الانقراضُ يتهدَّدُ القصة القصيرة في الأردن

د. ابراهيم خليل*

من المعروف أن القصة القصيرة نص سردي يجوز أن يتخلله الحوار أو الوصف أو كلاهما، يتضمن موقفا نفسيا أو عاطفيا أو اجتماعيا أو سياسيا لشخصية ما أو أكثر من الناس، في حدث مرتبط بلحظة قصيرة من الزمن، وبرقعة من المكان، يرويه راوٍ من شخصيات القصة أو شخصية أخرى وهمية، وفقًا لمنطق المحاكاة للواقع أو الأسطورة، يتمخض عن مغزىً في الحدود التي تسمح بها أداة التعبير وهي اللغة.
والقصة في هذا المفهوم شيء جديد في أدبنا العربي، نقول هذا متجاوزين المحاولات الكثيرة التي يحاول فيها أصحابها إضفاء الأصالة والقدم على هذا اللون التعبيري الجديد، جاعلين من بخلاء الجاحظ، ومن نوادر النيسابوري والتنوخي، ومن مقامات البديع، بدايات مبكرة لهذا النوع الأدبي.
ولعل أول قصة قصيرة ينسحب عليها هذا المفهوم هي قصة «في القطار» للكاتب محمد تيمور من مصر، وقد نشرت في صحيفة «السفور» المصرية في العدد المرقم 107 الصادر في 7/6/1917، ولا ريب في أن ثمة محاولات سبقت هذا التاريخ، ومنها قصص قصيرة، أو شبه قصيرة لجبران. على أن المعيار الذي يُستند إليه في ظهور الفن القصصي في هذا المعنى هو ظهور المجموعات القصصية، وقد سبق أن صدرت في مصر مجموعة لمحمد تيمور «ما تراه العيون» 1920 وأخرى لعيسى عبيد «إحسان هانم» ثم تتابعت مجموعات لمحمود تيمور، وغيره، قبل أن تظهر المجموعة الأولى للأردني محمد صبحي أبو غنيمة، وهي «أغاني الليل» التي نشرت في دمشق 1922، فهي المجموعة الأولى في الأردن.
وقد يصعب التأكد من أن هذا هو أول الغيث، ففي الأثناء كتب روكس العزيزي قصصا قصيرة نشرت في الهلال على ما يذكر، وأشار إليها محمود تيمور. ونشر عيسى الناعوري قصصا قصيرة قبل أن يصدر أولى مجموعاته «خل السيف يقول»، وتوالت الأعمال لكل من أديب عباسي، وحسني فريز، ومحمد أديب العامري، وسليمان الموسى.
وحظيت القصة الأردنية القصيرة بعناية طه وادي في كتابه الضخم «القصة ديوان العرب» غير أن ما كتبه عنها يقلّ عن الصفحات الثلاث، وقد خلط في ما كتبه بين الأجيال، فجعل حسني فريز مثلا من المتأخرين، بينما ذكر محمد عيد ويوسف الغزو مع شكري شعشاعة وأديب عباسي ومحمد صبحي أبو غنيمة وهم متقدمون. وعلاوة على ما وقع فيه من الأخطاء، اضطرب في الأسماء، فقد ذكر صالح يوسف بدلا من يوسف صالح يوسف، وذكر أمين شنار، وهو شاعر روائي، لم يكتب القصة القصيرة، ولكنه في القسم الخاص بالمختارات انتخب قصتين واحدة لجمال أبو حمدان «الثلج» من مجموعته مكان أمام البحر، وأخرى لهند أبو الشعر «الغزال يركض باتجاه الشمس». على أي حال يمكننا أن نلخّص المشهد القصصي في الأردن، بالإشارة إلى البدايات المتعثرة على أيدي أبي غنيمة، والناعوري، وأديب عباسي، وشكري شعشاعة، والعامري، وأمين فارس ملحس، ومحمود سيف الدين الإيراني، وغيرهم.. ممن خلطوا بين أن تكون القصة قصيرة، وفق المفهوم الفني الذي أثر في أساتذة هذا الفن أمثال، موباسان الفرنسي، وتشيكوف الروسي، وسومرست موم الإنكليزي، وآلان بو الأمريكي، وأن تكون حكاية طويلة يجري تلخيصها بضغط الأحداث عن طريق الفجوات من نحو «ومرت الأيام.. وشابت سنية» إلخ..
حظيت القصة الأردنية القصيرة بعناية طه وادي في كتابه الضخم «القصة ديوان العرب» غير أن ما كتبه عنها يقلّ عن الصفحات الثلاث، وقد خلط في ما كتبه بين الأجيال.
