البحث عن ملائكة

 ‎سارة سالواي *

صالح الرزوق **

همهمة ثم لا شيء. حل الصمت الذي أدهش جورج دونالد. منذ كانوا يرعون الخراف في كلافامركومون، صبّح كلبه سريعا في النباح على أي متطفل.

‎نظر جورج من خلف الخراف، ورأى بيرك، ذيله يهتز إلى الأمام والخلف، ويعترض طريق شاب. كان جورج يعلم أن الكلاب يمكنها أن تبتسم، ولكن بريك كان بالتأكيد يرغي ويزبد.
‎صاح الرجل قائلا:"كلب لطيف، ولكن لا يجب أن تهمله، هنا أطفال نائمون"..
‎صفّر جورج، وجاء بيرك بهدوء إلى جانبه، ويمكن له أن يقسم أنه جاء قسرا.
‎قال جورج:"الآن منتصف الليل، أليس للأطفال بيت يأوون إليه؟".
‎اقترب الغريب من الخراف، وهو ينظر إلى الوراء نحو جورج، وعلى وجهه انطباعات سارة ومنبسطة. وقال:"إنها مدرسة في الهواء الطلق. ونحن نؤدي واجباتنا في الفضاء. التدريس والاستحمام والطعام وحتى القيلولة. أنا مدرس فقط ،لكن الأطباء يرون أنهم بحاجة للهواء الطلق قدر الإمكان. وهذا يفيد صدورهم، كما تعلم، لقد فقدنا أحدهم بالالتهاب الرئوي في الأسبوع الماضي".
‎أشار جورج لبيرك ليدفع خروفا شاردا نحو القطيع وقال:"هذا صعب حقا".
‎قال الرجل ببطء قبل تبديل الموضوع:"رأيت ما هو أسوأ حينما كنت جنديا".
‎ثم قال:"اسمي إيفان كروسلي". ومد يده إلى جورج للمصافحة وتابع:"سمعت عنك، طبعا. أنتم الرعاة نجوم في الصحف. وأنا أستغرب أنك لا تشارك في معرض الإمبراطورية البريطانية حتى الآن".
‎قال جورج:"هذا يشبه أن يخبر أب ابنه أن الخراف تبيض".
‎ابتسم إيفان وقال:"افترض أن كليهما من حيوانات المزارع". ووافق جورج ، ‎فساله إيفان:"كيف أحضرت الخراف إلى هنا. أم أنه سؤال أحمق أيضا".
2-
قال جورج:"لم نسر ستمائة ميل على الأقدام، كما يعتقد بعضهم. ولكن حملت شاحنة القطيع ، وأنا سافرت بالقطار. ورافقني راع شاب من أبردين وكانت هذه أول مرة له في لندن". وضحك جورج بصوت مرتفع وأضاف:"لسبب من الأسباب، كان يعتقد أنه يوجد كاوبوي في الويست إند. وسمعت أنه لن يغادر كينسيغتون غاردينز الآن".
رد إيفان بقوله:"افترض أن الحياة في وسط المدينة مثل صدمة بعد الحياة في المرتفعات".
قال جورج:"من الواضح أن النساء هنا ينادينه براعي كينسينغتون ويعاملونه كأنه دوغلاس فيربانكس. ولعله من الأفضل له أن يحيا في الغاردينز سواء كان كاو بوي أو شيئا آخر".
كان جورج يفهم أنه تكلم أكثر مما يجب. وربما أمضى في المدينة وقتا طويلا. قال:"من الأفضل أن أتابع".
قال إيفان:"في الواقع أنا أتساءل إن كنت تأتي مع الخراف لترى الأولاد. ولكن هناك ..."
قال له جورج:"نحن لسنا علامات سياحية".
ورد إيفان بكل بساطة:"ونحن أيضا. ومع أنه يصعب أن تحب الزحام  علينا أن نكون كذلك في وقت المدرسة. أثناء الدروس".
كان جورج يفهم ذلك. فهذا ما يفعله سكان المدن.
وتابع إيفان ورقبته محمرة:"هناك ولد واحد. ونأمل أن يفلح في مسعاه، ولكنه الآن ينتظر الملائكة".
نظر جورج إلى الأعلى بدهشة.
