الجنوح الشعري لدى الروائيين

هيثم حسين*

تتنوّع سبل نسج الروائيين لعوالم رواياتهم، وتختلف الأساليب التي يعتمدونها ويلجأون إليها في صياغة تلك العوالم التي يقدّمون من خلالها تصوّراتهم ورؤاهم عن المتخيّل والمفترض عبر الرواية.

يجنح عدد من الروائيين إلى استعمال اللغة الشعريّة في أعمالهم، بحيث يسعون إلى النفخ في الجمل الروائيّة التي تعتمد التركيز والتفصيل، إلى فضاء من إنشائيّات فضفاضة لا تحمل أيّ إضافة إلى النصّ الروائيّ، بل تثقل كاهله بالتكلّف الشعريّ واللغويّ، وتحمّله أعباء الاستطراد والانسياق وراء إغواء الشعر للروائيّ.
بالاتّكاء على توصيف الفرنسي كريستيان دوميه في كتابه “جنوح الفلاسفة الشعريّ” وإسقاط الجنوح الشعريّ على حال الرواية لدى عدد من الروائيين والروائيات العرب، يمكن التوقّف عند جنوح مختلف عن ذاك الجنوح الشعريّ لدى الفلاسفة؛ ذاك الممدوح في صيغه المتجلية في عمل دوميه وفلسفات مَن استشهد بهم.
وكما يقال إن كانت النصوص الفلسفية والشعرية تسكن القارّة نفسها، فحريّ بالنصوص الروائيّة أن تجاورها في السكنى، وتستقي من كليهما لتكمل صورتها الحداثية، لا أن تقيّد نفسها بقوالب معيّنة، سواء كانت شعريّة أو فلسفية.
وبالحديث عن الجنوح الشعريّ في الرواية، قد يكون الخطّ الذي كرّسه روائيّون وروائيّات في العالم العربيّ، عبر توظيف اللغة الشعريّة المتكلّفة في الرواية، ولاقى نجاحا في مرحلة ما، مورّطا لآخرين يحاولون اقتفاء آثار أولئك الذين حصدوا ثمار عملهم، وأصبحوا مقيّدين بدورهم بما استعذبوه من سلطة شعريّة مصطنعة على النصّ الروائيّ، أو تطويع الرواية شعريّا.
هناك غادة السمان، وأحلام مستغانمي احتلّتا موقعا رياديّا في سياق إغراء روائيات لاحقات عليهما باقتفاء خطّهما الشعريّ في الرواية، وبمعزل عن الظروف التي ساهمت في إنجاح كلّ منهما وإيصالهما إلى مستوى متقدّم من الشهرة، فإنّ لغتهما الشعريّة في الرواية أصبحت قيدا لمن حاول تقليدهما، وظهرت روائيّات حاولن استنساخ تجربتهما ولغتهما وحتى صورهما ولقطاتهما، في توهّم مضلّل بأنّ وصفة الشهرة والنجاح الروائيّة هي وصفتهما فقط، وأنّ لغة الرواية هي لغتهما الشعريّة وحدها.
ويمكن هنا الإشارة إلى اللغة الشعريّة التي يلجأ إليها روائيّون عرب في أعمالهم الروائيّة، وكأنّهم نسخ ذكوريّة في الرواية العربيّة من أحلام مستغانمي نفسها، وقد حقّقوا حضورا في المشهد الروائيّ من خلال ما يوصَف بـ”سطوتهم ونفوذهم” في ميادين الجوائز والمهرجانات، ومع أنّ بعضهم حقّق إنجازاته وشهرته، بلغته ووسائله المساعدة، إلّا أن محاولات آخرين من الجيل الجديد لتقليد ما يمكن توصيفه بـ”وصفته” باتت مشكلة لهم، وعبئا على كتابتهم.
وهناك ربّما يمكن التذكير بما يوصف بجنوح الشعراء إلى الرواية، حيث التفت الكثير من الشعراء في العالم العربيّ إلى كتابة الرواية، ربّما ليقين داخليّ مضمر لديهم لا يودّون التصريح به، عن اقتصار الشعر على حيّز محدود، وعدم قدرته أو قدرتهم من خلاله، على التواجد بقوّة في الساحة الأدبيّة وتحت أضواء الجوائز التي باتت تلتفت إلى الرواية وتركّز عليها أكثر من الشعر.
ولعلّ المشكل يكمن في تحوّل الجنوح إلى جموح لا يهدأ، بحيث يغدو المرغوب عنه مرغوبا فيه بشدّة لأنّه يشكّل تيّارا سائدا ، ويثير شهية لا ترتوي للشهرة المأمولة من وراء هذا التقليد، الذي يجنح بالرواية والشعر معا إلى زوايا بائسة.
 
* عن " العرب" اللندنية.