التعثّر بقصيدة.. ببيت شعر منثور

ساشو سيرافيموف

ترجمة وتقديم: خيري حمدان*
 
ولد الأديب ساشو سيرافيموف عام 1953 في مدينة دوبريتش الواقعة بالقرب من البحر الأسود. أنهى دراسة الآداب السلافية في جامعة صوفيا، تخصّص في مجال "التربية الاجتماعية". أهمّ الدواوين التي صدرت للأديب: "الندب" 1979. "كلمة حرة" 1990، "مالك الأحلام" 1994، "باب الأفق" 1995، "نظرة الشجرة القوية" 2004، "غرق الأنوار" 2009 وغيرها. نال جائزتين وطنيتين. ترجمت قصائده للغة الإنجليزية، البولندية، السلوفاكية، التركية، الرومانية، الروسية وغيرها. هذه أولى الترجمات لبعض أعماله إلى اللغة العربية.  
 
المسنّون يقضون عند آخر الدنيا
Старците умират в края на света
في صباح أحدِ الأيام، وأنا أسيرُ في طريقي، تعثّرتُ محضَ صدفةٍ ببيت شعر منثور. صدفة لأنّ الشعر الحرّ المنثور أبيضٌ وشفّافٌ للغاية كما الهواء، غير مرئيّ وعصيّ للغاية. يا للروعة، كيف تمكّنت من استهدافه!
بالطبع تبعثر نهاري إثر ذلك في أنحاءِ الشارع، تشظّى خارج المدينة، بل غادر حدود الدولة. عبر قارّة أوروبا ليركلَ العالم ككرة قدم، داس الفضاء قبل أن نفقد آثاره. هكذا وجدتُ ذاتي في كلّ مكان. 
عاودتني أفكارٌ إنسانيّة وغير إنسانيّة أيضًا، أفكارٌ حطّت في كلّ مواقع الخارطة الكونية. تجوّلتْ عبر طرقات التاريخ، قفزتْ فوق أسيجة العهد الجديد، ثمّ توجّهت لما قبل هذي الحقبة. اللعنة، صحتُ وقد تيقّنت من أنّني سأتوه ومعي الدولة البلغارية، لنبحث عنها ثانية في ثنايا الأطلس. من سيصدّق أنّ بيتَ شعرٍ منثورٌ أبيضَ غير مرئيّ يحتقره الجميع قد تمكّن من العبث بأمّة يمتدّ تاريخُها لآلافِ السنين؟ أمّا جلّ حزني وكمدي فقد تركّز على أهل السياسة، الذين بذلوا جهودًا خارقة للإطاحة بهذه الدولة خلال بضع مئات من السنوات، في الوقت الذي تمكّنت فيه بتعثّري البريء ببيت شعرٍ من خطف ثمرة جهودهم. يا للخسارة، ضاعت أتعابهم في مهبّ الرياح، ولم تثمر مساعي الشعب البلغاري لإطعام وتسمين هذه النخبة. 
وفي أثناء ترجّلي اليائس في الطرق المجهولة للقصيدة المنثورة، شاهدتُ على حين غرّة "مسنّين يقضون عند آخر الدنيا"، عندها فتحتُ الأبواب وعدت لبلادي، لأجد أنّ الأمور على ماهيّتها دون أن يتغيّر شيء ما في كيان الوطن، عندها شعرت بالراحة والسكينة. 
 
الحوت
Акулата
كما النهرُ يعبرُ بمحاذاة الأشجارَ
وأفواجُ النملِ تدبّ في أصلِ الجذور.
كما كأس الحليب الفارغ صباحًا، 
كما الرياح تعرج في أطر نوافذ مدينة، 
فقدت كلّ ألقها.
يتنزّه الشعرُ، يتهادى 
في شبكةِ تصريفِ المياهِ العادمةِ للمدينةِ
ما بين أكشاكِ الكرتون تحت الجسور
وعند شمعدان الشمسِ في أعلى الأشجار.
الشعرُ الوديعُ المبتلّ بفعلِ الندى
ليّنٌ، مبدعٌ بطبيعته،
لكنّه إذا ما جاع، إذا ما ظمئ يصبحُ حوتًا.
ينهشُ، يقضمُ المشاعرَ والوصايا والممتلكات. 
ينزعُ أقنعةَ العظامِ في البلدة 
يقنعُ أهلَ المدينة 
أنّ القادةَ عراة.
يقتلعُ صمتَ الطاعة،
يبثّ التمرّدَ في الأرواح،
ليتبيّن أنّ أمسِ باتَ أشلاء،

ما الذي وسموه بالخلودِ إذًا!

 

* أديب ومترجم عربي/ بلغاري مقيم في صوفيا.