي/ وبحُزْن السِنديانْ/ فأعِرْني من دُجى غرناطةَ السّاجي/ ومن ليل أغانيكَ السَّجيّات كمانْ.
ونوهت د. الخطيب باهتمامد. خليل بالمكان ودلالته في شعر القيسي، حيث تناول المكانَ في شعر القيسي بتفصيل لافت، فبعد أن قدم للموضوع برشاقة، انتقل ليحدثنا عن أماكن القيسي التي أسكنها ذكرياته وأشجانَه. فابتدأ بالبيت ثم راح يفصل أجزاءه وأركانه؛ فالنافذةَ والطاقة والشرفة والحيطان، بل وأكثرَ من ذلك؛ فالأم بيت للدفء والألفة، وحتى بيت الشعر هو بيت يودعه الشاعر ما يجول بخاطره من فكر وما يعتمل في نفسه من مشاعر. ثم ولج إلى الفضاء الداخلي لبيت القيسي، وأحصى الأدوات التي استخدمتها أمه مثل المقلاة وباطية الخشب والصحون وملاعق النحاس والمدفأة.. بما تحمله هذه الأشياء من رمزية تشي بعلاقات تتصف بالحميمية والألفة بينها وبين الشاعر.
ولفتت المحاضِرة إلى أن الناقد يغوص فيما وراء الكلمة ليسبر أبعاداً عميقة الغور بشتى الاتجاهات، مثال ذلك استنطاقه لكلمة "باب" في المقطع الشعري التالي:
أنا طريقُ العين/ والحصى البعيدُ والبيادرْ/ حاكورةُ النخيلِ/ بابُ دارِنا الخشبْ
يقول د. إبراهيم خليل: "وذِكْر الباب- ها هنا – مع التأكيد على أنه بابٌ من الخشب، يستدعي –بلا ريب- نمطاً من أنماط الصناعات التقليدية، والنجارة، التي كانت تعتمد على هذا النوع من الإنتاج المبسَّط، فثمةَ شبابيكَ وأبوابٍ لا تخلو من زخارفَ محفورةٍ في الخشب. علاوة على أن الباب يمثّل في حياة القرويين خط الدفاع الأول عن الأسرة، فهم يتفنَّنون في اختراع الأقفال، ووسائل الحماية الداخلية، كالمزلاج الخشبي، أو المعدني. فبعد أن تنتهي السهرة يقومُ صاحبُ البيت بإحكام إغلاق الأبواب، فهو، أي الباب، يعطي كلّ من في المنزل شعوراً بالأمان، ولهذا يُشيرُ القيسي مراراً للباب، ولصريره، ولظلاله، ولدوره في إخفاء ما يدور خلفه من أحاديث، ومن أسرار".
       نلاحظ أن الناقد استطاع من خلال كلمة "الباب" أن يضيئ لنا مساحات شاسعة من جوانبِ الحياة الشعبية التي ينتمي إليها الشاعر، مصوّراً مشهداً يمور بالحياة؛ فمن الصناعة التقليدية إلى الذوق الفني والزخرفة، ثم البعد الأمني للباب، والبعد النفسي وكذلك الاجتماعي والعاطفي.. وهكذا يستمر الناقد في استحضار حياة توحي بها كلمة ليجعل من هذا الإيحاء صورة واضحة الملامح لتلك الحياة.
