البحث عن أبجدية الروح

إبراهيم أبو عواد*

 

(1)
الْهُمُومُ على كاهل الإنسانِ عِبْءٌ ثقيل ، تَشُلُّ تفكيرَه ، وتُفْقِدُه المتعة بعناصر الحياة ، لأنَّ العقلَ مُسَيْطَرٌ عَلَيه مِن قِبَل التفاصيل الحياتية الصادمة . ولا يُمْكِنُ أن تَتحقَّق الْمُتعة إلا إذا كان العقلُ خاليًا من الأضداد . والشَّغَفُ بالأشياء يُولَدُ مِن صفاء الذهن . فإذا كانَ الذهنُ مُشَوَّشًا ، لَن يَشعر الإنسانُ بالْجَمَالِ مِن حَوْلِه . سيرى الجمالَ نَوعًا من القُبح . وإذا كانَ الجسدُ مُلَوَّثًا فلا فائدة من نظافة الثياب.
 
(2)
يَلْهَثُ الناسُ وَراءَ المالِ ، ولا يُفكِّرون بالأشواقِ الرُّوحية. الْهَوَسُ الاستهلاكيُّ يَطْحَنُ أحلامَ الناسِ بِلا رَحمة. المهمُّ تَغذيةُ الجسدِ الذي سَيَأكله الدُّودُ ، ولا أحدَ يَهْتَمُّ بِتَغذية الرُّوحِ . يَنشغِلُ الناسُ بأشعة الشمسِ ، لكنهم لا يُفكِّرون في حركة الشمس. يَحْرِصُ الناسُ على الزواج والتَّكاثُر ، لَكِنَّهم لا يُفَكِّرون بالإعجازِ الإلهيِّ الذي يتجلى في التقاء الحيَوانِ الْمَنَوِيِّ بالبُوَيضة ، وكأنَّهُ تَحصيل حاصل. الاعتياديةُ قاتلةٌ للتأمُّل الرُّوحيِّ ، لأنَّها تَجعل الشيء العظيمَ شَيئًا عادِيًّا .
 
(3) 
لا يَقْدِرُ العَبيدُ أن يَفتخِروا بالحرِّيةِ، لأنَّهم لَم يَحْصُلوا عَلَيها. لذلكَ يَفتخِرون بِلَمَعَانِ قُيودِهم. ولا يَقْدِرُ القادةُ أن يَفتخِروا بالنَّصر في المعارك ، لأنهم مَهزومون . لذلكَ يَفتخِرون بِلَمَعَانِ أوسمتهم العَسكرية . إنَّ المجتمعات التي سَقطت في هاوية التَّخلف تَصنع تاريخَها " المشرق " من الأكاذيبِ ، لِئَلا تَظَلَّ بِدُون تاريخ . ضَاعَ الوَطَنُ ، لكنَّ الخاسرينَ قاموا باسترجاعه في الأغاني الوَطنية . والأُمَمُ المهزومةُ تُحاوِل اختراعَ انتصارٍ وهميٍّ يَحفظ مَاءَ وَجْهِها ، فإِن لَم تَقْدِرْ على ذلك ، سَوْفَ تَعتبِرُ هَزائِمَها هِيَ أقواسَ النَّصْرِ . وفي المجتَمَعَاتِ الْمُنهارة  يُصْبِح البَقاءُ على قَيْدِ الحياةِ أكبرَ إنجازٍ في التاريخ .
 
(4)
الهزيمةُ نَوعان : هزيمة داخلية وهزيمة خارجية . الهزيمةُ الداخليةُ هي انكسار المعنَى في قلب الإنسان ، وانهيارُ مشاعره وذِكرياته، وعِندئذٍ يَتحوَّلُ الإنسانُ إلى عَدُوٍّ لِنَفْسِه . والهزيمةُ الخارجيةُ هي انكسار الإنسان أمامَ عَدُوٍّ خارجيٍّ يَمتلك الوسائل المادية الْمُتفوِّقة. ومَنْطِقُ المهزومين هُوَ الخضوع للأمر الواقع، والإيمانُ باستحالة التغيير، لأنَّ العَين لا تَعلو على الحاجب . إنَّهم يَمشون في النَّفَقِ يائسين لأنَّهم لَم يَرَوا ضَوءًا. ولا يَعْرِفُونَ أنَّ الضَّوء خلف الجدار ، وما عَلَيهم إلا إحداث ثَغرة في الجدار . الضَّوءُ قريبٌ من الإرادة الإنسانية ، وبَعيدٌ عَن سياسة الأمر الواقع . إنَّ الواقعَ الحقيقيَّ هُوَ التَّخَيُّلُ . والواقع هُوَ تَجَاوُز الواقع .
 
