الترجمة في خطر

Printer-friendly versionSend to friend
مزوار الإدريسي
 
"الأدب في خطر" عنوان كتاب شهير للناقد البلغاري-الفرنسي تزفيتان تودوروف، أصلُه تقريرٌ وعُصارة تجربة استشارية بالمجلس الوطني للبرامج، التابع لـ"وزارة التربية الوطنية" الفرنسية امتدَّت بين 1994 و2004؛ الذي من بين خلاصاتِه أنّ النظرية الأدبية بوسائلها التحليلية لا يلزَمُها أن تحجب عنّا معنى النصوص الأدبية، بإجبارنا على النظر في العلاقات الداخلية للنصوص وآليات اشتغالها، فَتُنسيَنا أنَّ النصوص الأدبية توجد في سياق، وفي تفاعل مع وسطها وحوار معه، وأنّ غايَةَ القارئ منها فهمُ الإنسان والعالَم للعثورِ فيه على جَمال يُغني وجودَه وذوقَه وخُلقَه.
وطالما أنّ قضايا الترجمة هي مبدئيّاً من قضايا الأدب أيضاً، فإننا نستعير هنا جزءاً من عنوان تودوروف لكي نتساءل إنْ كانت الترجمة في خطر هي الأخرى، وللتعرُّف على أسبَابه وتجلِّياته.
أكيدٌ أن أخطاراً خارجية عديدة ومتنوعة تتهدّد الترجمة، لعلّ أبرزَها الأنظمةُ الديكتاتورية والدينية المتشدّدة، التي ترتاب في الفكر المغاير لإيديولوجيتها، والذي يَفِدُ عليها، لا محالة، بوساطة الترجمة بما تمثِّلُه من تشويش عليها، لأنها تَبْذُرُ في فضائها فكراً دخيلاً عليها، يَرْفِدُها بخطاب ليس في مصلحتها.
وخلافا للديكتاتوريات، تفتح الدولُ الديموقراطية أبوابها للترجمة، وتُدرِجُها في مقرَّراتها التعليميةِ -الثانوية والجامعية- نصوصاً ومؤلَّفات مترْجَمةً، بِصفتها مادَّةً مستقلة تُسمّيها "الأدب العالمي"، فتهيئ ناشئتَها إلى الانفتاح على الإبداع العالمي الراقي، دُونَ تهيُّب، لأنها تؤمن –وَفْق تودوروف- بأن "الأدب [...] يوسّع من عالمنا، ويحثُّنا على تخيُّل طرائق أخرى لتصوُّره وتنظيمه"، بينما تُجلّي الديكتاتوريات، كما في العالَم العربي، سطوتها على التعليم من خلال حجب الترجمات عن المقررات التعليمية، لتكشف عن تناقض صارخ بين قولها وفعلها؛ لأنها في الوقت الذي تدَّعي التحديثَ وتُجهّز المؤسّساتِ والوسط بالتكنولوجيا الحديثة، تتحرّى الحيلولة دون تلقيح مجتمعها بما يُعِدّه للانفتاح على الفكر والإبداع، الذي هيّأ للابتكارات التكنولوجية التي أفرزتها المجتمعاتُ المتنوِّرة.
تمارس الديكتاتوريات الرّقابة على الترجمة بمنع عناوينَ معينة من الحضور في المعارض التي تنظِّمُها، أو من استيرادها من قِبل المكتبات، كما تتلكأ في إنشاء مراكز ومؤسسات للترجمة، التي نَعلم أن عددها في العالم العربي برمته لا يتجاوز رؤوس أصابع اليد الواحدة، ناهيك عن تخصيصها جوائز للترجمة تليق بالدور المنوط بها، مع استثناء لا يتعدى رؤوسَ الأصابع أيضاً.
وتُشجِّع الدُّول الديموقراطية الترجمةَ بصيغ متنوعة، تأتي الإعانات المالية أو المنح التي تُخصَّص للمترجِمين أساساً على رأسها، ويكفي ضَرْبُ المثل بإسبانيا؛ الدولةِ التي في عزّ أزمتها المالية بين 2009 و2016، ظلَّت وزارة ثقافتها تُحافظ على غلاف مالي من ميزانيتها، لا بأس به، أفْرَدَته لترجمة الأعمال الأدبية الإسبانية الكبرى إلى لغات العالَم ترويجاً لرأسمالها الرمزي، وتأكيداً لحضورها في المشهد الثقافي، بل إن دور النشر نفسها في الغرب لا تفتأ تبحث عن الأقلام الأجنبية، ومنها العربية، فتترجم أعمالَها لزرع الجِدّة في ثقافتها المحلية باستمرار.
ولا يقتصر الخطر المحدق بالترجمة في العالَم العربي على الدولة، فحتى مُمارسات دور النشر، التي لا تفتأ تشتكي الأزمة، تُعمّق بدورها الخطر الذي يتربّص بالترجمة، لأنها لا تستثمر فيها، لِافْتِقَادها إلى مشروع ثقافي واضح المعالِم، وحتى في حال تَوافُرها عليه، فإنها تنسِفُه بنفسِها لعدم حمايَتِها إيَّاه عبر رعاية المُترجِمين بمنحهم حقوقهم المادية كاملةً، وبتشجعيها إياهم من خلال تخصيص جوائز مالية لهم، تتكفَّل هيأة للناشرين بمنحها لهم في استقلال عن الدولة.
وهناك خطرٌ آخر يُحدق بالترجمة دوماً، بل يلازمها بمعزل عن البلدان، يَصدُرُ عن المترجمين أنفسِهم، أصْلُه ذاتيٌّ لأنه يرتبط بهفوات تَتَّصل بالتحرير بعد الفهم والتأويل، لكنّها تبقى هيّنة إذا ما قورنت بالأخطار الأخرى.
 
 عن "العربي الجديد" اللندنية.