الحفر في ثنايا الذات الانسانية في قصص مبارك حسني" القبض على الموج"

حميد ركاطة *

 
نلمس في مجموعة "القبض على الموج" للقاص المغربي مبارك حسني نزوعا نحو الانفتاح على كتابة مفعمة بالتوتر والقلق، وحرقة السؤال. كتابة بقدر ما ارتكزت على رصد الواقع، عملت على التقاط تفاصيل الأمكنة والشخوص ضمن أحداث وقضايا أبرزت هواجس الشخوص وانشطارهم أحيانا.
لقد اعتمد الكاتب على التضمين، والتناص، والميتاسرد،  والتشييد المتوازي، ضمن كتابة نفسية أبرزت ارتجاج الأعماق المحترقة، في إطار نسيج متشعب من العلاقات الانسانية. فالتنوع في التناول والرصد جعل المجموعة حافلة بالأسئلة المقلقة، والقضايا المثيرة، والمواقف المتعددة، لشخوص تروم القبض على حقائق ظلت منفلتة إلى حد بعيد.
لقد لمسنا أن الأمكنة في المجموعة حظيت باهتمام كبير سواء من حيث توظيفها ، أو رصد بعض تفاصيلها التي شيدت كخلفية لتأثيث أضحى عاملا مؤثرا في طبيعة الحدث القصصي، ومبرزا لانعكاساته المؤثرة في تصرفات الشخوص. فضاءات منها المغلق والمفتوح ، امتلكت نوعا من الجاذبية، وأبرزت احتراقا نفسيا، وأحيانا هذيانا أو رعبا كبيرا .
مجموعة "القبض على الموج" بهذا المعنى تكتسب مشروعيتها الكبيرة، ورهانها ضمن المشهد القصصي المغربي والعربي بنزوعها نحو تنويع الايقاع القصصي، ومحاورة نصوصها لأعمال أخرى بارتكازها على رصد الواقع المغربي من خلال إبراز اختلاله، وإجهاض أحلام أفراده. فما هي أهم مرتكزاتها الفنية والإبداعية ؟  وبأية خلفية كتبت؟..
 
1) القلق والخوف والانتظار
في نص " الرجل ذو القبعة السوداء "ص 56 يبرز السارد قاتلا محترفا فشل في اتمام عقد على ذمته لأسباب غامضة بعد انكشاف سره، وهي واقعة بقدر ما تم بناء أحداثها باحترافية عالية أبرزت نوعا من القسوة على وجه القاتل نفسه ،أوحى به انقباضه الذي بدا جليا من خلال  حواره مع ابن القاضي بالحديقة.
وسيبرز السارد قلق القاتل من خلال الانتقال إلى رصد ملامحه مع التركيز على ثباته في مكانه يقول:
"اختفت الابتسامة من نفس الرجل عاد وجهه إلى حديثه السالف ..صورة جليدية ...لرجل جليدي " ص 58 .
 هذا التركيز سرعان ما سيعرف تحولا من خلال نهوض القاتل، وقد لاح له الهدف من بعيد وهو ما سيخلف توترا على مستوى الحدث نفسه، وقد بلغ ذروته بعد رتابة قاتلة. ثم سننتقل لرصد سريع يبرز اعتمادا على طريقة التقاط سينمائية وسط شارع عام، يحفها صمت رهيب. يقول السارد: "برهة صمت خاطفة مثل مرور ريشة غير مرئية كسرتها في اللحظة الموالية حركة الطفلين وهما يلتحقان بهما " ص 60، وهي لحظة ستتجمد فيها النظرات وجها لوجه كسرت عنفوانه حركة الطفلين بجانب والدهما، لتتحول المواجهة إلى تبادل النظرات ونشوب مناوشة كلامية حولت المشهد كمواجهة بين "جارين في حي شعبي يتخاصمان حول شقاوة الأبناء " ص 60  وهو ما سيعجّل بانسحاب القاتل بعد انكشاف أداة الجريمة " دفعت يديها الصغيرين في بطنه ( القاتل) تجبره على التراجع. لم يتوقع الرجل فعلا كهذا، وخاصة وأن الصحيفة انسحبت إلى الخلف، وتبدى للعيان شيء أسود اللون. أسرع بإخفائه في الحال في جيبه الداخلي كإنسان معتوه " ص 60 ..
إن البناء في النص بقدر ما شيد على التوتر خلّف نهاية غير منتظرة ومفتوحة على سؤال مرير:
"كيف ستؤول الأمور مستقبلا ؟ " ص 60 . سؤال بقدر ما سيفتح أفق الانتظار على تعدد الاحتمالات، يبرز خطورة ما ينتظر القاضي وغموض مآله في القادم من الأيام، وتكرار محاولات القاتل وترصده.
فقصص مبارك حسني بقدر ما يلف عوالمها أحيانا نوعا من الغرابة تنبني على أسس من الشك الضارب في عمق يقين، وثوابت الحدث الذي يختل مساره من خلال إثارة بلبلة مقصودة، تعصف بتطلعات القارئ . كما أن ساردها يعتمد على حكي هادر مقنع، يحول الأحداث إلى معطيات دقيقة تحت مجهر البحث عن حقيقة منفلتة على الدوام.
