الحوارية في قصص الزهرة رميج "صخرة سيزيف نموذجا"

Printer-friendly versionSend to friend
أ د/ عبد الرحمان تبرماسين
أ/ نسرين دهيلي
 
تمهيد:
رغم كثرة ما قيل ويقال عن المؤلف وموته إلاّ أنّ الدارس لا يفتأ أن يصادفه مرارا وتكرارا في العمل السردي، وهو في هذه الحالة يتحول إلى أحد الأطراف الفاعلة في عملية الحوار القصصي، لا من خلال شخصه وإنّما من خلال وعييه فهو «واحد من تلك الشخصيات المدلية بأسلوبها وأفكارها وهو في تواصل مستمر مع الوعي الآخر يصله ويحاوره ويستحضره داخل صوته»، الذي أحيانا ما يكون الأقوى في توجيه الخطاب القصصي، وفي إدارة العملية الكلامية، وهي قوة غير نابعة من التسلط، إنّما من التفاعل الواعي مع الموضوع، ولا يفهم من هذا ضرورة تعدد أطراف الخطاب لبناء التفاعل وتحقيق الحوارية النصيّة، أو للجزم بحضور هذه التيمة في النّص السردي عامة والقصصي على وجه الخصوص، لأنّها –أي الحوارية- وببساطة تعبر عن التفاعل القصدي والواعي مع موضوع ما، في منأى عن كلّ سلطة لجانب معيّن من أطراف الخطاب.
وعليه سنعالج هذا الموضوع من جهة « أنّ كلّ شيء له حضور أولي من قبل، وهذا الحضور هو ما يسميه "باختين" بالنماذج الأولية أي النموذج الأصل، وباقي الأشياء هي إعادة خلق لهذا الأصل عن طريق التفاعل معه، وبهذه الطريقة تنشأ العلاقة الحوارية»، وإذا تم استيعاب هذا المفهوم استطاع الدارس أن يتحسس الحوارية في جميع النصوص السردية، ذات الصوت الواحد –والشخصيات المحدودة- أو المتعدد⃰، لأنّ كلّ نص هو بالضرورة تفاعل مع موضوع ما تحكمه علاقات عدّة، وعليه تكون العلاقة بين الكاتبة والسارد والشخصيات هي إحدى دعامات الحوارية التي ارتكزت عليها الزهرة رميج بشكل واضح في مجموعتها القصصية "صخرة سيزيف"، وفي هذا الخصوص نشير إلى ما دأبت عليه بعض الدراسات من جعل الحوارية مقابلا للمونولوجية في النص السردي من جهة ارتكازها على تعدد الأصوات، هذا التعدد ذاته الذي يصعب استيفاؤه في القصة والقصة القصيرة بسبب الخصائص الفنّية لهذين النوعين.
 
1- السارد المتحرك وعلاقته بالحوار القصصي:
 وفق العلاقة السابقة بين الكاتب والسارد والشخصيات نحصل على شكلين من الخطابات، خطاب يتوارى فيه الكاتب بكلّ وعيه خلف الشخصيات ويتحرك من خلالها، وخطاب تتوارى فيه الشخصية وتتضاءل أمام صوت الكاتب، ويبدو رغم الحوارية الظاهرة والتعدد صوتا واحدا ذو مسعًى خارج نصي، يشبه إلى حدّ بعيد القصة المونولوجية أو المناجاتية، أمّا السارد فهو حلقة الوصل بين الطرفين الآخرين (المؤلف والشخصية)، بما يجعل منه ساردا متحركا أو ساردا زلقا، نستوضح ذلك أكثر من خلال قصة "الشهيد والفرعون"؛ «اسمحوا لي أعزائي القراء أن أقدم لكم نفسي أنا الراوي المحايد الذي خاطبكم ذات سرد قصصي سمته الأنين» ثم يواصل «هذا ما رأيته بأمّ عيني! والشهيد شاهد علي! فقد كنت أسير ملتصقا به أشد الالتصاق، إذ تخلّيت عن حيادي السابق»، إنّ هذا التنويع في موقع السارد بين الرؤية المصاحبة «وتكون معرفة