البحر في حداد

 بروين حبيب*

لم أعرف حين التقيت حنا مينه لأول مرة أنني سأعيش صدمة حياتي، كنت حينها لا أزال غضة، وقد فتح لي التلفزيون بابا واسعا للقاء الرموز التي صنعت ذائقتي وكونت قلمي، وهذبت لغتي وجعلتني شاعرة. 

كان مينه قد أبكاني عشرات المرات وأنا منكبة على قراءته، صدقته دائما لأنه كتَبَ بحرارة الحقيقة، إذ لا يمكن للوهم أن يخترق قلوبنا بتلك الحدة، ويمزق أضلاعنا بتلك القسوة. كنت أقرأه وأكتشف عوالمه، وأنا غير مصدقة أنه ذلك الرجل الشجاع الذي خدعته الحياة، إلا حين التقيته، وأحمد الله أنني كرمته بطريقتي حين طوى الإعلام العربي صفحته، كما يفعل مع كبار السن عادة، وقفت أمامه وقلبي ينبض إعجابا بشخصه وقلمه، ثم سرعان ما غمرني مطر أسود وأنا أبادله الحديث، الرجل كان يائسا، مكتئبا، منهكا بتلك المشاعر التي ولدها التهميش له ككاتب من الصف الأول، 
كان حزينا في ملامحه، في هندامه، وحتى في أثاث بيته، ولا أذكر أنه ابتسم أو استلطف كلامي في شيء، مع أني لم أجامله، كنت أبادله الحقيقة التي عاملنا بها دائما كقراء. كان مينه شبه ميت، على الأقل بالنسبة لنفسه، وكان ناقما على الوسط الإعلامي والأدبي، وإلا لماذا نشر وصيته طالبا أن لا ينعى، ولا يرثى، وأنه شبع من الحياة؟ ألم تكن في تلك الوصية رسالة بين السطور؟ ألم يكن في غيابه أو تغييبه ما يحز في النفس؟
لقد تعودنا في العالم العربي على الرؤى الضيقة، وتسليط الضوء على فئة قليلة من أهل القلم، ولا أدري لماذا تُمنح الجوائز في أغلب المحافل، ويحتفى بهم بمناسبة وبغير مناسبة، فيما البعض، على الرغم من أهميتهم أدبيا يعيشون في الظلال إلى أن يواروا الثرى. بالطبع حنا مينه لم يكن لا من هؤلاء ولا من أولئك، لأنه نال بعض الاهتمام، كما حصل على احتفاء كبير من طرف قرائه، لكن أيضا طاله الكثير من التهميش، وقد قيل إنه كرر نفسه، لهذا انطفأ نجمه، مع أن جميع الكتاب يكررون أنفسهم، بدون استثناء، كون الكاتب يدهش قارئه بأول أو ثاني عمل، ثم يصبح معروفا ببصمته، إلا إذا كان لصا متمرسا بالسطو على نصوص غيره. 
غادر مينه الوسط، وربما تردد كثيرا قبل أن يعلن أسفه وأساه عبر وصيته، وكان يجب أن نحترم رغبته، لأنه كان بحاجة لبعض الدفء حين كان حيا، حين أُحيل إلى التقاعد من طرف سادة الإعلام بكل أنواعه، وسادة المؤسسات الثقافية، فالطاقة الإبداعية التي كان يملكها كانت أقوى منه، حتى أنها جرفته وانتزعته من كل المهن التي مارسها، وربطته إلى كعبها، ولعلها كانت الشر الذي لا بد منه، فلا أطلقت سراحه ليمضي في ربوع الحياة حرا، كما كان حين عمل بحارا، ولا منحته الراحة والطمأنينة والاستقرار كما تفعل مهن أخرى… أقلها الاستقرار المادي الذي يُشعِر الرجل بقوته وأهميته وجدواه.
يبدو مينه رائقا في أغلب مقابلاته، لكني تعرفت عليه عن قرب وعرفت قلقه، وتوتره، ووجها آخر يصعب وصفه، خاصة اليوم، وجه الرجل الذي لم يعد يثق لا في الصحافة ولا في صاحب قلم، ولا في مجتمع سلبي كمجتمعنا، حتى أنه اختار يوم عيد ليرحل في ما الجميع منشغل بالاحتفال.
