الإسـتـخـفـاف بـذكـاء الـطـفـولـة

د. عـبد القادر حسين ياسين*

 

 
المكان: متحـف بيكاسو، برشلونة
الزمان: تـمـوز 1998

 

الشخصيات: سيّدةٌ وابنتاها، ومتفرّج عابر (هـو أنا)
المشهـد: تدخل الأم الشقـراء الفـارعـة الطول ، 
صحـبة ابنتيها إلى الصالة رقم 11 من المتحـف. 

 

الفـتاتان صغـيرتان، 
واحدة في السادسة، 
والثانية في الثامنة (أو هـكذا قـدّرتُ). 
تقـول الأم لابـنـتـيـها بإسبانيةٍ مدموغـة بلكـنة العاصمة :
"هـذه هي المرحلة الزرقاء في فـنّ بابلو بيكاسو". 

 

تـروح تـشـرح للـطـفـلـتــين، 
بمفـردات بدت لي"راشدة" جداً، 
معنى تـلـك المرحلة الـزرقاء وتجلياتها ،
في اللوحات المعروضة أمامنا في الصالة. 

 

لم أستطع منع نـفـسي من السَّـير، 
أو عـلى الأصح، من"الـتـسـلّـل" ،
كسارق وراء هذا الجمع الصغـير، 
ومن الإصغاء، بدهـشة متزايدة، 
إلى ذلك التفـسير المشوِّق، غـير الـمـُبـسَّـط، 
لبعـض أعمال الـفـنان الإسباني الكبير. 

 

ما أذهـلـني حقاً، 
ليس فـقـط أن تلك الأمّ الرائعة ،
كانت تتكلم بجدية تامة في الموضوع، 
كأنها تتوجّه إلى زميلـتـين  نـدّتـيـن لها، 
بدون أيّ تردد حيال قـدرة فـتاتَيها على فهم ما تقـوله لهما، 
برغـم تعـقــيداته البـديهـية. 

 

بل أذهـلني أيضاً ، 
وخصوصاً أن الفـتاتـيـن كانتا تـُصغـيان ،
بشغـفٍ ذكيّ وعارف إلى حـديث الأم، 
وتعـلّقان عـليه، 
وتطرحان الأسئلة ،
لاستيضاح ما الـتـبـس عـليهـما إدراكه.

 

يا لـشـقاء"الكبار" وتعاستهم...! 
كم يستخـفّـون بذكاء الطـفـولة! 
كم يـزدرونها، 
وخصوصاً عـندما يحاولون أن يــُتـفّـهـوا الأفكار،
لكي تـصير في"مـتناول عـقـول الصغار"، 
في حين أن ما في متناول تـلـك العـقـول الولـيـدة ،
من خـيال وقـدرة على الاستـيعاب ،
هو أكثر بكثير مما في متناولـنا نحـن.

 

لا بل أراني أسأل: 
أو ليست الطفولة ذروة بيضاء مملوءة بمعجزتها، 
لا يلـيـها سوى بـداية انحـدار؟ !
أو ليس الأكثر، 
أو ما نظـنّه نحن"أكثر"، هـو أقـلّ؟! 
أو ليس الازدياد نـقـصاناً مقـنـَّعاً ومموَّهاً، 
تساعـد في تمويهه الأنـوات المتـضخمة للانسان"الناضج"؟ 
بلى.... ما عـدا بعض الاستثناءات، و... تـثـبـت الـقـاعـدة. 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.