الراوي هنا على قدر معرفة الشخصية الحكائية»، والرؤية من الخلف «ويكون الراوي عارفا أكثر مما تعرفه الشخصية الحكائية»، كأن يدرك أنّ مَنْ جواره هما زوجة الشهيد وأمّه، طعّم النص بحوار داخلي من خلال الزجّ بالسارد في مغامرته السردية، وخارجي باستدراج القارئ في لعبة السارد، وما هذا إلاّ لـ «أهمية السارد القصصي كظاهرة جوهرية في النص لا هي هامشية ولا تكميلية ولا ثانوية، إذ أنّ الظاهرة القصصية بعد أساسي لا في الأدب فقط بل حتى في حياة البشر وعلاقاتهم، إنّ حياة البشر قصة مسترسلة وعلاقاتهم محبوكة من قصص وخيالهم من قصص وعقائدهم من قصص»، ويمكن أن نمثل للعلاقة السابقة بالشكل الآتي:
هذا ويمكن النظر للحضور الكابوسي للشهيد والفرعون في النص السابق أنّه اتخاذ لرؤية أيديولوجية معينة، خاصة والقاصة تصور إحدى الشخصيتين سليلة للأخرى، وبين الجلاد والضحية كان السارد الحيادي هو شاهد العيان الذي يوثق كتاب التاريخ الإنساني والقصصي على حدٍّ سواء، وللإضافة فإنّ النقلة التي حققها السارد على مستوى النّص من موقعه كسارد من الخلف إلى سارد مصاحب أضافت إلى وظيفته التنسيقة وظيفة بعث حركية النص، وكسر الحضور النمطي والخطي للسارد في القصة، وأضافت إلى دوره كسارد دورين آخرين «الأول تعدد الأصوات في حديثها عن الذات وتشابك علاقتها مع الآخرين، والثاني هو حديث الشخصية الرئيسية [أو السارد في هذه الحالة] عن ذاتها وعن الآخرين لإضاءة النص بكامله».
تواصل "الزهرة رميج" مفاجأة القارئ عن طريق استفزازه ومباغتته في النص بحضورها كسارد العالم، وسارد ثانوي، ورئيسي، وكاتب، مما يعطي للغة القصصية بعدا آخرا تكون الحوارية هي أساس التفاعل فيه، تقول في نص "عيون تشي غيفارا" تحت عنوان وشاية السارد العالم «عزيزي القارئ لا تصدق وشاية السارد الثانوي أعرف أنّه يغار من السارد الرئيسي»، ثم تواصل «فلو كان يمتلك قليلا من المعرفة بمجريات الأمور من حوله لعلم أنّ هذا السارد كان في حالة التحام تام مع الكاتب»، وجاء في بداية النص المعنون بـــوشاية السارد الثانوي «عزيزي القارئ اسمح لي أن أستغل شرود السارد الرئيسي في هذه اللحظة، بحثا عن تلك الجملة السحرية الأولى التي يحاول من خلالها إثارة شهيتك(...) بل الإيقاع بك في شباكه السردية إنّه الآن حائر تتنازعه عدّة بدايات (...) يريد أن يتخفى خلف قناع ما (...) لذلك فهو غارق في البحث عن كيفية التعبير عن تلك العلاقة الحميمة التي تربطه منذ زمن طويل بشخصية تشي غيفارا، ولكن بأساليب مبطنة»، ففي هذا النص مجموعة من الساردين هم: السارد العالمّ، السارد الرئيسي، السارد الثانوي، الكاتب، وإذا كنا ندرك علاقة الكاتب بالنّص باعتبار موقعه خارج النصي، فإنّ القصة تضع المتلقي في موقف لُبس، فأيّ السّراد اضطلع بنقل الحكي في النص، خاصة والنص مقسم إلى مجموعة أقاصيص يجمعها موضوع عام هو عنوان القصة "تشي غيفارا" وثلاث مواضيع جزئية، ليدلّنا المضمر النصي أنّ السارد الرئيسي هو الذي كان على احتكاك مباشر بالقارئ.  