وقال إيفان:"حينما يكون المرض في أواخره، يكون بمقدور عيون الأولاد رؤية، كيف أعبر عن ذلك.. رؤية ما هو أفضل. على الأقل هذا ما نقوله للآباء". صمت ثم تابع:"ولكن توماس يتيم ولا يوجد أحد يقلق بشأنه".
فكر جورج بسر!ه:"ما عداك". كان خروفان يتجولان قرب الحافة، فاستغرق بالنظر نحو بيرك آملا أن يعيدهما إلى القطيع.
قال إيفان:"أحب الطريقة التي يتلازم فيها الكلب والخراف بالحركة لخلق ترتيب ونظام".
ووافقه جورج وقال:"لقد سحرت كلبي". ورغب بكسب الوقت للتفكير قبل أن يورط نفسه بأي تعليق، ولكن كان كلامه صحيحا. وعاد بيرك إلى الرجلين، وها هو الآن يميل نحو معلمه، ويقترب منه كثيراً، وتقريبا يجلس على حذاء ايفان.
رد إيفان قائلا:"أنا معتاد على مجاورة الكلاب أثناء العمل".
واستغرب جورج من كلامه فقال:"هل أنت مزارع؟".
قال:"والدي، وهو في ويلز. وأخي الأكبر مني أيضا. أو في الواقع هكذا كان قبل الحرب. عشنا معا، ولكنه استشهد، هذا ما جرى. والآن يسألني الوالد بإلحاح متى سأحل محله. يقول لي تعال إلينا.،كما لو أن شيئا لم يتبدل".
وفورا أطلقت سيارة صوتا مرتفعا من عادم الوقود، كانت في القطاع الجنوبي من كلافام. وكان الصوت لا يختلف عن انفجار  سلاح ناري، فقفز جورج من المباغتة ولكنه سريعا التفت إلى إيفان ورسم على وجهه ابتسامة، وشاهد الشاب وهو ينهار من الخوف، ويسقط للأمام راكعا. وكاد أن يرتطم بالأرض لو لا أن أنقذه جورج.
قال إيفان:"آسف". وكان يكافح ليستعيد أنفاسه. وأكد له جورج بلباقة:"إنها سيارة فقط".
ومع أن جورج سمع بالصدمة ومخاطرها، لم يكن بوسعه أن يتخيل الذكريات التي أطلق الصوت سراحها من المباغتة.
قال جورج بعد دقائق:"سأحضر الخراف في الغد لأشاهد الأولاد مرة أخرى". وتجاهل اعتذار إيفان المتكرر.
لكن ايفان قال:"ربما يوم الخميس. سيكون لدينا شرائح اللحمة للغداء يوم الأربعاء".
المرة الوحيدة التي انتاب جورج الطمأنينة في لندن كان في الصباح قبل أن تستيقظ المدينة. ثم بدأ تيار من الخطوات المتسارعة لأشخاص يذهبون إلى عملهم، ورعد السيارات، وغير ذلك. هناك أصوات دائما. لماذا على سكان المدينة أن يتكلموا كثيرا؟.
نظر إلى خريطة إيفان، واتكأ على عصاه، وصفّر لبيرك. وجعلت الراحة المعهودة التي تنتابه من الطريقة التي يقترب بها الكلب من القطيع ويتغاغل بين الخراف يفكر بإيفان. مع أن الحرب العالمية انتهت من ست سنوات،شاهد الكثير من الرجال الذين لم يستعيدوا أنفسهم تماما، حتى في اسكوتلاندا. كان الحال كأنهم يتعايشون مع شبح يجثم على أكتافهم.
رافق الخراف حتى وصل إلى ساحة مرسومة على الخريطة. وهو متأكد بما فيه الكفاية، أنه شاهد صفين من  أسرّة الاقمشة الممدودة على الأعشاب وعلى كل وسادة وضع طفل رأسه. ولم يتمكن من منع نفسه عن الضحك حينما لاحظوا الخراف وجلسوا بأشكال ملتاعة وحزينة، وكل فم بشكل دائرة تنم عن الدهشة. جاءت امرأة شابة تلف نفسها بمئزر أبيض تعدو إلى الأمام وهي تصيح: "يا سيد كروسلي!".