(5)
إِنْ لَم تَكُنْ صَوْتًا ، سَتَكُونُ صَدًى. لا مكانَ لأنصافِ الْحُلُولِ. إِنْ لَم تَكُنْ قَائدًا، سَوْفَ يَقُودُكَ الآخرون . إِنْ لَم تَتَحَدَّثْ ، سَوْفَ يَتَحَدَّث الآخرون نِيَابةً عَنك . لا مَفَرَّ مِن أخذ رُوح الْمُبَادَرَة . البَعْضُ يَخافُ مِنَ التقاليد السائدة ، والجماهيرُ تَعشقُ الشخصَ الذي يَكذب عَلَيها ، لأنَّهُ يُقَدِّم لها الْمُخَدِّرَ الذي يَجعلها تعيش في الأحلام الوردية الخادعة . أمَّا الشخصُ الذي يَصدم المجتمعَ بالحقيقةِ الْمُرَّة، فَيُصَنَّف كخائنٍ ومُنْدَس . والمسؤول الذي يَسرق الشعبَ ، يَعرِف أنَّهُ لِصٌّ ، والشعبُ الذليلُ يَعرِف خيانته ، وخِيانةَ الحاكم . ومعَ هذا يَنتظِرُ الطرفان عباراتِ المديحِ والأملِ ، ويَسيران معًا إلى المستقبَل المشرِق ! . والْمُضْحِكُ الْمُبْكِي أنَّ الأنظمة القَمعية تَأمُرُ المحكومَ ألا يَسْرِقَ ، في حِينَ أنَّ الحاكمَ يَسْرِقُ عَلى مَرْأى ومَسْمَعٍ مِنَ الناسِ . والمرأةُ القبيحةُ تَعرف في قَرارة نفْسها أنَّها قبيحة، لكنها تَنتظِرُ عباراتِ الإعجابِ بِجَمَالِها الافتراضِيِّ . إنَّ الوَهْمَ يُريحها مُؤقَّتًا ، وَيَحْقِنُها بالأمل الكاذب كالسراب الذي يَعشقه السائرُ في الصَّحراء ، لأنَّه يُشْعِرُه بالنَّجاة . لقد ماتَ الصَّوْتُ ، وصارَ الصَّدى الْمُوحِشُ هُوَ الصَّوْتَ . كُلُّنا نَعيشُ في الأوهام ، ونَعشق الذين يَكْذِبُون عَلَينا، لأنَّنا نَجِدُ أنفُسَنا في أنقاضِ الوهم ، ولا دَاعي للتَّنقيب أو رِحلة البحث عن الذات.
 
(6)
الفَيْلَسُوفُ هو الذي يَكتشف المصيرَ في الْمَسارِ ، ويَعْثُرُ على العلاقاتِ الفكرية في جسد اللغة ورُوحِ المجتمع وذِهنِ الإنسان . أمَّا الشاعرُ فَيَكتشف عَناصرَ الْجَمَالِ في مَواطنِ القُبح، ويُبْرِزُ ذاكرةَ الأملِ في أنقاض الْمُدُنِ المنسِيَّة . الفَيْلَسُوفُ هُوَ الطبيبُ الجرَّاح ، والشاعرُ هُوَ الأملُ بالشِّفاء . وعلى الفَيلسوف أن يُفكِّر بِعَقليةِ ضَابِطِ المخابرات. يَشُكُّ في كُلِّ شَيْءٍ، وَيُسَجِّل كُلَّ الملاحَظات، وَيَطرح الأسئلةَ، ويَربط الأحداثَ بالأحداث ، وَيُحاوِل البَحْثَ عَن إجاباتٍ منطقية .
 
(7)
قد يَدفعك حُبُّك لامرأةٍ إلى الابتعاد عنها . الْحُبُّ الحقيقيُّ هو التَّضحيةُ بالحبيبة من أجلها . أنتَ تُضَحِّي بالْحُبِّ مِن أجلِ الْحُبِّ. لا تَقْطِف الزهرةَ . اترُك الزهرةَ في الحديقةِ لأنَّ المطرَ سَيَسْقِيها. سَيَهْرُبُ الغريبُ مِنَ المرأة التي أحَبَّها لِيُحافظ على ماء وَجْهه . ستظلُّ المرأةُ في ذِهنه أيقونةً لا تُخْدَش ، ويظلُّ الرَّجل في ذِهنها أُسطورةً لا تُكْسَر . سَيكُونُ الابتعادُ عن الْحُبِّ الوَسيلةَ الوَحيدةَ للحفاظِ عَلَيه. وسيظلُّ الحبُّ هُوَ التَّضحية .
 