قلت له، في لقائنا ذاك، أنا شاعرة، فَرد وفي نظرته وصوته الهامس سمعت أشياء كثيرة، كأنه قال لي ساخرا: «تشرفنا، وشو يعني؟» حدثته عن تاريخي الطويل مع نصوصه، وأنني عشقت الأزرق بسبب مصابيحه، لكنه رد ببرود أيضا، ولعله لعن الساعة التي تلفظت فيها بتلك الجملة. أقول لعل، وأُكذب نفسي، لكن قلبي انقبض وأنا أسمع ردوده الباهتة. تراني ذهبت إليه متأخرة؟ لا أدري… أعرف أنني قاتلت من أجله ليكون ضيفي، كما قاتلت بشراسة من أجل أغلب ضيوفي، وأردت دوما أن أكون سيدة موقف، فأقدم من لهم الفضل في تكويني، وإبهاري بأعمالهم، وأزيح الغبار عن مواهب دفنت حية، وأنقذ القارئ من الرداءة التي تحيط به، وأرفع المتفرج درجات عن الإسفاف الذي يحيط به من كل الفضائيات… كنت أحمل شجرة مضيئة وأعلق عليها مصابيح الأدب والشعر، وأجمع حولها رموزي، ورموز حقبة ذهبية في تاريخ الأدب العربي المعاصر، وكنت أحرص على أن تكون المكافأة سخية لجميعهم، فهل تراه أدرك ذلك؟ 
ولأنني في لقاءاتي الكثيرة بالكُتاب وأهل الأدب والشعر والفنون، عرفت شخصيات متنوعة، فإن أشد ما أحزنني أولئك الذين نظروا إليّ كموظفة في التلفزيون تؤدي عملا بلا روح، بدون أن يدركوا تماما أنني أنا القلب النابض لبرنامجي، وأن فريق العمل فيه، فريق واعٍ ومحب للقراءة، ومطلع، ويشاركني الولع نفسه. لم أعرف أبدا ما كان شعور حنا مينه الحقيقي تجاه لقائنا، لقد أنجزته، وعدت بفجوة كبيرة في القلب، لا شيء ملأها إلى اليوم. للأسف، كان صورة واضحة لمستقبل أي شخص يختار الكتابة في عالمنا العربي، هو الذي أتيحت له فرص لا تحصى ولا تعد حتى لا يكون كذلك. وقد تساءلت بيني وبين نفسي، لو أنه ظل حلاقا هل كانت حياته ستكون أجمل؟ أو لو ظل بحارا؟ أو لو بقي في منافيه الغريبة بين أوروبا والصين؟ لقد حاول على الأقل أن يكون كل هؤلاء، لكن قدره الأقوى كان الأدب.
والأدب منحه الوجاهة، والمكانة العالمية التي بلغها، لقد نعاه الإعلام الغربي بشكل لم أتوقعه، نعته لغات لا يعرفها، وألسنة لم يفهم شيفراتها، تجاوز بموته كما في حياته قضبان عالمنا العربي الذي ضاق عليه، أليس في هذا مفارقة عجيبة؟ أن نستعجل في موته، أو كما قال منذ عدة أشهر الروائي واسيني الأعرج :»مات أم لم يمت… منذ 2015 ووفاته ترد في الصحافة، ويضطر أبناؤه إلى تكذيبها، وكأن قوى خفية تريد تصفية حسابها مع قامة أدبية عربية وعالمية كبيرة». وفي هذا ما يشير، على الأقل، إلى ذلك الاستعجال، نحن شعوب يؤنسنا البكاء والغياب والرحيل والفراق والفواجع، وما شابهها.
فلم أقرأ عن شخص دق باب مينه بعد تلك الوصية، ولو من باب الفضول، لمعرفة الأسباب الحقيقية لها، بذرة الفضول تلك لم تجد أبدا أرضا خصبة في العقل العربي، لا أحد فكر أن اسمه أيقونة تلمع في سماء بلدته، وكل أثر من آثاره له قيمة معنوية كبيرة، مسوداته وأمكنته، وأشيائه وحياته الطويلة. ولأن هذه اللامبالاة حدثت في حياته، فهو أدرى بنصوص الرثاء الكذابة التي ستحتفي بموته. 
وحده البحر سيفتقد كاتبه، وحده الموج سيبكيه… وقراؤه الذين كانوا يسمعون صوت الموج وهم منغمسون في حكاياته. يصـــــعب أن نفهم كيف يكون البحر في حداد. قراء حنا مينه يعرفون ذلك.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين، المقال عن "القدس العربي".