قال جورج:"هو يعلم أننا قادمون"، لكن الأولاد كانوا قد استيقظوا، ويموءون من البهجة والخوف لأن الخراف تسير اعتباطا بين أسرتهم. نظر بيرك إلى جورج بانتظار التعليمات ولكن الراعي وقف بلا اهتمام، كأنه مغروس في هذا المكان. كان الأولاد هزيلين جدا بالمقارنة مع من قابلهم في موطنه، وقال جورج بنعومة:"هو من طلب منا أن نأتي".
وقفت فتاة واحدة بشعر أجعد في مكانها، عيناها مغلقتان وابتسامة خفيفة على وجهها. كانت أصابعها تعبث بالصوف الذي يغطي ظهر خروف. وفجأة لاحظ جورج الولدين اللذين حاولا السيطرة على القطيع الأساسي وإبعاده عن خضار مزروعة حديثا. وأشار بصفرة وبرأسه لبيرك للمساعدة. وحينما استدار، وجد إيفان خلفه. وشعر جورج بالسرور حين رآه يبتسم للمشهد.
قال جورج:"لقد قاطعنا وقت الراحة والنوم". وتدبرت الممرضة أمرها وجهزت الأولاد بوضعية الجلوس في شكل دائرة. ولم يكن أمامهم فرصة للعودة إلى أسرّتهم. الفتاة فقط انتظرت حيث هي، ويدها على الخروف. وتبع  إيفان نظر  جورج وشرع بالعمل وقال:"ساندرا.. بالعادة أصعب الأطفال، هنا. ولا أعلم متى رأيتها هادئة لآخر مرة".
سأل جورج:"هل نقول إنها تنتظر ملائكتها؟".
رد:"هي، كلا. ولكن عليك الآن أن تتعرف على توماس. وهو في الخيمة هناك".
 -3-
 أطلق جورج صفرة وقفز بيرك، ولامس بخطمه ركبة إيفان بالمصادفة. لعشر سنوات وجورج يعلم الكلب وفي النهاية تبين له أنه لا يؤمن جانبه مثل الهندباء البرية.
سأل جورج:"هل أحضر الخراف؟". هز إيفان رأسه.
قال:"ربما يستطيع التأقلم مع بيرك الآن". ولكنه لاحظ أن جورج ينظر بتوجس إلى القطيع. نادى إيفان:" ساندرا". ونظرت الفتاة إليه، وطارت جدائلها وهي تلتفت برأسها فأضاف:"هل يمكنك العناية بالخراف؟".
وافقت بإشارة من رأسها، وتوجهت بهدوء إلى الحيوانات.
قال إيفان:"لا أصدق عيني. إنها الأكبر بين عشر أولاد وربما عملت راعية في وقت من الأوقات".
أراد جورج  أن يقول شيئا ، أن الأولاد لا يشبهون الخراف، لكن ذكرياته فاجأته عن أيام صباه، حينما كان يمشي بصعوبة، ويختفي بين الخراف في التلال الإسكوتلاندية. وكانت والدته تقول إنه كان في أول خمس سنوات من عمره  يعتقد أنه خروف. 
وعندما اقترب الرجلان من الخيمة، رفع إيفان أصبعه محذرا جورج قبل أن يزيح الغطاء. ومع أن جورج شاهد ما يكفي من الحيوانات المريضة، فقد صدمه رؤية الولد. كان جسمه الصغير موثقا بسلسلة من الألواح لرفع ركبتيه باتجاه السقف، بينما ظهره على الفراش. والتعبير في عينيه الزرقاوين كأنه يبحث عن النعيم في السماء، ولم يكن بمقدور جورج أن يلومه.
تناول ايفان إحدى يدي الصبي، ووضعها بحذر على رأس بيرك، وبنعومة حركها على رأس الكلب الدافئ. وهدأ تنفس الصبي وابتسم، ومع ذلك كان ألمه فوق طاقة احتمال جورج. وسرعان ما بحث عن طريق للخروج من الخيمة.
 -4-
في لحظة خروج إيفان وبيرك، كان جورج يعلم ساندرا كيف عليها أن تفحص أقدام الخراف للتعرف على عفن الحوافر. وكان بقية الأولاد يتظاهرون أنهم يعملون في حديقة الخضار في حراسة الممرضة التي تلاحقهم بنظراتها.
-5-
قال جورج لإيفان:"هذا طبيعي، ونريد تعريف بقية الأولاد على الخراف، لكننا قلقون من الآنسة باتل آكس الواقفة هناك". وأشرق وجه ساندرا عند سماع الكلام.