إضافة إلى ذلك يضعنا هذا النص من عنوانه على عتبات الحوارية بين نص القصة وعنوانها وبالضبط عيون هذا الثائر التي تتكلم لغة من نوع آخر تعجز كلّ اللغات عن التعبير عنها خاصة إذا تم ربطها ببقية ملامح الوجه، وربما هذا هو السبب الذي جعل من القاصة تحمّل كلّ حرف من اسم هذه الشخصية جزء من قصتها (ت، ش، ي)، ناهيك عن العلاقة بين اسم هذا البطل وفعل الوشاية أو الإيحاء أو بين (تِشِي وتَشِي المأخوذة من الفعل وشى)، فالنص ذاته يدل على وعي الكاتبة بهذا الفعل من خلال العناوين الجزئية (وشاية السارد الثانوي، وشاية السارد العالم)، مما وضع هذه النصوص الثلاثة بلغتها ودلالتها في مواجهة لغة (عيون تشي غيفارا) الثائرة كما يوضحه الشكل الآتي:
 
- يوضح السهم اتجاه الحوار.
- يوضح (ت، ش، ي) موقع كلّ سارد حسب قصته.
- يوضح موقع (1) و(2) و (3) الحوار بين القصة وموضوعها والقارئ.
ففي المعهود السردي يصادف القارئ ساردا وعدّة شخصيات، إلاّ أنّ الإرادة القصصية في نصّ "عيون تشي غيفارا" أبت إلاّ أن تتعدد الشخصيات ويتعدد الساردون.
 
2- التهجين استنبات اللغة القصصية:
وغير بعيد عن قصة "الشهيد والفرعون" وتحديدا قبلها من مجموعتها القصصية "صخرة سيزيف" تعيد "الزهرة رميج" تأثيث الأسطورة بما يتناسب ورؤاها الفكرية وتُدخِل لغة هذه الأسطورة إلى عالم الأضداد وذلك من خلال الإضاءة التي طبعت المجموعة القصصية والحوار الذي دار بين "سيزيف" و"نرسيس" وهذا ما جعل الأسطورتان تتقابلان وجها لوجه لإنشاء خطاب جديد، وأسطورة جديدة هي أسطورة الإنسان؛ «أسطورة الإنسان! ردّد نرسيس بلهجة ساخرة يا لك من (...)، لم تسعفه الصخرة لكي يكمل كلامه، إذ فاجأته هذه المرّة بارتطامها بسطح البحيرة، صاح "نرسيس" من شدّة الألم وهو يرى صورته تتحول إلى شظايا متناثرة: -أرأيت سيزيف ما فعلته صخرتك اللعينة؟ لقد حطّمت الجمال! – بل حرّرته يا صديقي، وحررتك معه! هيا بنا نحمل الصخرة معا لننشر الجمال في كلّ مكان» ذاك الجمال الذي حمّلته القاصة في اللغة الفنية بأبعادها الأيديولجية، مما جعل الخطاب القصصي خطابا غير محايد، خطاب يحاول التأسيس للجمال ويحرره من ربق الأنانية عبر فضح أنساقه الدالة. والأديب –هنا- من خلال عملية الخلق في صراع دائم مع أدواته الفكرية التي ينفث فيها من روحه فنّه ويزيل عنها غبار الألفة وكثرة الدوران، في مسعى حثيث نحو أسطرة الإنسان، وهذا سبب آخر يعمق علاقة هذه المجموعة القصصية بالحوارية فهي «تتعامل مع الإنسان العادي الذي لا معجزة لديه ولا ينتظر خوارق قادمة، ولأنّها على ما هي عليه يكون المبدأ الحواري قواما لها».
هناك وجه آخر للحوارية في هذه الإضاءة أبرزه التفاعل بين الأسطورة والقاصة لبلورة عتبتها النصية، فالتفاعل بين اللغات والتراث الإنساني ممثلا في الأسطورة مكّن النص من خلق أبعاد للتفاعل النصي الحواري في إطار ما يسميه "باختين" التهجين و« هو عميلة مزج لغتين اجتماعيتين يقوم بها المتكلم في الرواية [أو القصة] ينتج عن هذا المزج أن يلتقي الوعيان أي يتحاوران في نطاق السياق اللفظي الذي آتى به المتكلم»، وإذا كان الحوار الذي دار بين "سيزيف" و"نرسيس" هو حوار دار بلغة واحدة هي اللغة الإغريقية – فرضا باعتبار أصل الأسطورة- فإنّ التأسيس لهذا الحوار وطريقة تقديمه للقارئ جرت بعيدا عن تلك اللغة مما جعل من اللفظتين (سيزيف، نرسيس) لفظتين مهجنتين وجعل العبارة الدالة عنهما عبارة «امتزج فيها وعيان لسانيان الأول الوعي اللساني للغة الكاتب العربية» والثاني هو الوعي اللساني للغة الأم منشأ الأسطورة.
