البحث عن قصة..

محمد المسعودي*

 
خرجتُ من بيتي، وفي نيتي أن أقصد حلاقي الذي اعتدت أن أقصده لأحلق شعري ولحيتي، ثم ألتحق بعد ذلك بالأصدقاء في مقهانا المعتاد. كان الأخوان العاملان بالمحل منهمكين في قص شعر زبونين حينما حييتهما، بينما جلس زبون ثالث مع ابنته الصغرى على "فوتوي". اتجهت إلى "الفوتوي" لأجلس قرب الطفلة الصغيرة. وضعت محفظتي بجواري.. وانتابتني حالة، رغبة، ابتدأت كوسوسة، ثم صارت توترا بينا، وقلقا ظاهرا اجتاحني حد التململ في مكاني. استبدت بي رغبة أخذ القلم، والشروع في كتابة قصة.. ولكن أين هي القصة؟ وماذا سأكتب؟..
لم تكن في ذهني أية فكرة أو خاطرة يمكن أن تنطلق منها القصة. ولم تحضرني أية لقطة أو لمحة أو جملة يمكن أن تكون الشرارة الأولى لانطلاق نار السرد وتشكل دفء قصة محتملة. وأَدْت رغبة الكتابة في نفسي، وخجلت من إخراج عدة الكتابة أمام الطفلة ثم أعود خاوي الوفاض. 
طفقت أتأمل ما يجري حولي. كان الزبون الذي يحلق له الحلاق ياسين من شباب أيامنا هذه الذين تستهويهم أشكال قص الشعر واللحى الجديدة المتأثرة بنجوم الكرة والسينما. كان يرشد ياسين إلى خرائط القص، وهندسة الرأس بخطوط ودوائر عجيبة، وكأن رأسه حقلا زراعيا يتم العناية به بدقة وأناة، ولما انتقل الحلاق إلى تأثيث اللحية رأيت وجه الشاب يصير عجبا. لما انتهى الحلاق من عمله وقف الشاب ينظر إلى شكله في المرآة، ثم نقد الحلاق أجرته وغادر الصالون. جلس مكانه أب الطفلة الصغيرة الذي طلب من الحلاق أن يزين شعره بحلاقة بسيطة عادية، بينما كان الحلاق يونس –الذي اعتدت أن أسلّم له رأسي- ما زال يحلق لشيخ شعره الذي ابيضّ، بأناة وحذر كبيرين حتى لا يثير الرجل المتجهم العابس، وكان يبدو كأنه يؤدي عملا أُرغم عليه.
نظرت إلى الطفلة التي كانت قد استسلمت إلى النوم. وكان والدها يرمي نظره نحوها بين فينة وأخرى. وكنت أفكر في القصة التي يمكن أن أكتبها هذا اليوم تلبية لرغبتي المتولدة فجأة. واستجابة لشيطان الإبداع الذي استيقظ بين جنبات صدري -بعد طول سبات- بحلقت في الأخوين ياسين ويونس، وهما توأمان احترفا الحلاقة، وتميزا بدماثة الخلق، وبطبعهما الصامت، فهما على خلاف من عرفتهم من حلاقين لا يثرثران، وإنما يعملان في صمت وهدوء، ولا يخاطبان الزبون إلا لسؤاله عن شيء، أو لطلب تغيير طريقة جلوسه، أو كيفية استناده إلى ظهر كرسي الحلاقة العالي. وفكرت: لمَ لا أخلق من حالتهما حالة سردية، أو افتراضا للقطة ممكنة، أو وضع ما يكون منطلقا للقصة التي أبحث عنها. وتذكرت حكاية قرأتها عن الكاتب الصحافي المصري مصطفى أمين. كان الكاتب الكبير لما أسس رفقة أخيه علي أمين صحيفة "أخبار اليوم" ومؤسستها أخذ يتردد على حلاق في أحد أحياء القاهرة لا يبعد كثيرا عن مقر الصحيفة. وطلب مصطفى أمين من الحلاق أن يحلق له لحيته مرتين في اليوم، مرة في