في نص " حالة سفر " ص 5 بقدر ما يحاول البطل الكشف عن ملابسات الحدث، أو غموضه يزداد الأمر تعقيدا. وحالة السفر إلى حلم ملفوف بإيهام ليقظة غريبة بقدر ما تؤكد  بعض قرائن النص صدقها، تعلن أخرى عكس ذلك. لتختلط برؤيا داخل حلم مرعب يقول السارد:
"المهم..وهذا ما راعني هو أنني رأيت رجلا في ذلك الصباح ..يحمل حقيبة صغيرة (شبيه بتلك التي)...في ملكيتي، ويلبس سترة شبيهة بتلك  التي أرتدي عادة وهو يخطو بسرعة نحو باب المحطة الكبير " ص 5 .
إن اليقين الذي يتحدث به البطل بقدر ما يخلف الدهشة يعلن ضمنيا الدخول في عوالم  الحلم الرحب ضمن سفر  داخل عربة القطار أو داخل المحطة ، يقول السارد" أتذكر هذا، واشعر أنها مشاهد حية  تظهر وتبدو ثم تختفي ..مثل تسجيل سابق يختفي ليبدأ من جديد " ص 6
ستبرز محنة البطل  عندما يستبد به الشك أكثر وهو في مواجهة عاملة النظافة بالفندق، والتي ستبدد يقينه أو من خلال ما بدا له من تفاصيل دالة في البهو، لكن فوضى الغرفة ستفتح أمامه سيلا من الأسئلة الشائكة يقول السارد: "استرعى انتباهي خلوه ( الممر) من صحون العشاء الفارغة والأحذية أمام الغرف كما العادة " ص 6 كما أن تأكيد الخادمة " لقد فتحت الباب حوالي العاشرة صباحا كالعادة ..رأيتك نائما ، فلم أرد ان أوقظك/ ...متأكدة أنه أنا ؟ ".
إن هذه الأسئلة ستبلغ مداها وهو يتلقى جوابا غير مقنع بكونه النائم " هناك على السرير ..شكل آدمي حقيقي ملفوف في الأغطية لا يمكن أن يكون سوى أنت لا غيرك " ص 8 وهو ما سيفتح أبواب الشك على مصراعيها الدالة على حيرة أبدية" لكن أين كنت إذن هذا الصباح ؟ " ص 8 ..
إنه نص يقف على حدود تجريب مفعم بالدهشة من خلال كتابة اعتمدت خلخلة ثوابت النص الذي يظل مفتوحا كالجرح الغائر، والنازف بأسئلة مفتوحة على بياض وتوقف اضطراري .
في نص "رجل فوق الجسر " ص 13 تبرز ملامح بطل مهووس بأمر ما، وهو في تأمله القلق من فوق الجسر، " يروم أن يلقي بنفسه في النهر " ص 13 وتجسدت معالم المكان " نهر أبي رقراق " فالبطل بقدر ما لفه جنون وضياع ، تبرز رؤيته للماء أسفل الجسر وتأمله الطويل بلا حراك " لـساعة وثلاثة وخمسين دقيقة " في عزم وتصميم قويين تعبيرا عن رغبة دفينة في الانتحار، وكانت هواجسه تتبدد بشكل غامض وهو ما عرى عما يختلج في النفس، دون القدرة على اتخاذ قرار حاسم سنلمس أنه سيتغير في لحظة مفاجئة، ويتغير معه مجرى أحداث النص وروتينيته من خلال " رؤيته لحقيبة يد نسوية تتقاذفها موجات النهر " ص 14..
إن التدقيق في محتويات الحقيبة بعد العودة إلى البيت ستبرز تفاصيل جديدة تحمل في طياتها أسرارا من الرغبة في الانتحار، إلى رغبة قاتلة في الكشف عن صاحبتها . وهو ما تم من خلال التدقيق في محتويات الحقيبة، وما خلفه ذلك من ردود أفعال ستربك بما يدور في مخيلته وأحاسيسه. وسيبرز جانبا خفيا من حياته الغامضة وعزلته القاتلة وبالتالي سلوكه المرضي والغريب كإدمانه على صفحة " البيبل " في مجلة  "Paris Match "  وقراءة تحقيقاتها المثيرة حول المشاهير أسبوعيا ، وكذا ذوقه في تأثيث بيته بالأبيض والأسود، الذي يبرز من خلال عثوره على صورة صاحبة الحقيبة، وتفاعله معها إلى حد. بعيد يقول السارد: " المفاجأة الأكبر والتي كانت بسعة الاندهاش العاتي، هو أن الرجل يعشق اللونين الأبيض والأسود، فكل ممتلكاته وأثاثه تقريبا، تحمل نفس اللونين فقط كحياته أثاث الشقة والسيارة ..السترات " ص 18 وإدمانه على مشاهدة شريط واحد بالأبيض والأسود للممثلة " ديان كيتون " التي يعشقها حد الجنون " ص 18 ..