ويُجمع الدارسون للقصة على أن الانطلاقة الحقيقية لهذا النوع بدأت مع ظهور مجلة «الأفق الجديد» المقدسية التي شهدت صفحاتها وأعدادها الشهرية من 1961- 1967 ولادة جيل شق طريقه نحو القصة، التي تتوافق شكلا ومعنى مع المفهوم الدقيق الذي ذكر في مستهل هذا الحديث، وشهد أيضا تنوُّعا كالذي يسمح به هذا الجنس الأدبي الذي يختلف عن غيره من فنون السرد القصصي، بالتركيز الشديد والعفوية والشاعرية، وأيضا بما يتاح فيه للقارئ من مشاركة فعلية في إنتاج الدلالة الأدبية للنص، عن طريق المقاربة التأويلية التي تضفي على الأقصوصة – رغم قصرها – طابع الخطاب المزدوج، فهي خطاب أدبي في بنيته الأفقية، وغير أدبي في بنيته العميقة، فقد يتضمن أفقا سياسيا أو اجتماعيا، أو أي نوع آخر من أنواع الخطاب، بعيدا عما تفرضه السلطة السائدة عمومًا من رقابة، أو معاقبة، أو إقصاء، أو استبعاد. وقد لمَعت على صفحات تلك المجلة مواهب، فقرأنا فيها لكل من محمود شقير وفخري قعوار ومحمود الريماوي وخليل السواحري، وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم.. ولا تفوتنا الإِشارة إلى ما نهضت به الصحف اليومية والأسبوعية كـ»الدفاع» و«الجهاد» و«المنار» و«فلسطين» و«الدستور»- لاحقا ـ و«الرأي»، من دور في تهيئة المناخ الذهني المناسب لسيرورة هذا الفن، وانتشاره انتشارًا مقبولا في الإطار الذي تحدده الحياة الإعلامية والثقافية، في البلاد. ففي سبعينيات القرن الماضي ظهرت تيارات جديدة في القصة غلب على بعضها التجريب، أي البحث عن كتابة تتصف بتجاوز ما هو سائد، وهذا يتضح في المجموعة الأولى لجمال أبو حمدان 1970 ومجموعة «البرميل» لفخري قعوار، و«المتحمسون الأوغاد»، لمحمد طملية و«الملعون»، لبدر عبد الحق، و«طقوس أنثى» لسامية العطعوط، و«ذلك المساء»، و«طريق الحرير» ليوسف ضمرة، و«أنت يا مأدبا» لسالم النحاس، و«زنوج وبدو وفلاحون» لغالب هلسا، و«حصان العصر» لأحمد النعيمي، و«الرحى» لمفلح العدوان، و«قهوة رديئة» لجمعة شنب، ومجموعات محمود الريماوي بدءًا من «العري في صحراء ليلية»، وانتهاء بمجموعته الأخيرة «ضيف على العالم». ومجموعات هند أبو الشعر التي بدأت بـ«شقوق في كف خضرة»، وانتهت بـ«مارشات عسكرية». وقد لوحظ تزايد الكاتبات في السنوات الأخيرة، ولا تفوتنا الإشارة لمن عرفن بكتابة القصة، مثل: جواهر رفايعة، وحياة قنديل، وسحر ملص، وهدى أبو غنيمة، ومريم جبر، وماجدولين أبو الرب، وخلود جرادة، وحنان بيروتي، وأماني سليمان، وجلنار زين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى ظاهرة مُقلقة يشعر بها من يهتمون بالقصة القصيرة من حيث هي فنٌ أصيل له قواعدُه، وأصوله الثابتة، ومقاييس الجودة التي تفرق بينه وبين غيره من الفنون السردية، وهذه الظاهرة تتجلى في إسراف بعض الكتاب في تقزيم القصة، أو تحْجيمها، وإطلاق تسميات جديدة عليها، مثل: قصة قصيرة جدا، وقصيرة جدا جدًا، والقصة الوَمْضة، والقصة التوْقيع، والقصة التغْريدة، وما شاكل ذلك من أسماء ما أنزل الله بها من سلطان. وخطورة هذا الاتجاه، مع ما يتصف به من إفراط وتكاثر، كما الفطر، أنه جرَّد القصة القصيرة من أبرز مقوماتها وهي: السرد، والحدث، والشخصية، والموقف، فضلا عن جماليات اللغة، وجلُّ ما يمكن أن يدعو القارئ للتفاعل بأجواء الحكاية، بدون أن يفقد الشعور بالتشويق والترقُّب. وهذا على المدى البعيد، يهدد بانقراض القصة القصيرة بمفهومها الحقيقي، وإحلال مثل هذه التقاليع التي تذكرنا بموضــــة الأزياء الباريسة محلَّــــها. فالزعم بأن هذا ضربٌ من التجديد، أو التحــــديث، زعم لا يتفــــق مع ما هـــو معـــروف في الأدب والفنون؛ إذ التجديد والتحديث يمسُّان- في العادة – الفروع، ولا يمسّان الأصـــول، ويشـــملان المتغيرات ولا يشملان الثوابت. ولهذا يسود القلقُ الأوساط الأدبية، والثقافية، على مستقبل هــذا الفن الأدبي الرائع.

* ناقد وأكاديمي من الأردن. المقال عن " القدس العربي".