الصباح، ومرة بعد الظهيرة أو في المساء. وفي الحقيقة كان الحلاق يحلق للتوأمين: مصطفى وعلي دون أن يدرك الفارق بينهما، والطريف في الحكاية أن مصطفى أمين أوهم الحلاق أن لحيته تنبت من يومها ولهذا تحتاج إلى الحلاقة مرتين في اليوم. وفي يوم ما سيكتشف الحلاق الخدعة، لكنه لم يغضب من الصحافي الشهير بمقالبه ونكته، بل صارت الواقعة طرفة يرويها لزبنائه، وظل الأخوان مصطفى وعلي زبونين وفيين من زبنائه...
وجدتني أبتسم في سري وأنا أتخيل التوائم الأربعة وقد حضروا جميعا في هذا الصالون هنا بطنجة، وما القصة التي يمكن أن تتشكل، وقد أسلم مصطفى رأسه لياسين، وعلي قد جلس بين يدي يونس.. ولأول مرة صرت أمعن النظر في ملامح الحلاقين، وأتأمل حركاتهما، وكيفية إمساكهما بالمقص، وطريقة انحنائهما على رأس الزبون أو ذقنه.. وفي الآن نفسه استحضرت صورتي مصطفى وعلي أمين، وهما في بذلتيهما الأنيقتين، وأحذيتهما الإنجليزية اللامعة، وبدانتهما البادية، ورأسيهما الأصلعين البراقين.. ومضيت أسترجع ضحكة مصطفى أمين المرحة كما سمعتها ذات لقاء معه في التلفزيون المصري، وودت لو انبعث الرجل من قبره ليستوي على كرسي أحد الحلاقين، وليبعث في الجو الراكد حيوية وحياة بنكاته وحكاياته الممتعة.
انتهى ياسين من حلق رأس زبونه الثاني الذي حمل طفلته بين ذراعيه، ثم غادر المحل ليجلس مكانه شاب صغير السن كان ينتظر خارج الصالون. كان يمسك بيده هاتفا نقالا من الهواتف الجديدة/ الذكية، يلعب فيه، ويضغط على أزراره، في اللحظة التي كان ياسين قد شرع يرسم طرقه وممراته وخرائطه في رأس الفتى. وكان يونس ما زال يعافر مع رأس الشيخ الذي يبدو صعب المراس كثير الطلب إلى درجة حسبت معها أنه رجل مخرف، وأنه بعد قليل سيطلب من الحلاق أن ينزع له شعر عانته أو مؤخرته. بقيت أنتظر وقد تحول هاجس كتابة قصة، والبحث عن قصة، إلى نوع من الملل والشعور بالضجر.. وأخيرا انتهى يونس من حلق رأس ولحية الرجل، وتشذيب الشعر الزائد في فتحتي المنخرين والأذنين، وفي الحاجبين، والرقبة. مرر غباره الأبيض على وجه الرجل وقذاله. ووضع بعض عطره على وجنتيه. قلت في نفسي: "أخيرا جاء الفرج". ولما مد يونس يده لأخذ أجرته أخرجها الشيخ بعد تلكؤ، بل صار يساوم في الثمن. لعنت اللحظة التي فكرت فيها قص شعري هذا اليوم، وقد أيقنت أن جلسة الأصدقاء ستضيع دون شك، وهي الجلسة التي أحرص عليها حرصا كبيرا. لكن يونس سرعان ما تخلص من الرجل، وكان حاذقا ذلك اليوم إذ قام بمهمة حلق رأسي ولحيتي بسرعة، وفي براعة وإتقان. وكان يعرف ولعي بأمسية السبت وحديثنا الممتع عن الأدب والفكر والكتابة، وتطلعي إلى عدم التخلي عن الجلسة مهما كان. وبدوري، ألم أكن بارعا، أيها القارئ العزيز، في البحث عن هذه القصة.. هذه القصة التي خرجتْ من صالون حلاق فاتنة نقية لامعة؟!..  
 
* أديب وناقد من المغرب/ طنجة.