إنها حالة رجل يعاني انشطارا في شخصيته ومن اضطراب في سلوكه، تسلل إليه قلق واخترقت رأسه أسئلة مؤرقة، ستعيد شكوكه وظنونه إلى نقطة البداية نحو الجسر ليمارس طقوس التأمل، ومحاولة القفز في انتظار أن يحمل النهر غنيمة أخرى . 
 
2) الكتابة والتناص
إن تناص الحدثين في نص " رجل فوق الجسر " يبرز من خلال التحول في الفضاء من خارجي  (فوق الجسر) إلى داخلي ( في الغرفة )، إلى خارجي (العودة إلى الجسر) وعن الرغبة في الانتحار إلى محاولة الكشف عن سببه بالنسبة لصاحبة الحقيبة كانتحار محتمل، من خلال تفحص محتويات الحقيبة وأشيائها الحاملة لتفاصيل دالة تقحم النص للارتكاز على الوصف بأنفاس جديدة تثير فضول القارئ المفترض ، وتذكي فضول الاكتشاف لديه .انطلاقا من تناص الألوان والأماكن (الصورة بالأبيض والأسود / مؤثثات المكان / حياة البطلة الخاصة / صورة ديان كيتون / صورة المرأة / حياته الخاصة / جسر أبي رقراق / جسر بروكلين / الشريط بالأبيض والأسود ..) وهي تناصات ستدخل نص " رجل فوق الجسر" في نوع من البناء المتوازي لحدثين أو أكثر، سيعمل على إخراج مكنون القلب والروح. وكأنه اكتشاف لطريق أو معبر سري نحو أحلام البطل المترسبة في لاوعيه . اكتشاف سيماط فيه اللثام من خلال تذكر مشهد جسر " Brookling  " الذي حفظ تفاصيله  يقول السارد "تذكر الرجل  المشهد في الحال، ليسرع نحو خزانة أفلام وأعاد مشاهدة الشريط ، وتوقف كثيرا عند مشهد الجسر .صمت وعاد إلى صورة المرأة وقبع أسفل السرير هادئا للحظة " ص 19 ..
إن التناص بين قرائن النص العديدة ( نهر أبي رقراق وجسر بروكلين) سيحمل في طياته رغبة البحث عن سر امرأتين ( صاحبة الحقيبة ، وديان كيتون )، وقد اقترن غموضهما أحيانا أخرى انصهارهما ضمن لونين من ألوان الطيف، وبين صورتين. مع النبش في نفسية رجل ظل عاشقا للبحث في تفاصيل التشابه بينهما إلى حد التطابق. وهو أمر ملأ قلبه بالأحاسيس المتضاربة، والهواجس، والأسئلة المؤرقة حد الاعتقاد بأنهما شخص واحد ..وهو ما أبرز فعل الاختفاء أسفل السرير .
أما في نص " لقاء كافكا " ص 35 فإننا سنلمس نزوعا نحو التناص زمنيا بين واقع السرد وحدث النص، تزامن بقدر ما يتوغل عبر مفاتيح النص ومساراته نحو زمن كافكا بفعل استحضار قبعته، وعاصمة التشيك " براغ " وهي مؤثثات مكان تجلت من خلال ما ساد من ثقافة في الزي، والبناء  (المعاطف / الأحذية / القبعات / والمظلات / والمعمار : عمارات من الزمن القروسطي القديم ")  ص 35 ، ستظل القبعة وصورة الكاتب بالأبيض والأسود،  وملامح الوجه الدالة على غرابة المشهد " ككلمة يتيمة في رسالة محا بلل المطر كلماتها " ص 36 ..
فاستحضار الملامح الثقافية لمجتمع أوربا الشرقية خلال عقد من القرن العشرين، هو استحضار في نظرنا لسنوات الجنون، والتحرر، والموضة من خلال صورة " امرأة جميلة القوام ممتلئة الجسد ..قدها مرتكز بلطف ، مليح على ساقين مرمريتين في جوارب طويلة شفافة " ص 36 فالسارد بقدر ما نقل ملامح عشيقة كافكا " ملينا " أو شبيها لها  عمل من خلال حركاتها الصامتة وهي ترفع قبعة مرمية فوق الرصيف عمل على تطور  الحدث كمحاولة  مس القبعة، والتعرف من خلالها على سرها في محاولة لتحديد مفهوم المسخ الذي تم اعتماده من طرف الكاتب  كافكا  في أعماله وإبداعاته ، وأضحى خاصية من خاصيات كتابته الرائدة يقول السارد عن ملينا " مشهد آخر خلبها كلية نسيت معه القبعة. رأت صرصارا مختبئا أسفل القبعة . ... سار مبتعدا ، كأنما أعتق من أسر ذات " ص 37 
إنه سفر على خلفية التناص والميتاسرد ، لسرد تفاصيل سير ذاتية لكاتب اقترن تواجده ببراغ ردحا طويلا قبل رحيله نحو برلين. كما أنه استحضار لروحه وخاصية كتابته كانبعاث (الصرصار ) وهو انعتاق كافكا نفسه من أسر القبعة الدالة على حب ملينا، ومؤشر على الاختفاء مرة أخرى نحو مغامرة جديدة واعتقال في أسر حب امرأة تترقب تنقلاته ومغامراته من بعيد .