(8)
الكتابةُ مِثْل الدُّخول في غَابةٍ مَجهولةٍ . أنتَ تَمْلِكُ تَصَوُّرًا ذِهْنِيًّا عن الغابة ، لَكِنَّكَ لا تَقْدِرُ على تَوَقُّع المفاجآت التي ستظهر أمامَك . قَد تُهاجمك حيواناتٌ مُفترِسة ، وتَهْرب مِنها ، فَتَرى كَهْفًا فَتَختبِئ فِيه ، ثُمَّ تَكتشِف أنَّ هذا الكَهْف يَحتوي على مَمَرٍّ سِرِّيٍّ ، وتَبدأ رِحلتك مِن جَديد. إنَّ هذه الأحداث غَير الْمُتَوَقَّعة هي التي تَكْسِرُ رُوتين الرِّحلةِ ، وتُحَوِّل الْمَلَلَ إلى مُغامَرة تَشتمِل على قَدْرٍ مِن الْخُطُورة والتَّعَب . ولَذَّةُ الحياةِ كامنةٌ في الخطورةِ والتَّعَبِ . والْمُغَامَرَةُ لا الْمُقَامَرَةُ ، هي التي تَمنح الحياةَ مَعناها . وَقد أخْفَى اللهُ عَن الإنسانِ عِلْمَ الغَيْبِ كَي يَستمتع بِحياته . وَلَوْ كانَ الإنسانُ يَعْلَمُ الغَيْبَ لَصَارَتْ حَياتُه عَذابًا لا يُطَاق. إنَّ البابَ الْمُغْلَقَ يُغرِي الإنسانَ باكتشافِ الأسرارِ ، فيظلُّ عَائِشًا على الأملِ . والبابُ الْمُغلَقُ هُوَ الذي يَدُقُّ عَلَيه الإنسانُ . أمَّا البابُ المفتوحُ ، فلا يُمْكِنُ فَتْحُه ، ولا يُدَقُّ عَلَيه ، ولا يُثير الرغبةَ في الاكتشافِ . ولَذَّةُ الكِتابةِ تتجلَّى في مَعرفةِ نُقطةِ البِدايةِ ، وَعَدَمِ مَعرفةِ نُقطةِ النِّهايةِ . وهذه هِيَ مُتعةُ الْمُغامَرة في عوالم اللغةِ وفَلسفةِ الرموزِ .

 

 
(9)
سَيَرْقُصُ العريسُ والعروسُ معًا . ولكنْ هَل هُما سَعيدان ؟ . هَل تُوجِد نساءٌ في حياة العريسِ قبل هذه المرأةِ ؟ . هَل يُوجَد رِجالٌ في حَياةِ العَرُوسِ قبل هذا الرَّجل ؟ . هَل الْحُبُّ بِدايةُ المرحلة أَم نِهاية المرحلةِ أَم سِياسة الأمرِ الواقع ؟ . قَد يَكُونُ الحبُّ صَفحةً بَيضاء خاليةً مِنَ الماضي . وقَد تَظهر أنيابُ الماضي وتَفترِسُ القلوبَ المكسورةَ . في بعض الأحيان ، تَكُون الضَّحِكاتُ أرشيفًا للأحزانِ المغروسةِ في القلبِ. ومَهْما يَكُنْ مِن أمْرٍ، فإنَّ الحياةَ سَوْفَ تستمر. لا أحَدَ يَتعذَّبُ نِيابةً عَن أحَدٍ ، ولا أحَدَ يَستفيدُ مِن دُروس التاريخ. 
 
(10)
كُلما دَخَلْنا في الزِّنزانةِ اكْتَشَفْنا ضَوْءًا سَيُغَيِّرُ العَالَمَ . سَنَعْثُرُ على مَزهرياتِ الورودِ تَحْتَ أنقاضِ البُيوتِ . التاريخُ لا يَتوقَّف ، والدُّنيا دَوَّارة . نَحْنُ في سِباقِ المسافاتِ الطويلةِ ، القويُّ مَن يُوَزِّعُ جُهْدَه حتَّى يَصِلَ إلى خَطِّ النِّهاية قبل الآخرين . ومَن يَضْحَكْ أخيرًا يَضْحَكْ كَثيرًا . 
 
