الباص رقم 7

حسن حجازي*

 

ورش الأشغال مازال يراوح مكانه، بدا معه الشارع الطويل كما لو كان مصابا بشلل نصفي،ما إن تتسلل أشعة الشمس الأولى حتى يكتظ عن آخره بسيارات الأجرة البيضاء اللون، وبالشاحنات المتوجهة إلى المنطقة الصناعية المصطفة بناياتها ووحداتها الإنتاجية الواحدة جنب الأخرى،أما سيارات النقل المدرسي الصفراء اللون فتسير بسرعة فائقة ظنا من سائقيها أنهم يقودون سيارات إسعاف غير مبالين بزعيق الأبواق الذي يصدرونه ولا حتى بالسلامة الجسدية للتلاميذ والتلميذات المكدسين في جوفها،غير بعيد من تيرمنيس الباصات الزرقاء اللون وتحديدا عند جدع تلك الشجرة القابعة في حديقة مهملة مليئة بقناني البيرة والأكياس البلاستيكية المتناثرة على نحو يثير التقزز، تجلس مجموعة من الأشخاص المياومين وهم يتحلقون حول تلك النار التي أشعلوها اعتمادا على بعض الأغصان وحتى على ورق الكرتون، يمدون أيديهم إلى النار المتقدة ويفركونها من خلال حركات متوالية ومسترسلة عسى أن يدب الدفء المفتقد إلى أطرافهم التي قصمها برد جانفي الصقيعي، وعسى كذلك أن تتاح لهم فرصة عمل إما في بعض الأوراش أو حتى داخل المنازل والفيلات، يتخصص كل واحد منهم في عمل معين يدل على ذلك أدوات العمل التي يأتون مصحوبين بها إذ منهم عامل البناء والرصاص والكهربائي والسباك. في الجانب الآخر من الرصيف يقف طابور من العمال والموظفين في انتظار أن يناولهم صاحب المحل التجاري وجبات الفطور التي طلبوها، وهي في الغالب تتكون من كأس شاي ورغيف خبز وقطعة جبن ومربى،ما إن يفرغوا من مضغ آخر لقمة حتى يهرعوا إلى البحث عن وسيلة النقل التي ستوصلهم إلى مقرات عملهم،غير بعيد عن الباص رقم 7 فزعت امرأة وصرخت من شدة الخوف حين باغثتها بعض الكلاب الضالة التي كانت تطارد كلبا ضخما يبدو أنه  قد انشق عن المجموعة، أو أنه أراد الإنضمام إليها فلم يكن له ما أراد...
 
أدركت بمجرد وصولي إلى محطة سيارات الأجرة البيضاء اللون أنه من المستحيل ركوب واحدة منها، تأكدت من ذلك وأنا أعاين خلو المحطة من تلك السيارات البيضاء اللون التي يستقلها كالمعتاد ستة أشخاص دفعة واحدة، فهذه السيارات كان يتم اعتراضها من طرف الراكبين قبل وصولها خط نهاية المسار، ينحشرون فيها طبعا بعد التدافع وتبادل عبارات السب والشتم ،وهذا ما أكده لي في يوم آخر أحد السائقين. كان من المستحيل إيجاد سيارة أجرة بيضاء اللون، أما العثور على سيارة الأجرة الحمراء اللون ذات العداد فكان ضربا من الخيال، وبما أنني كنت مرتبطا بموعد مهم، فإنني لم أجد بدا من ركوب الباص رقم 7 المركون في مكانه المعتاد، لقد قررت ركوب هذا الصندوق الحديدي الصدئ والمهترئ وأنا موقن تمام اليقين أنني أعرض نفسي لانتهاك بيّن لآدميتي،أعي جيدا أن ركوب سيارة الأجرة ذات المقاعد الستة يعتبر بدوره انتهاكا للكرامة الإنسانية، لكنه بالمقارنة مع الباص فإن ضرره يبقى محدودا وغير ذي تأثير بليغ..
في الدارالبيضاء يُنادى كل سائقي الباصات باسم "جواد"  يتم ذلك كلما أراد أحدهم النزول قبل المحطة المخصصة لذلك ،أو عند الركوب وحتى عند نشوب أي خلاف داخل الباص،ما إن أدار "جواد" مفتاح المحرك حتى انطلق الباص في اتجاه ساحة مارشال الواقعة وسط المدينة،كان الباص قد امتلأ عن آخره بمجرد وصوله للمحطة الثانية، أما وهو يبلغ المحطة الثالثة فقد فاق عدد الواقفين عدد من تمكنوا من الجلوس فوق تلك الكراسي المتآكلة...
 