وفي نص " المشجب " ص 66 تدور الأحداث داخل حلم رهيب، بقدر ما ستعلن عن تشكلها انطلاقا من الدفع بالقصة في ثنايا الميتاسرد ، سيضحى النص هو المحرك الأساسي  لبناء قصة بطلها المشجب داخل غرفة نوم ما يبرز روح القص المتعدد من خلال أنسنة بطرق وصياغات لن تختلف في وقعها على الأحداث ما أبرز سردا رهيبا وحبكة متنوعة عملت على نسج حكايات متوازية.
إنه حكي داخل حكي هدف إلى فك لغز واحد، لمشجب لم يتواجد قط بالغرفة فالاشتغال على التناص والأنسنة سيمنحان النص وجوها مختلفة وحيوات متعددة ترفض الاقرار بنهاية محددة وهي ترصد تفاصيل تمتح من التخييل حينا ومن السينما حينا آخر ( الكاليدو سكوب / الفلاش باك / تكرار المشاهد ) الذي يتم العمل على تشييدها في محاولة للخروج بقصة مكتملة الملامح ضمن بوتقة الحكي العجائبي. وضخ روح الغرابة في محاولة لإضفاء قيمة لسرد محتمل ومعمار نصي جديد .
إن حكي الكاتب عن ذاته ضمن وقائع ومشاهدات بصرية غريبة ، تعمق الاحساس بالحيرة والتيه وتبرز نزوحا جامحا لتفجير رغبات مكبوتة، وأمنيات متوقعة، وهذيانا وصراعا نفسيا مع لحظة الكتابة التي ستنطلق من البحث عن قصة أو كتابتها عن شخص ضمن ظروف معينة يقول السارد "  كان يكتب حكاية عن شخص يسكن في الجبال البعيدة " ص 66 لنلاحظ كيف يتم الانتقال إلى الحكي عن المشجب الذي تحول إلى شخصية محورية تفرض وجودها على الكاتب نفسه للكتابة عنها .
 هذه الخلخلة هي محاولة للانتقال من بنية لأخرى ضمن محاولة تفجير النص من الداخل، وتحول الهامشي فيها إلى محوري ضمن انفتاح على سرد محتمل محمل بدلالات ستخرج الكاتب عن صوابه واتزانه بطرق أبواب الهذيان .عسر الكتابة وانحباسها مثلا " تدفع لارتكاب بعض الحماقات الصغيرة التي هو في غنى عنها " ص 67 كما أن لحظة التوقف التام ستجبره على البحث عن حل من خلال النزول إلى الواقع في محاولة للإيهام بواقعية ما يسرد " كأن يلتقي صديقا ..ويطرح عليه المشكل " ص 63 ..
تبرز تفاصيل الحكاية الثانية المسرودة للآخر  اختلافا في المعطيات ، وحيرة في رصد التفاصيل السابقة التي حولت الحديث عن الذات إلى مركز، والمشجب إلى محيط ثانوي للحدث، من خلال ما بدا من ياقات الملابس (المعاطف / الجلاليب )  من وجوه محدقة ومبتسمة كدلالة على لحظة هذيان مطلق ستتعدد مع تكرار المشاهد ما دفع به إلى التخلص من المشجب ورميه بعيدا في أطراف المدينة .
كما أن توظيف الحوار الداخلي سيفتح النص على مسار جديد، وتوظيف مخالف داخل حلبة الميتاقصة . وقد علق السارد على كاتب النص " دبر أمرك معه، لقد أعطيتك من موقعي كقاص مثلك ما طلب ..ربما ترتاح لو كتبت عنه أنت لا غيرك " ص 64 وهو ما سيشي بعودة الكاتب إلى نحت تفاصيل النص الأصلي من جديد من خلال المزج بين الحكايتين في محاولة للخروج بتصور جديد يقول السارد " جلس إلى المكتب .الورقة البيضاء أمامه وقلم الرصاص وممحاة ..حدق في المشب العاري لزمن ثم غض عن الطرف " ص 69 ..
إنه حلم داخل حلم آخر سيبرز معالم تشكله ضمن الكتابة، والمحو بحثا عن كلام آخر غير محكي "لا مناص من حكاية .لكن فقط حكاية بسيطة تضم ما قاله وبالتحديد ما تراءى له في الصباح حين رأى المشجب عاريا " ص 70 ، فحكاية المشجب هي محاولة لتخليص ذات الكاتب من عنف الكتابة المستبدة داخل بوتقة ذات القصة من حشو زائد في محاولة للبحث عن نحافتها المرغوبة ضمن قالب القصة القصيرة جد سيبرزها الفلاش باك بسرعة وومض واستحالة تحقق من خلال سؤال النهاية الذي يشكك في تواجد المشجب " هذا إذا كان هناك مشجب أصلا " ص 71.
