التشكيلي محمد السالمي .. فُرشاته من سعف وأصابعه من ماء

Printer-friendly versionSend to friend
حوار:عبد الكريم شياحني*
 
 
"من هنا مر الطيبون الأوائل
دون أمتعة و لا زاد
كانوا عابقين بمسك الخروج
وحازمين جدا ..
يكلمون الطير ووحش الغابات
ويهاجرون بجسارة الأنبياء ليلا
فتصير المعابر حفلة مثلى
و تصير ياقاتهم ممجدة بعرق الرقص !
..."
 
كما تُشرق الشمس على الواحة،مهدهدة العراجين المثقلة بتمر الأبدية،تشتعل الألوان في لوحاته...
فرشاته سعف،أصابعه ماء ،كأنه يسافر بين الحصى والعريش دون يقين .
يتفرس في الوجوه والملامح،و يشكلها صورا ذهنية في دخيلته،قبل أن يباغتها بخلق جديد،مجددا صِلاته بها .
صانع ماهر،يحترف العود الأبدي ...يلتقط،يقتنص،يخطف،يستعيد النشوء ببداهة خامة، ورؤية فنية عالية .
محمد السالمي المسكون بفضاءات تافيلالت( في المغرب) ، يصر على أن يؤبّد هذا المكان في كل ما تقترفه يداه،إ ضمارا أو إظهارا،واقعيا أو رمزيا .يسعفه في ذلكتوثبه نحو خرائط تشكيلية حرة و مختلفة . يتجدد مع العناصر والأشكال،فيولد مع ما يعجن من طين ، ليحفر اسما وذاكرة بـ "زوم" العين اللاقطة .
بين الرشيدية ، ورزازات ،فاس،الرباط،مراكش ،أكادير ،الجديدة ،عرض الفنان محمد السالمي لوحاته وطنيا، لكنه ما فتئ يعبر الحدود في اتجاهات مغاربية و أوروبية متعددة ،حاملا مشكاة الفن في أصالته المغربية ،والتماعاته العالمية ،بتميز وحضور بارزين .
في هذا الحوار ،بعض من عوالم محمد السالمي وانشغالاته الفنية ،وفيه يجيب على أسئلة
بشفافية الفنان و أفقه المدفوع نحو مشاريع أخرى .
 
* الفنان محمد السالمي، كيف بدأت حكايتك مع الألوان والأصباغ ؟
كمعظم الاطفال كنت في سن مبكرة أميل للرسم للتعبير عما أرغب أشعر به، أول إحساس بنشوة الابداع عندما كنت أقوم علي إظهار ما أقوم به من رسومات .. رسومات كنت أستمدها من موضوعات لشخوص واقعية أحيانا ، وأحيانا أخرى أستمدها من شخوص القصص والصور التي كنت أراها في كتب المقررات الدراسية. 
الإنطلاقة الحقيقية بدأت لما أهداني أخي علبة صباغة مائية،لاستخدامها من أجل الاستمتاع الذاتي ،ولأكتشف من خلالها عالم الألوان..
 
* تحضر في لوحاتك جغرافيا المغرب الشرقي بشكل واضح،كيف تفسر هذا الجنوح نحو الأرض الأولى ؟
جنوب المغرب من أهم مصادر الإلهام الرئيسية بالنسبة لي.العين ترتاح لهذه الفضاءات باحثة عن شحنات الجمال في الأشياء والكائنات الضاجة حركة وسكون .
اشتغل على فن البورتريه وحياة البدو والرحل والتراث المعماري والثقافة المحلية بتافيلالت ،إنه لون تعبيري بعيد عما هو حكائي تقريري أو وثائقي .
لغتي التشكيلية بسيطة خالية من كل تعقيد وغنية بالاستعارات،تمتاز بالصدق الفني مما يجعلها تذهب مباشرة الى قلب المتلقي .
 
* أنجزت بورتريهات كثيرة لوجوه من عالم الأدب والفن ،وأيضا لسحنات غير معروفة ،وثمة دائما لمسة فنية خاصة تتجلى في هذه الأعمال .حدثنا عن ذلك ؟
فن البورتري كان هو المحك الأول لتدريب العين على الملاحظة ، واليد على المهارة في نقل المرئيات ..
سحنات الوجوه تلهمني ،في مواضيع البورتري يجتاحك شعور بالإنتماء للإنسان لروح الإنسان البسيط الطاهر -البيو-المعتز بأنفته الفخور بكرامته الصافي الروح ..
...
أحب قراءة الشعر ،القصة ،والرواية…شغفي بهذه الأصناف الأدبية جعلني أنجز بورتريهات لوجوه من عالم الأدب والفن ..
 
* المتأمل لأعمال محمد السالمي ،يجد فيها نزعة محرضة على الكتابة أو التأويل .كيف تتلقى النقود الفنية لأعمالك،وكذا النصوص الموازية لها ؟
أحترم كل الكتابات النقدية لأعمالي ،وكذا النصوص الموازية لها ،هي كتابات تبعث روحاً جديدة لأعمالي الفنية المتواضعة ، من خلال إيضاح وتقريب العمل الفني من المتلقي.فـدور الناقد في هذا المجال يربط بين المدارس والتيارات ويحدد المصادر والأصول ويعين خصائص كل اتجاه ويقارنه بالواقع أو بالقواعد الكلاسيكية أوبالفلسفات الشائعة.
 
* هل يموقع السالمي نفسه في تيار فني محدد؟
أحاول وضع نمط وأسلوب فني خاص يتسم بعمق في الرؤية ،للبحث عن هوية تمتاز بالأصالة ومتشبعة بالقيم الانسانية النبيلة .
أوظف سحنات لونية زاهية صافية غنية ، منبعثة من ضياء البيئة الصحراوية ،إنها صياغة تشكيلية مبنية على توافقات وتضادات لونية ترتكز قوتها بناء على الضربات العريضة واللمسات الحركية والمعقلنة ..
أعمالي تؤرخ لقيم الحياة وللذاكرة الجماعية في تجلياتها وفي أحلامها ..تعبيرا عن نماذج وحالات إنسانية بسيطة ترسم معالم النبل والطيبة والأمان ،لتبعث الدفء والألفة و الحنين في الكائنات والأشياء والأشخاص الحاملين لقيم  حقيقية .
أعمال مكتوبة بألوان حبلى بأجواء الفرح والحلم الواعي المرح ، إنه الحنين إلى كل ما هو أصيل جاد ،وبدون زيف .
قد تكون أعمالي انطباعية تعبيرية أو تجريدية أو واقعية حسية أو حتى تكعيبية من حيث المواضيع،في صورة تكسر الحواجز بين مختلف الأساليب والاتجاهات الفنية ، وتعبيرية في حركة الفرشاة ،كما قد أكون معاصرا في أسلوب تعاملي الفني .. إلا أن الأهم هو تفجير ما يسكن الدواخل والأحاسيس والسفر بالمتلقي إلى العوالم السفلى والعليا لأشاركه اللحظات الصوفية ونشوة الإبداع والخلق والحلم ..بهذا أحاول أن أبين قيم الذاكرة الحية للمغرب الجمعي مغرب التسامح والشموخ والمواطنة في بعدها العالمي .
 
* أديب من المغرب.