 ولا يخرج عن الهجنة الفردية الواعية في المجموعة القصصية قصص: "بين زليخا وميديا" و"عيون تشي غيفارا" ⃰ وهي عبارة عن ملفوظات ذات منبت لغوي مختلف تماما عن لغة الكاتبة، جعلت للحوار النصي أفقا مفتوحا تدخل منه مختلف تيارات الفكر اللساني الإنساني.
نضيف إلى مظاهر الهجنة الفردية ذات الارتباط الوثيق بالعمل السردي عامة وبالعمل القصصي على وجه الخصوص توظيفها للعامية كمظهر لساني اجتماعي لأنّ «المظهر الفردي للهجنة القصدية الواعية على صلة وثيقة بالعنصر السوسيو لساني للهجنة الدارجة»، علما أنّ في توظيف اللّهجة الدارجة على ألسن العامة أثر بالغ في بناء جسر تواصلي بين النص ومتلقيه، ومن ثمة علاقة حوارية بين الملفوظ العامي والنص الذي يحتويه من جهة وجهة أخرى بينه وبين المجتمع الحاضن لذلك الملفوظ في بيئة لسانية خاصة. نمثل لهذا النوع بقول القاصة «جسدُها الذي تعرفه جسد ممشوق، رشيق، واضح المعالم [...] متى نبتت فيه هذه النتوءات التي تجعله يبدو ككيس من "الخُيش"»، ولا يخفى ما في هذا المقطع السردي من أثر دلالي بالغ تبرزه العلاقة بينه وبين قولنا "كيس مثقوب أو مثقب" لأنّه والحالة الأولى نستحضر حمولة لغوية اجتماعية تشع دلالة لدى العامة عند تَمثُلهم للمرأة السمينة فهذا التشبيه وحده من خلال اللفظة كفيل بأن يجعل من جسدها كتلة مستعرضة دون طول مشوهة مطموسة المعالم، على حين لو استحضرت القاصة الوصف باللغة الفصيحة لكان فيه نوعا من التهذيب والرُقي وبتالي قصرا عن تأدية المعنى المطلوب، وشبيه بذلك قولها "الطبوزة" في نفس القصة التي توظف عادة للدلالة على تداخل الملامح واختفائها جراء السمنة، فالحمولة الفكرية والثقافية المخزنة لدى القارئ حول هاتين اللفظين وعلاقتهما في المفهوم العام مع السمنة، ثم نقاط تقاطعهما مع النص هو ما هيأ الجو للحوار الفعال بين النص والقارئ، وحفز وعيه للاستجابة وقد تجسد ذلك بملء الفراغ النصي.
 أما الطرف الضاغط في الحوار فهو النص بما يوفر من إمكانية تحرك في فضائه وبما يقدمه من مفاتيح نصّية تعدّ اللغة القصصية أهمها، فاللغة الفصيحة بما تعانيه من عجز على التواصل مع العامة ومن تَمثُلٍ لبعض الأعراف اللغوية الاجتماعية (كدوال ومدلولات) تجد نفسها في حاجة إلى الأخذ من هذا المعجم اللساني بما يوفره من دلالة أولا ولعلاقته الرحمية باللغة الفصيحة في الوزن والقاعدة النحوية ثانيا.   
 
3- الأسلبة/ حوارية الأسلوب:
تعد الأسلوبية من المناهج التي لقت رواجا واسعا في النقد الأدبي ورغم تعدد المناهج وتطورها لازلت تحظى بنصيب غير يسير من الدراسات، وعادة ما يعرف «الأسلوب بأنّه الرجل»، إلاّ أنّ هذا المفهوم الشديد الخصوصية والالتصاق بالأديب يتضعع مع الحوارية، باعتبارها تؤسس دائما للتعدد بحيث نستطيع الجزم أنّها تنفي الصوت الواحد فـ «في القول أو الخطاب الواحد نجد على الأقل صوتين تحاورا وانفعلا مع بعضهما بعضا، وبعدها اندمجا في صوت واحد وهو الصوت الذي يتجلى في صيغة قول الخطاب»، وهذه الفكرة التي تقرّها الحوارية تدحض وبقوة واحدية الأسلوب أو ارتباطه برجل واحد، فيصبح الأسلوب معها هو الرجلان وثلاثة رجال وأربعة أو هو الرجل ومجموعته، يتبادلان الرؤى بما يضمن استمرارية حياة الكلمة عن طريق سياقاتها المختلفة أو عن طريق إدخالها في علاقات دلالية متشابكة تضمن استمراريتها اجتماعيا من خلال تداولها، وأدبيا من خلال القصة –في حالتنا هذه-.