(11)
مِن مَصلحةِ الجلادِ أن يَظَلَّ مُصْطَلَحُ " الضَّحِيَّة" عَائِمًا. القانونُ يَضَعُه الأقوياءُ. والتاريخُ يَكْتُبُه الْمُنْتَصِرُون. الضَّعيفُ غائبٌ حتَّى لَوْ كانَ مَوجودًا . ذُنوبُ القويِّ مَغفورةٌ ، وحَسَنَاتُ الضَّحِيَّةِ مَطْمُوسةٌ . والضَّحِيَّةُ هِيَ أُلعوبةٌ بِيَدِ الجلادِ ، يُغيِّر اسْمَها لِيُحَقِّقَ مَزيدًا مِنَ الأرباح والنُّفوذ . يتمُّ تَفصيلُ القوانين حَسَبَ الصفقات التجارية ، ويتمُّ اختراعُ المشاعرِ وَفْقَ قانون الرِّبح والخسارة .
 
(12)
الْمَجْدُ يَكْتُبُهُ الكَثِيرون ، لَكِنَّ وَاحِدًا فَقط يَصْنَعُه . الرَّأسُ هو الرَّأس . القلبُ واحدٌ ، وكُلُّ الأعضاءِ خاضعةٌ له. لاعبٌ واحدٌ يُسجِّل الهدفَ في المرمى ، والملايين يَحْتَفِلُون بالهدفِ كما لَوْ كانوا هُم الذين سَجَّلُوه . مَنْبَعُ النَّهرِ هُوَ الأساس ، والرَّوافدُ مُجَرَّد فُروع تابعة . الجنودُ يَموتون في المعركة ، لكنَّ النَّصْرَ يُسَجَّل بِاسْمِ قائد المعركة ، ويَأتي الكُتَّابُ كَي يُحَوِّلُوا الدَّمَ إلى حِبْر .
 
(13)
الشَّاعِرُ هُوَ الشَّخْصُ الوَحيدُ الذي يَمْلِكُ مَنْجَمًا للذهبِ ويَعْمَلُ فِيهِ بِيَدَيْهِ . يَعرِف الشاعرُ حجمَ ثروته ،
ويُدْرِك نِقاطَ قُوَّته ونِقاطَ ضَعْفه . إنَّهُ يُنقِّب في مَنْجِم اللغةِ وَحيدًا، ويَستخرِجُ الكنوزَ . إنَّهُ المالِكُ الذي يَحتكِرُ المعْنَى ، والفاتحُ الذي يَستعمِرُ الْخَيَالَ . لا أحَدَ يُشارِكُه في ثَروته ، لكنَّ الناسَ يُشَارِكُونه في الاستمتاع بِلَمَعَان الذهب . إنَّ البحثَ عن الذاتِ هُوَ التَّنقيبُ المتواصلُ في جَسدِ الإنسانِ ومَنْجَمِ اللغةِ .
 
(14)
كِتابةُ الشِّعر لَيْسَتْ رَفاهيةً أوْ هِوايةً لِمَلْءِ وَقت الفراغ. إنَّها عَذابٌ مُتواصلٌ لِتَنقيةِ القلبِ والجسَدِ. إنَّها حَرْقٌ مُستمر للأعصاب لِفَصْلِ الذهب عن التُّرابِ. الشِّعرُ يَهْدِمُ الإنسانَ ثُمَّ يُعيدُ بِناءَهُ بِلا عُقَد نَفسية . وكُلَّما كَتَبَ الشاعرُ بَيْتًا مِن الشِّعر ، حُلَّتْ عُقْدَةٌ مِن عُقَدِهِ النَّفسيةِ . والشاعرُ قادرٌ على إنقاذ نَفْسِه والآخرين، لأنَّ حياته رِحلةُ علاج مستمرة. الْخُطوةُ الأُولَى في طريق العلاج الفَعَّال هِيَ الاعترافُ بالمرضِ . وفي رحلة العلاج ، ستظهر أسرارٌ كثيرةٌ قادرة على تغييرِ طبيعة التفكير الإنسانِيِّ ، وتفسيرِ حركة الحضارات .
 
* كاتب من الأردن.