حكاية المشجب بهذا المعنى هي محاولة لرسم فضاء مثالي لقصة وأحداث صعبة المنال في الواقع لكنها ابرزت إمكانية تحققها لتضافر عوامل عديدة وتوظيف مختلف ضمن جسد القصة الضامر .
 
3) الفضاءات والأمكنة داخل المجموعة
يبز نص " 31 ديسمبر من سنة ما " ص 55 مفعما برحيق الأزمنة والأمكنة المتعددة والسارد يرصد في محطات الزمن الواحد يوما أخيرا من سنة توشك على الانطفاء كشمعة " تاريخ 31 ديسمبر من سنة ما بقدر ما يحمل في طياته تراكما للعديد من القصص الواقعية يفتح جرح الكتابة النافذ في ذات الكاتب نفسه من خلال رصده الدقيق ليومه المثقل بالترحال والتأمل، وهو ينقل قصص شخوص أثثت فضاءات مختلفة ابتداء من الساعة الثامنة صباحا .
وستبرز التفاصيل أنها قصص اليومي الضاجة بالرتابة والعنف والقهر والجنس والخيبة، ولحظات مستقطعة بالقوة من تأمل وحيرة من داخل مقاهي بعينها. ففي مقهى " امستردام " بشارع 2 مارس يورد تفاصيل المحيط الداخلي والخارجي معا "نوافذ علوية مفتوحة وغسيل منشور وأصص حبق تعب ضوء الشمس" ص 57 وسيحصل نوع من الارتكاس في الرصد والرؤية بالعودة إلى الذات داخل المقهى من خلال الاعتكاف على الكتابة عن ذاته قصة قصيرة جدا "رجل لم يصح بعد بكامل وعيه بذاته ومكان تواجده "" ص 54 ..
إن المدة المستغرقة داخل هذه الفضاءات تأخذ حيزا زمنيا طويلا، وكأنه زمن ممل  " ساعتان " ..بعدها سيجد نفسه في مقهى ثان ..مقهى باريس بالشارع الذي يحمل  الاسم نفسه. وسيمارس  طقوس تأمله نفسها. يقول السارد " حدق في المرايا التي تغطي الجدران، في الكراسي الصامتة، في الطاولات البكماء،  ..عن رائحة البن  والدخان" ص 54 مع رصد لمؤثثات المكان بدقة أكثر من خلال نقله لتفاصيل الزبائن " من لاعبي التيرسي ، وقارئي الجرائد بالمجان، والعشاق ..ما ألهمه كتابة قصة قصيرة أخرى جديدة عن " رجل امتلأ بصره بالعالم الضاج المنفلت الغائب " .
تهيمن سمة التيه والحزن  في كل التقاط سواء للمحيط أو لما يخالج الذات المرتجة، أو لما يترسب في صدر قصصه الضامرة .أمر سنلمسه بنوع من الاصرار والاستمرار ضمن نقل معالم فضاء ثالث " مقهى الشان إليزي " بالحديث عن الدعارة النهارية والحب وسلوك العشاق المتكرر داخل مثل هذه الفضاءات ما سيحول مؤشر الكتابة من كتابة حول الفضاء إلى كتابة حول الأنا والآخر يقول السارد " نساء مبتورات الرغبة، وعن رجل دائخ يحتار في أي النساء يراود " ص 55. إن هذه الجولة الصباحية سيعقبها تيه مسائي  داخل فضاء حانة " الكنز " في الشارع  ذاته حيث المقاهي السابقة " ليحتسي شرابا بلديا بكثرة ونبيذا بلديا أكثر " ص 55. لقد برز فضاء الحانة كفضاء أثير يشعر فيه بنوع من التحرر والاسترخاء، وهو يمارس طقوسه بطلاقة مكسرا المسافة بين الأشياء والآخرين والاستماع للموسيقى ومجاسدة بائعات الهوى في إحدى الشوارع الخلفية للدارالبيضاء.
إنها نصوص تحتفل بالأمكنة وتفاصيلها الدقيقة ومؤثثات محيطها وملامحها البارزة من خلال شخوص منكسرة ومحبطة ومبهمة الملامح.
 
4) علاقات إنسانية في مهب الريح
في نص " حب في مقهى  " Cichy place " ص 20 يبرز منظور عيشقين للعلاقة من وجهة نظر مختلفتين فبين الحب الجسدي الناتج عن الرغبة في الاحتواء والذي ينتهي بانتهاء زمن المجاسدة المحدود، وبين المنظور لمرآة روح الآخر التي تجمع شظاياها طرافة العلاقات والانكسارات المريرة والخيانة، سنلمس وجعا يعلو على صفحة الأحداث سببه غياب العشق غير المبرر، غياب بقدر ما يقض مضجعيهما يدفعهما إلى التقوقع داخل غلالة من الصمت الرهيب .