 وبالعودة إلى المجموعة محلّ الدراسة يصادف الدارس ما يسمى بأسلبة الأسلوب أي الدمج بين أساليب مختلفة كأسلوب القرآن أو أسلوب الشعر في موضوع القصة بحيث تصبح جزء لا يتجزأ من أسلوب الكاتبة "الزهرة رميج" كما في هذا المقطع السردي من قصة "العشاء الأخير": 
«فلتكوني هذه الليلة كليوباترا! 
ولتزفي نفسك للموت في كامل بهائك وجمالك!
ألا يستحق الموت أن نقدم له جسدا رائعا؟ فلتحتفي إذن، بجسدك
احتفاء يليق بالعريس الذي سيحتضنه الليلة!» 
ويبدو من طريقة تقديم المقطع السردي استفادة القاصة من أسلوب الشعر الحرّ في التوزيع الطباعي للأسطر القصصية، كما لا تخفى حمولة اللغة الشعرية إذ تتوهج لتغري بالموت، وقد تكون هذه الطريقة في تقديم النص مقبولة سرديا إذا ارتبط الأمر بالحوار بين شخصيتين، لكن خلافا لذلك عمل كسر الاسترسال الخطي للسطر السردي على ازدواجية الأسلوب في النص، نتيجة «لتعدد قيم الملفوظ اللغوي، وإنّ وعينا بها هو وعي بالقيم التي تتمثلها المتغيرات الأسلوبية في كلّ عملية أداء لغوي، فنحن عندما نكتب أو نتكلم نستعمل عمدا بعض السّمات النوعية والكمية القائمة في الألفاظ والجمل».
 ولا تعني مقولة الأسلبة في الحوارية انتفاء مقولة الأسلوبية خاصة أسلوبية للكاتب أو بصمته الفنّية، ذلك أنّها تدرج في إطار التنويع الأسلوبي للعمل الأدبي (التناص)، وعادة ما يتم نسب الأسلوب المستضاف إلى أصله فنقول مثلا أسلوب الشعر الحر، كما في النص السابق، وفي النص اللاحق من قصتها "طفل المزبلة" من نفس المجموعة والذي تتضح فيه الصلة الوثيقة للذات القاصة بأسلبة النص لكي تجمع بين الحوار ولا حوار:
«- ...... 
- لماذا تبحث عن الأكل في "المزبلة"؟
- .....
-هل ماتت أمّك؟
- .....
-وأبوك؟ مات أيضا؟
-.....
آه! فهمت! ماتا في حادث سير! صديقي ياسر أيضا ماتت أمّه
وبوه في حادث سير.»     
إنّ أول عهد للقارئ بهذا النّص يدخله في وهم التلقي، خاصة بوجود دال ترقيمي على الحوار الخارجي، لكن سرعان ما يتلاشى ذلك الاستنتاج، بلغة قصصية فريدة المحاوِر فيها الطفل "كريم"، والمحاوَر يتواصل معه عن طريق نقاط حذف الدالة على الغياب، ناهيك عن أنّ الحوار كفعل تواصلي جمع "كريم" طفل الروضة، مع "طفل المزبّلة" الذي شاهده على التلفاز ذات عشاء، وبذلك عملت القاصة على كسر أفق التوقع عن طريق أسلبة النص، فالنص القصصي من حيث هو نص تواصلي «لا يقوم بنفسه ولا يعدّ غاية بحدّ ذاته، إنّه نتيجة لمعطيات عديدة وحصوله جزء من متغيّرات لا حصر لها، وحركة التأويل فيه ممتدة مستمرة»، تستمد قدرتها على التفريع من خيال القاصة، ومنها أيضا قدرتها على الإبداع، ثم هي نبتة من بذور الحوارية النصية التي من خلالها تسعى اللغة إلى تأدية وظيفتها التواصلية.