وأما عن موضوع تراسل الأنواع في شعر القيسي، فقد كان شعره نسيجاً أو فسيفساءَ تجمع في النص الواحد أكثرَ من نوع أدبيّ، وكذلك تجاورت في شعره القصيدتان الغنائية والدرامية، كما نلاحظ في شعره تعددَ الأصوات، والسردَ والحوارَ والاعتمادَ على القناع بوصفه مظهراً فنياً يخفي صوت الشاعر. ومن مظاهر الخروج على أساسيات النوع الغنائي الإفلاتُ من أسر النَّظم، واتخاذُ النثر وسيلة بنائية للشعر. فمثّلت أعمالُ القيسي نموذجاً لما يسميه جيرار جانيت بالنص المتعالي، أو جامع النصوص، وهو النص الذي تتجلى فيه خصائصُ أنواعٍ من النصوص من غير أن يكون معادلاً لأي نوع من تلك الأنواع. وهذا ينطبق بقوة على كتاب "الحديقة السرية" للقيسي الذي لو لم يشر ناشره بكلمة "رواية" على الغلاف الأول، لما ظنها القارئ أكثرَ من سيرة ذاتية"،وقد يُنسب إلى النص الجامع سالف الذكر، "ففيه شيء من الرواية، وشيء من السيرة، وشيء من أدب الرحلات، وشيء غير قليل من الشعر، وشيء من الرسائل، فضلاً عن الاعترافات، وذلك مما يُسوّغ الزعم بأنّ هذا النص نصّ استثنائي، يتخطى قواعد التصنيف، وَيَتأبَّى على التجْنيس".
واشتغل د. إبراهيم على النمنمات الإيقاعية في شعر القيسي، لافتاً القارئ إلى عنوان ديوان منمنمات أليسا، وقال إن هذا العنوان يحيلنا إلى فن الكتابة الشعرية الذي يقوم على الزخرف البياني والموسيقي، وعلى التوشيح والتطريز الإيقاعي، وعلى الرقش والتصاوير، والأشكال والأيقونات اللفظية، التي يعمد إليها الشاعر في مسعاه الدائبِ ليجعل إحساساته التي يريد التعبير عنها جلية واضحة في النص، ملموسةً من خلال الصوت والحرف والكلمة، شكلاً دالاً ومدلولاً، متشكلاً عبر الخطوط... وربطت الخطيب موضوع الإيقاع بعنوان الكتاب،فرأت أن هذه النمنمات الإيقاعية صادرة عن قيثارة القيسي التي تعزف تباريح الشجن وتتغنى بها. وقد لاحظت الدكتورة الخطيب في أثناء دراستها لشعر القيسي في رسالتها الدكتوراة ما يتوافق مع جمالية عنوان كتاب ناقدنا ويؤكدها، فالمنفى والشجن باتا من مكونات نفسه وأناه المتشحة بالغياب، وقد توصلت في دراستهالشعر القيسي إلى أنه في بحث دائم عن أناه التي لا يكاد يجدها بين شتات معنوي وفعلي، ولم يعد يستطيع تمثّلها إلا من خلال البحث عن الوطن المفقود والسعي إلى تحريره، حيث تشرّب مرارة الغياب عنه منذ طفولته، فنذر نفسه له. وحتى الآخرين القريبين من نفسه فإنهم يتمركزون في بؤرة الغياب، ولهذا انكشفت لشعره حجُب الرؤية بعد أن أطبقت عليهم سُدُل الغياب، فعوّض الغياب المادي بالحضور المعنوي الطاغي؛ فحين غابت أمه عن عالم الأحياء، حضرت بكامل هيئتها في شعره. وأخته زكية حضرت بأثر رجعي ميتةً متفجَّعاً عليها. وكذلك الحال مع الحبيبة التي لم يكن يجدها إلا من خلال غيابها لتتجلى له حنيناً للوطن الغائب وللروح التائهة في آن. وحتى الصديق فقد استحضره في شعره شهيداً في جنازة، فأقام له عرساً من النار وعزم الأغنيات، ليبقى حاضراً في الروح وإن غيّبه الموت.
       وقد أشاد د. إبراهيم خليل بما قدمته د.ة نبيلة الخطيب، وعقب على المحاضرة مبيناً أسباب وضع كتابين حول الشاعر محمد القيسي، ولكن بمنهجيتين مختلفتين تماماً، مشيراً إلى أهمية تجربة القيسي الإبداعية وتميزها من حيث تنوعها وعمقها، وبما أضافته للساحة الأدبية. ثم قدم د. خليل نظرة شاملة حول كتابه الجديد في فصوله المتعددة، ألقت الضوء على أهمية كل موضوع تناولته تلك الفصول.
 
(الصورة المنشورة من اليمين د. احمد ماضي، د.ة نبيلة الخطيب، د. ابراهيم خليل).