وإذا كان البطل تحدوه الرغبة في سماع مجرد كلمة واحدة تعبر عن مكنون قلب البطلة كي يزيح شكوكه، ويحدد ماهية العلاقة التي لا يمكن أن تظل مجرد كلمات قد لا تحمل في طياتها حقيقة الاحساس الداخلي وصدقه ، فإنه سيظل بإلحاحه خارج دائرة ما يختلج في صدرها من وعي مضمر بأثر الخيانات المتكررة التي يضحى معها الافصاح عن مكنون الذات غير ذي جدوى.. ما يدفعها للبكاء والشرود وهي تعي أن عشيقها " لا يعرف مقدار عشقه لدى رفيقته " ص21 ما يدفعها للهرب والصمت وكـنها " امرأة أسطورية العناد " ص 22. إن رصد هذه الاحتراق الدال على عمق الانهزام الانساني لا تبدده كل الفضاءات التي تجمعهما أو اللقاءات المتكررة حد الملل وهي لا تؤشر على ملمح الحب فتصير في كيانها سيلا من المعاناة التي تصدح ببعض منها من حين لآخر. ورغم سبل الغواية التي سلكها البطل والاغراءات التي يقدمها لها كالهدايا والورود سيظل الكلام مهجورا برفقتها وقد حفته مأساة عالم من البكاء.
إن تضارب مشاعر البطلة أمر يبرز سلوكه النازح نحو النسيان السريع " حينها أنسى وأقول أن امرأة تهبك كل شيء لا يمكن أن تحبك .. وكنت أرضى إلى حين " ص 22  لقد ابرز حوار البطلين أنه بقدر ما يعلن عن مناورة يحدوها الشك والخوف يظل عامل النية وعدم الاطمئنان حساما في تحديد نوعية العلاقة ومستقبلها يقول السارد  "كنت أعتبرك أعلى إنسان الأعلى في  حياتي " ص 24. إقرار يحمل في ثناياه رفض ورغبة في التوقف مع خلق مساحة من الحياد والغضب يزلزل الكيان في العمق وكان العلاقة مجرد لعبة كر وفر ليس إلا. مجرد فوضى ولهو غير محسوب العواقب .ليظل الجواب غائبا وكأن اللحظة ابتلعت زمنا من الأشواق أخرس الألسن وصير الذوات  عاجزة عن التفاعل يقول السارد "لا جواب، وبغضب حانق مددت يدي، وأمسكت بيمناها، لكنها سحبتها ثم لما ألححت تركتها بين أصابعي المرتعشة أحسست فيها ببرودة " ص 24.
في حين نلمس أن نص " قلب لطيفة " ص 47 نسج من حوار صامت  لذوات تحترق حبا ووجدا، من خلال ارتداد صوت البطلين نحو الداخل لرصد درجة احتراق رهيبة أبرزها الملل وفوضى زمنها المنسل برهافة الاحساس .ملل توغل عميقا في كيانها إلى حد الاصابة بالارتياع والشحوب والحزن. إنه إحساس ثقيل بقدر ما يعرض الكيان  لأسئلة جاثمة على الصدر سوف تبحث البطلة عن  متنفس له من خلال الكتابة التي توجت رتابتها المليئة بالحسرة والندم ، وقد تردد صدى كلماتها في الأعماق مخلفا انكسارا رهيبا. فالظنون بقدر ما عصفت بالعقل والروح رجت الكيان وأدخلته دائرة عدم الاطمئنان والانتظار. فاندثار الأحلام في النص سيعمل السارد على إعادة تأثيث فضاءاتها المشتركة برومانسية فصل كئيب ممطر وحي عمق الانتظار جراحه وغمره بنظرات مختلة في لحظات صغيرة لا ينتبه إليها إلا العشاق. يقول السارد " في الخارج ..كان الحلم دوما معا هو في حيز بعيد عن دائرة رداءة المدينة ونميمة عيون القاعدين في ركن الحي الخلفي على مقاعد المقهى لوحدها ، أو هي في ممر الحافلة في خضم الزحام زوالا وفي المساء يستمرا في لعبة الكلمات العاشقة الطائرة " ص 49.
إن هذا الاسترجاع بقدر ما يعيد من براثين الزيغ، الحدث إلى الواجهة، سيفتح قوسا للإفصاح عن مكنون القلب من خلال ما بدا من احتراق داخلي،  بفعل الفراغ . فتغدو الذاكرة محملة بأريج الكلمات الحبيسة والجميلة وقد صار مآلها النسيان . يقول السارد "ترى أخيرا ما بين رأي وآخر أنه غادر، وترتعش بعمق يهز اعطافها التي لم تعرف ابدا سوى ايام هانئة راضية " ص 50.