كما لا يمكن أن نعدّ حضور السارد المصاحب في أغلب أقاصيص القاصة، إلاّ مظهرا من مظاهر الأسلبة النصية وبخاصة القصص الشعبية، «التي كثيرا ما تنصّ على تواجد السارد في النص القصصي، بينما تحاول القصص الواقعية مثلا أن تمحو تظاهرات السارد أكثر ما يمكن ملقيةً الأضواء على الأطر والأفعال الجماعية».
 
4- الحوار والحوارية: 
لاحظنا في القصة السابقة كيف استطاعت الكاتبة أن تزكي قدرة التخيّل والحلم عند الطفل وتجعل الطفل "كريم" يتواصل مع شخصية كارتونية في التلفزة، فجمعت بين الحوار المتخيل ولا حوار، وهذا الفعل الإبداعي غير المحايد يحرض المتلقي على تحليل ودراسة معطيات القصة «ولكن دراسة هذه المعطيات تؤول بنا حتما إلى التساؤل عن الخيال اللاشعوري الجماعي وعلاقته بعالم الطفولة»! ثم التساؤل عن جوهر الفعل الحواري في علاقته بالنص القصصي خاصة والاحتفاء به بدا واضحا في مجاميع الزهراء القصصية. وفي هذا النص ("طفل المزبلة") تورط القاصة الشخصية بحوار داخلي (مونولوج) يفضح وهمها ويدخلها في صراع مع ذاتها، فيفقد المونولوج الصبغة الداخلية المعنوية، لحساب التجسيد الخارجي نظرا لخصائص الحوار.
 وتواصل القاصة تفجير الطاقة الكامنة في الحوار عن طريق تنميتها والتنويع فيها حتى لكأنّ المجموعة كلّها مبنية على فعل التواصل حواري، ففي نص "الصوت والصدى"، قدّمت لنا القاصة توليفة جديدة للفعل الحواري عن طريق المفارقة اللغوية، ذلك أنّ أوّل عهد القارئ بعنوان النص ينبئه بالعلاقة الوثيقة المبنية بين صوتٍ ما وصداه، فهذه الظاهرة الفيزيائية الصادرة عن انتشار الصوت القوي واصطدامه بحاجز مادي فيرتد محدثا ظاهرة الصدى، هي في حقيقتها ظاهرة طبيعية وعلاقة ارتدادية ذاتية تجمع الصوت بصداه، لكنّ الإرادة الإبداعية للقاصة شاءت أن تجردها من ميكانيكيتها فتجعلها علاقة متعدية من السارد إلى صديق الصديق ثم العودة إلى السارد، فيُلبس الراوي صديق صديقه صفة معينة تنفره منه؛ «صديقه رجل هادئ ذو قدرة هائلة على الإنصات قليل الكلام لكنّه لا يتحرج من طرح السؤال، أما صديق صديقه ذاك فإنّه على العكس منه تماما ثرثار يحتكر الكلام يدّعي معرفة كلّ الأشياء أينما انحرف النّقاش ينحرف معه [...] ذات مرّة وصل به الغضب والتوتر أن صاح في ذلك الرّجل قائلا: "كفى يا غوغل لقد أغرقتنا بسيل معلوماتك"»، تلك الصفة ذاتها تتحول إلى صدى يكسو السارد بالمقول القصصي، فليس الصدى في هذه الحالة إلاّ تلك الصفة البالغة البشاعة التي جعلت راوي الحكاية يلعن إلفه والمكان الذي ألفه كما جاء على لسانه هنا: «اللّعنة عليك يا "عرّيف" زمانك! بسببك، لم أعد أطيق المقهى الذي لا يمكنني الاستغناء عنه!»، لنتفاجأ في آخر الحكاية أنّ تلك الشخصية موضوع القصة قد فرّت من المقهى لنفس السبب وينجلي الضباب عن عيون السارد بحكمة قرأها في الجريدة «تقول حكمة إسحاق عظيموف " النّاس الذين يظنون أنّهم يعرفون كلّ شيء، هم أكثر النّاس إزعاجا لمن يظن ذلك منّا»، فعلاقة التنافر التي تجمع قطبين متشابهين أدت بالسارد وصديق صديقه إلى عدم احتمال بعضهما في مجلس واحد، ومن خلال هذا النص فضحت القاصة تلك الفئة التي تعدّ نفسها مركزا للكون، فتستقطب الأضواء ولا ترضى بالتعدد، ويمكن أن نوضح العلاقة المتعدية في قصة "الصوت والصدى" بالشكل الآتي: 
وبذلك تتفوق الزهرة رميج على نفسها، وتستطيع أن تجعل من الحوار كفعل ثنائي الطرفين نواة للسرد القصصي في قصة "الصوت والصدى"، وفي بقية قصص المجموعة كقصة "طفل المزبلة" التي نلاحظ اعتماد القاصة فيها على نمو المونولج وتطوره من حوار داخلي بين الذات وذاتها، إلى حوار بين الذات وخيالها، أما في هذه القصة (الصوت والصدى) فهو حوار فيزيائي أو حوار بالعلاقة المتعدية، جعل من البطل الرئيسي/ السارد يخلع مجموعة من الصفات على الشخصية الحاضرة الغائبة في النص، هي في الأخير صفاته هو، فالحوار في هذه المجموعة ذو صبغة تطورية وباتجاهات متعددة.
