التدافع البوليفوني في رواية "أصوات من هناك"

Printer-friendly versionSend to friend
محمد جهاد إسماعيل*
 
حينما يقرأ المرء رواية  "أصوات من هناك" تقفزت إلى الذهن تلقائياً أحداث رواية " السفينة " للمبدع الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا. فرواية جبرا تعد أحد أبرز وأهم الروايات العربية، التي ينطبق عليها وصف البوليفونية أو تعدد الأصوات. لقد قدم جبرا في سفينته، نموذجاً فريداً ومدهشاً لتعدد الأصوات في السرد، أما الكاتب نعيم آل مسافر فيقدم في روايته "أصوات من هناك"، جرعات مضاعفة ومكثفة من البوليفونية أو تعدد الأصوات. 
تتدافع الأصوات في وجه بطل الرواية، وفي وجه القارئ أيضاً، كما تتدافع حبيبات الفشار، حال أن تلامس قعر القدر الساخن. فأشخاص كثر يتدافعون في وجه البطل، كي يهمسون له، ويتولى هو مهمة تدوين همسهم في صحيفته. إننا نشهد في هذه الرواية خروجاً فريداً عن المألوف، فالأصوات المتدافعة والمتزاحمة حول البطل، لم تكن آدمية وحسب، بل سمعنا المكونات الجغرافية والأدوات السحرية ترفع أصواتها إلى البطل هي الأخرى، وتبوح إليه، وهنا مكمن الجمال في الرواية. 
كان بطل الرواية ( مدون الهمس ) هو الجهة المؤتمنة والموثوقة عند الجميع، فقد هرعت جميع الأصوات تهمس إليه، وتلقي في حجره أسرارها وخباياها. بعض الأصوات همست إليه باتهامات وإدانات لغيرها، بعض الأصوات هرعت إليه تدافع عن نفسها مبررةً أفعالها، وبعضها جاءت  تشكوا إليه بثها وحزنها كاشفةً كيف وقع الظلم في حقها. 
قامت أصوات الرواية بإقحام البطل، في كل تفاصيل مشاكلها وهمومها، لكنه لم يقم البتة بدور القاضي أو المحامي، لم يبد موقفاً أو رأياً شخصياً من أحد، لم يتعاطف مع أحد ضد أحد. بل تعامل بحيادية مطلقة مع الجميع، واكتفى بدوره كناقل أو مدون للهمس. 
لقد كان بطل الرواية بمثابة المركز، الذي تحوم في فلكه جميع الأصوات. الأصوات القادمة من هناك، من عراق ما بعد الغزو الأميركي، وعراق الحقبة البعثية، وصولاً للعراق السومري في عهد السلالات. 
بالانتهاء من قراءة هذه الرواية ، نفضت عن رأسي غبار تل ساسة، وآمنت أن كتابة أو قراءة رواية، تبدو أشبه بجلسة "تحضير أرواح"!. 
 
* أديب من فلسطين.