وهي لحظات سيتم الهروب فيها نحو زمن ولى، وطفولة مشاغبة في محاولة لمسح عنف متكرر، لكنه يبرز حب واقعي يقابله إحساس بالخيانة في الحاضر المؤلم " هو ذلك الحب "  تقول "إنه خديعة ليس إلا " تضيف " ص 50 لم تقدر على معاندة  رغبة الدمع أخيرا ..لا أصدق ! مستحيل لأن يغرر بي هكذا  "..تقول أخيرا " ص 51. إن هذه الصور المليئة بالحزن والأسى سرعان ما سوف تتبدد بوقوفها على حقيقة غياب العشيق وتردده وخوفه، وقد التقت به فجأة معبرة عن تدمرها وغيابه ..حزن سيقابله بوح عفوي من طرفه " أما أنا فقد كنت بالقرب منك ..رأيت كل شيء ..كنت خلف شجرة عند مفترق الشارع ملفوفا في معطفي وكنت جد خائف عليك مني " ص .52
في حين يمتح نص " أثر الهوى " ص 9 في تركيبته مما ترسب في لا وعينا الشعبي من أثر وقوة السحر والشعوذة على النفوس، بحيث أن نهايته تبرز مكر الفقيه الشاب الذي أقر العزم على الفوز بقلب الفتاة الجميلة المنتمية إلى أصل شريف، من خلال لجوئه إلى تعازيم دمياطية يبرز أثرها من خلال ما بدا من تحول في سلوك البطلة. وما قض مضجعها اثناء أحلامها التي اتخذت مسارا تصاعديا أبرز تقلبا في السلوك والمزاج وقدرة رهيبة على كسر القيود التي تكبل قريناتها من النساء والفتيات. ولعل المثير في النص هو إرتكاز بنائه على رمزية الحناء وورقة الصفصاف اللتين لهما مقامان مختلفان، فالحناء رمز للجمال السمو، وشجرة الصفصاف رمز للسمو والتجويف الداخلي رغم ارتفاعها في عنان السماء يقول السارد " هكذا قضت نهارا بكامله تنقش الشجرة في بياض يدها الناصع كسكر بني ملال، لم تتوقف، ولم تكل، ولم تمل من نقلها ورقة ورقة غصنا بعد غصن شكلا إثر شكل، تراها أمام العين بالذاكرة الولهانة، فتنقش وترسم وتحنو، حد حدود المساء ونزول ستارع الداكن القاني الحاجب .. " ص 12
إن المشي أثناء الحلم هو تلبية لنداء القلب الذي سيخلق حيرة كبيرة للبطلة ورجا لكيانها الشاب ولروحها التواقة، وقد انشغلت جوانحها بحمية الهوى المفاجئ واخترق لهيب الحركة، وألب أنوثتها ونالت من نضجها فجأة بالانتقال من دائرة الحلم إلى فتنة الواقع ستترجمه الرؤية مجبرة دون إكراه وذاتها تستعد لرقص جامح. يقول السارد " قامت من السرير كي تفهم ما يقع لها لكن دون جدوى ..كانت تتجه نحو النافذة، وتحدق في ظلام بعيد ..ثم ما لبثت أن تعود أدراجها ..وتغط من جديد في النوم وصورة الرجل تسكن ثنايا دماغها " ص 12.
وسنلمس أن انتقال الشجرة تم من الغابة المحاذية للمسجد العتيق وقبة الوالي إلى الحلم والرؤيا ، ثم تجسيدها عبر بياض راحة يد الفتاة البضة  لما حف جسدها بارتعاشه وخدر لذيذ للحواس وهي تسير نائمة " لتدلف بوابة المسجد لاعتلاء قلب رجل ستعشقه رقية بجنون ..فقد كان في الحلم إياه في ليلة السهد ، وهو قدر يقال أنه يحصل خارج ما لا يستسيغه العقل وهو من أثر عاطفة جارفة " ص 12. وسترتسم لحظة وصولها " وصول رسم الشجرة إلى نياط قلب الفقيه الذي كأنه انته من خط وكتابة تعازيم  دمياطية للفوز بجسد رقية " ص 12. إنها نهاية بداية رحلة أسر الهوى الطويل لقلب عاشقة سقطت في فخ ساحر وديع .
وبقدر ما تنطلي الخدعة على امرأة الروح من خلال السحر تضحى المرآة ذاتها مخادعة إلى حد أنها قد لا تعكس الحقائق بشكل جلي. فهل أن  ما يحدث مجرد تماه  للأعماق مع محاولة الذات التستر على مرارة نشوتها ؟ هل ندرك لحظة التحديق أو التأمل كنه المحدق فيه؟ وهل ما ينعكس نتجاهله بالقوة لمرارة الانعكاس السافر والفاضح ؟ إن المتأمل في قرائن النص لا محالة سيلمس أن البطل بقدر ما ألف تشوه وجه المرآة انمحت ملامحه المشوهة بفعل تكرار التحديق ، أصبح  عاديا ونظرته تخترق الجزء المتشظي في تماه مع الجزء السليم واقتناعه بذلك " فقد ألف الرجل أن يرى وجهه مهشما في جزئه الأيمن بالذات " ص 30 وسنلمس كيف أن حادثا واحدا فقط سيؤكد حقيقة مظهره وزيف إبصاره بكثير من الدهشة والغرابة وهو تبعثر يصبح  بمحاولة الخروج بكامل جسده .