وبمقدور الدارس أن يقف على وجه آخر للحوار المضمر/ الغائب من خلال ما يمكن استخلاصه من رؤيا حوارية بين الشخصيات القصصية في طبيعة تكوينها، أو ما يسميه "باختين" التشخيص الأدبي للمتكلم، فاعتماد القصة على التناقض التكويني في بناء الشخصيات كفيل بوضع إحدى الشخصيتين في مقابل الأخرى، وبالتالي يعمل هذا التقابل على بعث خطاب تحاوري قيمي بين الصفات المكونة لكلّ شخصية بالاستفادة من قدرة القارئ «نشدانا لوظائف المروي له: التوسط، التمييز، السرد، والأدلجة» وبالتالي اقحامه في لعبة السارد، ونمثل لهذا النوع من الرؤيا الحوارية التي تجمع شخصيتين قصصيتين في حيّز واحد بقصة "الشهيد والفرعون" تقول القاصة في وصف شخصية الشهيد: «كان يسير في مقدمة الجماهير الغفيرة بخطى ثابتة، وإلى جانبه زوجة الشهيد وأمّ الشهيد وعميد الشيوخ والأطفال والنساء والشباب وخلفه تماما الراوي المحايد»، وتقول في وصف شخصية الفرعون «كان الفرعون يطلّ من الشرفة متوسطا قائد حراس عتبة البيت الذي يقف على يمينه، والوالي الذي يقف على يساره، عندما رأى الجماهير تزحف في اتجاه البلاط» وبين هذين النصين واللغة الواصفة لهما تُنشئ رميج حوارا بين قيمتين اجتماعيتين، وترسم صورتين واقعيتين، صورة الضحية وصورة الجلاد، أو هي صورة الحاكم والمحكوم، فتجعل القيم تتصارع مع انعدام أيّ أثر للصراع في القصة.
ومن أنواع الحوار المضمر في النص الزهراوي تسليطها الضوء على الشخصية النسوية كبطل محوري في قصص المجموعة مما يقحمنا وإياها في حوار حضاري بين موضوعتي الرجل والمرأة كقيم إنسانية لا وجود للمجتمع دونها، وفي الجدول الآتي توضيح لطبيعة الشخصية المحورية في قصص المجموعة:
وفي حالة تقليد المرأة دور الشخصية الرئيسية يتحول الرجل إلى موضوع، والعكس صحيح، فيبدوان مشتركين في معاناة حمل صخرة "سيزيف"، وربما لا نغالي إذا قلنا أنّ أحدهما سيزيف والآخر بالضرورة هو الصخرة التي يحملها على عاتقه، ومن ملاحظة الجدول أعلاه تورد القاصة من أصل اثنتي عشرة قصة سبعا بطلاتهنّ نساء، وأربعة أبطال رجال، وواحدة مشتركة رغم أنّ عنوانها يوحي بتأنيثها ("الأرملة الحسناء")، وبذلك لا نزعم إذا قلنا أنّ "رميج" تقيم حوارا حضاريا بين الرجل والمرأة، مضيئة جانبا هاما من أقدم علاقة اجتماعية تكوينية، فالرجل والمرأة عنصران من «عناصر التمثيل الثقافي من معتقدات وسواها، من أجل سيرورة التواصل الحضاري مع الذات والآخر في خضم المتغيرات العاصفة والمتسارعة»