لا أدري ما الذي جعل تلك المرأة البدينة التي يبدو من ملامحها أنها تجاوزت الستين تطلب من الراكبين أداء واجب التذكرة، محذرة إياهم من مغبة عدم الأداء الذي سيعرضهم للمساءلة والغرامة المالية، كانت تتقاضى من الراكبين في جو يملأه مرح مشوب بالفضول غير المبرر أثمنة التذاكر، كانت تدس المبلغ المالي المحصل عليه في يد أحد الركاب الذي كان يسلمه بدوره إلى راكب يتقدمه ببعض الخطوات وهكذا دواليك إلى ان ينتهي المبلغ في يد " جواد" السائق الذي يسلم بدوره التذاكر التي تنتهي في يد السيدة البدينة التي كانت ترتدي عباية سوداء وتلف رأسها بمنديل أسود فيما النظارة الطبية تتوسط وجهها القمحي الممتلئ....
-افسحوا لي مجالا للمرور، أليس من حقي المرور والوقوف في المكان الذي أختاره، لم أنتم عنصريون أيها المغاربة؟
ماكادت الفتاة السمراء القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء تنهي ماصدر عنها من كلمات، حتى تعالت الأصوات من حولها ومن خلفها ومن ورائها، فهذا رجل يعقب قائلا بأنها أي الفتاة قد تسللت إلى المغرب قادمة من وطنها مشيا على الأقدام، وتلك سيدة مسنة تخلت عن وقارها المفترض لما خصت الفتاة بالقول أن شعبها يعتمد على الأرز كطعام يومي أساسي، وتلك فتاة في مثل سنها تقريبا تكيل لها وابلا من السباب ناعتة إياها بأبشع الصفات،أما السيدة البدينة فقد اغتنمت الفرصة  من أجل تذكير الفتاة بتوجيه الشكر للمغاربة الذين سمحوا لها بركوب الباص، فيما أقسم رجل بأغلظ الأيمان بأن تلك الفتاة السمراء مجرمة شأنها في ذلك شأن كل الوافدين على المغرب، والذين تمكنوا من الحصول على بطاقات الإقامة وحتى على الجنسية المغربية...
-أقولها للمرة الألف، لم أنتم عنصريون أيها المغاربة؟
 يجيبها شخص كان يقف بجوارها: اسكتي أيتها المتبرجة اللعينة وإلا كسرت عظامك.
تنظر إليه نظرة كلها ثقة في النفس وتجيبه:
نعم أنت عنصري وأنصحك بالإستحمام لأن رائحتك نتنة.
تعالت الأصوات من جديد لكن كل ذلك لم يكن لينال من الفتاة التي بدت لي حينها قد دخلت في عراك غير متوازن، إذ خيل لي حينها كما لو كانت وسط حلبة ملاكمة توجه اللكمات لعدة أشخاص محميين بقفازات وخودات واقية، فيما هي مجردة من كل ذلك، تتلقى لكمة وتتفادى أربع لكمات،توجه بدورها لكمة فتصيب، توجه بعدها لكمات أخرى فتذهب مع الهواء.
 
تناهى إلى سمعي وأنا في الباص بأن تلك الفتاة تمارس نشاطا تجاريا عند مدخل المدينة العتيقة للدارالبيضاء، وتحديدا بمحاذاة سور باب دكالة،وأنا أنقدف من الصندوق الحديدي الصدئ والمهترئ عقدت العزم أن ألتقي بتلك الفتاة بعد أن أكون قد أنهيت كل التزاماتي،أحببت أن أقول لها بأنه كان لي أصدقاء من الكاميرون وبوركينا فاسو والسينغال، تقاسمت معهم أكلهم وشاركوني طعامي، وددت أن أقول لها بأن ثمة صداقة استثنائية قد جمعتني بصديقي السينغالي "عبدالله "أو " أبدولاي" هناك بالحي الجامعي مولاي اسماعيل، وبأن ثمة صدفة اسمها الشعر هي من جمعتنا، كان عبد الله يكتب شعرا جميلا وكنت حينها أمارس شغب الكتابة باللغة الفرنسية، حتى أنني لم أصدق حينئذ أن يتم نشر أحد نصوصي الشعرية بصحيفة ليبراسيون المغربية التي دأبت على النشر بها في ما بعد،أحببت أن أقول لتلك الفتاة القادمة من جنوب الصحراء بأنني حزنت كثيرا لموت عبد الله اختناقا بغاز البوتان، لم ألق عليه نظرة الوداع فيومها كنت أمضي إجازة نهاية الأسبوع عند أهلي، كان من المفروض أن يتصل بي عبد الله لكنه لم يفعل خلافا لعادته، إذ كان دائم السؤال عن أحوالي كلما سافرت لمدينتي الصغيرة، كان الهاتف الثابت هو الوسيلة الوحيدة المتاحة في ذلك الزمن البعيد والجميل.. تمنيت أن أقول لتلك الفتاة السمراء بأنني لست عنصريا وبأن سمرتها كانت تزداد فتنة كلما احتدم الصراع بينها وبين ركاب الباص رقم 7 المزهو يومها بسيدة بدينة نسيت للحظة بأن هذا الباص يتلصص على كل تفاصيل جسدها المترهل، الذي أتمنى أن لايصيبه في يوم من الأيام لهيب نار هذه الحافلات المهترئة.
بحثت عن الفتاة السمراء عند مدخل المدينة العتيقة لكنني لم أعثر لها على أثر،في طريق الرجوع مررت من أمام الباص رقم 7 ،انعطفت يمينا في اتجاه سيارات الأجرة البيضاء اللون...أما عبد الله فقد ظل يتحرك في مسار قفصي الصدري كما تلك الفتاة ذات البشرة السوداء الجميلة...

* أديب من المغرب.