إن الحيرة التي تلف ذات البطل ستعيد إلى ذاته أسئلة طالما غيبها أو تجاهلها " كما لو كان إزاء لعبة خفية تناور كي تستفز مشاعره " ص 31، حقيقة ستدفعه إلى اتخاذ قرار استبدال المرآة بأخرى جديدة "وكأنه يضع حدا لمناورة بذيئة ..وهو على محك ..واقع أخر لم يفكر في تفاصيله من قبل ..لتتأكد له خدعة  المرايا الخادعة دوما ".
إنها كتابة بقدر ما تعلن عن حفرها في ثنايا الذات الانسانية تعري عن خوف وانخداع يغطي كل الكسور الكامنة بالأعماق ، وبضرورة التفريط فيما لا يجب التفريط فيه على الاطلاق فحب التملك يضحى أحد أسباب الانخداع الانساني على الاطلاق .
إن الثقة الزائدة بالنفس، والاعتداد بها والعيش في عزلة عن العالم الحقيقي حياة خاصة وسرية قد تعرض حتى أعتى الرجال وأشدهم ثقة بالنفس إلى مؤامرة مميتة. في قصة بوليسية قصيرة جدا "ص 25 سنلمس خطورة عقد القتل  المزدوج الذي بموجبه سيلقى بطل النص حتفه وهو بصدد تنفيذ عقد عمل متحولا إلى ضحية يقول السارد "وبسرعة فائقة انسلت امرأة بلباس داكن يغطيها بشكل كلي ..(و) عطر انثوي خالصا كان يفوح منها، وبخفة قاتلة وهدوء راسخ .. أفرغت بدقة متناهية مخزون رصاص مسدس كاتم الصوت في جسده الرجل ..الملقب بالقط الأزرق " ص 27. ف"قصة بوليسية قصيرة جدا" ي تجسيد لواقع العلاقات الانسانية الضاربة في القتل والفتك والخذلان والخيانة.
 
على سبيل الختم
 لقد تميزت مجموعة "القبض على الموج" للقاص المغربي مبارك حسني،  بكتابة ارتكزت على بناء مفعم بالتوتر وبنهايات موجعة، وغير منتظرة مفتوحة دوما على سؤال مرير. فهي مكونة من نصوص وقفت على حدود تجريب مفعم بالدهشة وكتابة رامت خلخلة توابت النص الذي ظل مفتوحا كجرح غائر .لترسم فضاء مثاليا للقصة، أحداث  من الواقع  ومن اليومي ستبرز تفاصيلها  أنها ضاجة بالرتابة  والعنف والقهر والجنس والجنون والخيبة والموت، كما أنها احتفلت بالأمكنة ورصدت معالمها وملامح العديد من الشخوص المنكسرة والمحبطة ..ما جعلها كتابة للصامت والاحتراق الداخلي ..لقد تم توظيف فيها العديد من التقنيات كالفلاش باك والتناص والبناء المتوازي، والميتاسرد كأرضية نزحت نحو خلق ايهام واقعي ما أبرز مناورة قصصية بامتياز ومنظورا إلى الكتابة من داخل القصة نفسها وهي تسائل النص والكاتب معا .
مجموعة "القبض على الموج" بهذا المعنى هي بحث عن متعة القص الممزوج بحكي قصير يروم خلق وعي إبداعي وفني بعالم القصة ذاتها. فهي نصوص بقدر ما تحاور أعمالا سابقة لكتاب عالميين ضمن لعبة تناص ستبحث عن تجاوز أفق آخر يتجسد فيه  النص من منظور صاحبه وقد استوى على نار هادئة ..إنه بحث عن أفق القصة بل عن قدر محتوم لها لتنهل من معين خاص وتجربة ليست بيسيرة في الكتابة راكمت ما يكفي كي تبحث عن تجاوز التجارب السابقة .
فالقبض على الموج يتجسد  كعتبة دالة على استحالة وتمنع، إنها محاولة القبض على القص المنفلت منذ البداية ضمن عوالم خيالية أو فنطاسية أو تراثية، حيث سيمتزج الحلم بالرؤيا، بالممكن والمستحيل داخل حلبة فراغ وعتمة تبرز حيرة الامتثال لنداء الحلم نفسه أو نداءات القلب أو رغبة الكتابة فالاشتغال داخل هذه النصوص بقدر ما يروم المزج بين عوالم سردية مختلفة تفتح أفق الانتظار والتوقع يترجمها الانسلال نحو فضاء الرؤيا الجامح وخذر الحواس الذي يخلص العقل من أثر العاطفة الجارف. نصوص ستبرز شخوصا مهووسة وانشطارية أو ماكرة أو مجنونة أو سلبية ..
( "القبض على الموج" قصص . مبارك حسني ، منشورات دار التنوخي، الرباط، المغرب). 
 
* ناقد من المغرب.