إنّ الرؤية الاستطلاعية لبوادر الحوار النصي بين الرجل والمرأة في الرواية توحي بقلق في العلاقة بينهما فلا توجد في النص علاقة واحدة صحية لامرأة برجل، وربما هي دعوة غير مباشرة لمدّ جسورها، ومبادرة من صاحبة المجموعة لفتح آفاق حوارية مع الآخر من خلال تبئيرها مواضع الوهن في هذه العلاقة ومسببات الفتور، وبذلك تميل القصص نحو تعديل كفة الميزان الخفيفة، خاصة والمرأة في هذا الخطاب ساعٍ ومبادرٌ في عملية التواصل؛ ففي قصة "تواطؤ" تبادر المطلقة إلى الاتصال بطليقها معلنة أنّ جميع حواسها متواطئة معه، أما في قصة "البرج" فتتبع المرأة أملها الضئيل في الحصول على زوج، وتتشبث به إلى نهاية القصة حيث تجهض آمالها ويتركها تحت وطئ الصدمة في المقهى، وكذلك في قصة "الأرملة الحسناء" التي حكمنا أنّ شخصيتها المحورية رجل نلاحظ تذلل المرأة وهوان نفسها أما عشيقها الذي تعيله من مالها الخاص فتجني من وراء ذلك الضرب والشتم بأقبح الألفاظ، ثم في قصة "الفندق" تُدخل القاصة المرأة في حالة صراع اجتماعي داخلي وحَوَجٍ الهدف منه تحقيق الافتقار والحاجة الماسة، ومن ثم الندم على رفضها الزواج بعميد الشرطة (ابن خالتها)، فـــرميج من خلال هذا الحوار الأحادي الطرف ظاهرا تدلل القارئ على عسر الحوار القائم حقيقةً بين الرجل والمرأة في علاقة محكوم عليها دائما بالتضاد والتناقض.
 وكأنّ بالحوارية وتشكلاتها من النجوى (الحوار مع الذات) إلى الخطابية (الحوار مع الآخر) تغدي المجموعة القصصية برمتها هي حوارية مع عسر الحوار، وبذلك نستطيع أن نقول أنّ هذه القصص تحفر الذاكرة الاجتماعية لتحقيق علاقة صحية من شأنها أن ترفع الغبن عن الشخصية القصصية النسوية في المجموعة أولا وفي الواقع ثانيا خاصة وقد حرصت الأديبة على تجريد شخصياتها النسوية والرجالية على حدّ سواء من كلّ اسم أو لقب عدا قلّة قليلة منهم، فـ «العناية بالتأزم الذاتي وتأثيره في الحوار» كطرف وحيد فيه هو الذي غذى الجانب الحواري في هذه الحالة، فنحن أمام نص تطغى عليه مبادرة الحوار.
بقي أن نشير إلى أنّ مجموعة "صخرة سيزيف" للأديبة المغربية "الزهرة رميج" هي مجموعة ذات نسق حواري ولا ريب، ولو اكتفى الدارس فقط بعنوان المجموعة لوجده مرآةً واضحة لذلك، إذ يفتح أمامنا محاور خطابية عدّة تجمع أولا أسطورة "سيزيف" بأسطورة "نرسيس"، ثم أسطورة "سيزيف" بالنصوص الأخرى التي تتقاطع معها في نفس العنوان والتي توظف نفس الأسطورة، ثم تنسج حوارا بين عنوان المجموعة وقصصها باعتباره عتبة لها، ناهيك عن الطابع الحواري الذي يجمع القصص مع قارئها من جهة ثانية، ومن جهة أولى مع كاتبتها، فهذه المجموعة في أساساها مبنية على «نسق الحوارية التي تنهض من خلال تعدد الأصوات في تعضيد تنامي الفعلية الباعثة لفيض الدلالات»، فالكاتبة استطاعت أن تأخذ من الحوار نواته محولة إياها إلى نقطة انطلاق وتأسيس لحوارات من نوع غير مألوف كالحوار بين الساردين، وبين الطفل وخياله داخليا، الصوت وصدى صوت آخر، إضافة إلى الحوار بمعناه المعروف، ولا نحسب ذلك إلاّ من علامات الحداثة القصصية. 
 
جامعة محمد خيضر بسكرة/ الجزائر