وبحضور ساندرا، جاء الأولاد بحلقات صغيرة لمشاهدة الخراف. وردت ساندرا بسرعة:"إنهم لا يتكلمون الغاليك". وقالت لآخر:"لا تكن أحمق، هل تعتقد أنهم أوراق على شجرة؟". وحاول جورج أن يهرب من عيني إيفان.
**
بعد أسبوع، كان جورج يحل مشكلة المياه، حينما سمع صوت نباح بيرك، وخرج ليرى الكلب يدور حول ساقي إيفان.قال إيفان بتوسل:"مات توماس صباحا. تغيبت لخمس دقائق ولدى عودتي كان ميتا".
قال جورج:"لا بد أنه شاهد ملائكته".
انحنى إيفان وتقبل لسان بيرك وهو يلحس له وجهه. وعندما نظر إلى الأعلى، شعر كأنه وصل لقرار.
فقال:"هناك قس في هذه الأنحاء. وحذرنا من الشعور بالخزي ونحن نقوم بالطقوس. تخيلنا أنه فقد عقله، ولكن هذا يصعب تصديقه الآن. نحن نمتلك حياتنا، أليس كذلك، بينما كثيرون فقدوا حياتهم. ومن بينهم أطفال".
سأله جورج ببساطة:"هل لهذا السبب أنت لا تحب المزرعة؟". وفكر جورج سرا: لو عاد إيفان إلى موطنه ليعيش الحياة التي تناسب أخاه، سيشعر أن على الأخ أن يغتصب شيئا من المفترض أنه ليس له.
قال:"بالضبط، هذا ليس عدلا".
قال جورج:"حتى الراعي المثالي لا يمكنه الاحتفاظ بهذا القطيع في مأمن".
وافق ايفان، ولكن التعابير الطفولية على وجهه دفعت جورج لطمأنة الرجل الشاب. وتابع التفكير. هذا يبدو عمليا وسأل:"لو أنك لن تعود، ماذا سيجري للأرض؟. لقد فقد والدك ابنيه".
هز إيفان رأسه وقال:"أنت تفكر كثيرا حين تكون بقرب فراش شخص يحتضر. وسأعود إلى موطني حالما يجدون البديل في المدرسة". وصمت قليلا واحمرت رقبته وقال:"والآن، حسنا. لو حالفني الحظ لن أكون لوحدي في ما تبقى لي من وقت".
مرت دقيقة فظيعة، وفكر جورج خلالها أن إيفان سيطلب اصطحاب بيرك معه. لكن المعلم تابع وهو ما زال محمرا وقال:"طلبت من الآنسة باتل آكس أن تصبح زوجتي". وضحك وهو ينتبه لتعابير الحياء على وجه جورج وأضاف:"أنا والآنسة ديكنس نأمل بفتح مدرسة في المزرعة لمساعدة المزيد من الأطفال. وربما عليك أن تأتي أنت وخرافك لزيارتنا؟".
وتصافحا، ولاحظ جورج أن قبضة إيفان أقوى من قبضته. ويبدو أن العلاج بالهواء يفيد الأطفال وسواهم.
***
قرابة نهاية الصيف حينما يبست الأعشاب تقريبا، سمع جورج صوتا هامسا يناديه من الجهة المقابلة، فاستدار، وبيرك بجانبه، وانتظر البنت بشعرها الأجعد كي تأتي إليه. قالت ساندرا:"أنا في طريقي إلى البيت". كانت مقطوعة الأنفاس من الركض، لكن جورج لاحظ أن هذا لم يمنعها من الكلام. أضافت:" الطبيب يقول إن المعجزة تحققت. ولكن أريد منك أن تعلم، حينما أكبر، سأعمل راعية خراف. وقالت السيدة ديكنس إنه بمقدوري العمل معها ومع السيد كروسلي في ويلز. ولكن أود الانتظار في ويلز. مثلك".
قال جورج لنفسه: ستصبح من أهالي لندن. وسار الإثنان معا لتفقد القطيع، وساندرا تثرثر كل الوقت. وربما كانا متفائلين قليلا. 

 

* سارة سالواي Sarah Salway : روائية وقاصة من ويلز/ المملكة المتحدة.
** أديب ومترجم من سورية.