الأمية الحضارية ونسبية العلم والمعرفة

Printer-friendly versionSend to friend
آن الصافي*
 
في اكتوبر من هذا العام2017سيعرض فيلم متخيل علمي اسمه (Geostorm).  تدور فكرة الفيلم  حول مشروع علمي الهدف منه التحكم في الطقس والمناخ وبالتالي في البيئة. في مرحلة من هذه المشروع تخرج الأمور عن السيطرة. تحدث كارثة تفوق التصور!
تتوالى أفلام المتخيل العلمي، التي قد تكون نتاج أفكار إبداعية، وربما تأتي موازية لما يدور في المختبرات ومراكز الدراسات في الغرب، أو تم ابتكارها  كتعبير عما يطمح في الوصول إليه ايجاباً وسلباً.
عالم الفيزياء نيكولا تسلا Nikola Tesla مخترع وفيزيائي ومهندس ميكانيكي وكهربائي نمساوي أميركي اشتهر بمساهماته في مجال الطاقة الكهرومغناطيسية في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وقد حصل على براءات اختراعات عديدة وضعت أسس الطاقة الكهربائية ذات التيار المتناوب ، وهو مخترع المحرك الكهربائي ، وأسهمت اختراعاته وابتكاراته إلى ظهور الثورة الصناعية الثانية . كتب تسلا ضمن مذكراته، أن دافعه نحو انجازاته هو تحفيز طاقات الطبيعية لمصلحة البشرية.
عزيزي القارئ، إلى أين وصلت الدراسات التي تتعلق بالأبحاث والتطبيقات العلمية مثل التحكم بالطقس والبيئة؟ماذا يحدث في المعامل والمختبرات لديهم؟.
أعلن يوم 29 يوليو2017 عن وصول ثلاثة رواد فضاء، أميركي من ناسا و ايطالي من وكالة الفضاء الأوربية وروسي من وكالة الفضاء الروسية، إلى محطة الفضاء الدولية.وسوف ينضم هؤلاء الرجال إلى رائدي فضاء من ناسا، ورائد فضاء روسي يمكثون بالفعل على متن المحطة وهي مشروع يضم 15 دولة. وقالت ناسا إن وصولهم يعني أنه أصبح لديها الآن أربعة أفراد في الطاقم بدلا من ثلاثة، من أجل إجراء التجارب الطبية والتطبيقات التكنولوجية وغيرها من البحوث على متن المحطة.
بعض المحطات التي تنم عن استراتيجية دولة تعتبر من الدول الرائدة في مجال الأبحاث والدراسات العلمية المتعلقة بالفضاء والبيئة في السطور التالية:
في خمسينيات القرن الماضي تحديداً في 1958،  وبدعم الرئيس الأميركي دوايت أيزنهور تأسست الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (NASA- ناسا) وخصص لها تمويل سنويً يقدر ب16 مليار دولار. ارسلت ناسا  رحلات بشرية للفضاء، وكذلك العديد من الرحلات غير المأهولة التي نفذتها الروبوتات. على سبيل المثال في عام 1962م انطلقت مهمة Mariner 2 غير المأهولة لتكون أول سفينة فضاء تحلق بالقرب من كوكب آخر غير الأرض، هذا الكوكب كان كوكب الزهرة.
مجملاً نجد أن هناك أبحاث علمية ودراسات قامت بها الحكومة الأميركية عبر وكالة الفضاء ناسا في مجالات متعددة نذكر منها: 
استنفاذ الاوزون: منذ العام 1975، بدأت الوكالة البحث ورصد طبقات الجو العليا. مما أدى إلى برنامج دراسة الغلاف الجوي العلوي وبرنامج بحوث في وقت لاحق لنظام رصد الأرض وإرسال أقمار لدراسة طبقة الأوزون ومن ثم تم الحصول على أول قياسات عالمية شاملة في عام 1978 .
تبخر الملح والطماطم: مشروع يهدف للمساعدة في ترميم وتقديم التكنولوجيا واستخدام تقنيات تحافظ على المياه واستعادة المتبخر، كما حدث من النجاح في استعادة مياه بقدر 15100 فدان من برك تبخير الملح في جنوب خليج سان فرانسيسكو. 
علوم الأرض: ساعدت أبحاث وكالة ناسا على فهم التغيرات الطبيعية والتي هي من تأثير الإنسان على البيئة العالمية.تملك وكالة ناسا في الوقت الحالي أكثر من عشرة مركبات فضاء لدراسة علوم الأرض في المدار ودراسة جميع جوانب نظام الأرض (المحيطات والأرض والغلاف الجوي والغلاف الحيوي، بالإضافة إلى الغلاف الجليدي).
من ناحية أخرى، اطلق في عام 1990 برنامج آخر وهو "برنامج الشفق النشط عالي التردد- HAARP-هارب" وهو برنامج أبحاث الغلاف الأيوني تم بتمويل مشترك من قبل القوات الجوية الأميركية وبحرية الولايات المتحدة ، وجامعة ولاية ألاسكا، وداربا . تم ابتكار وتطوير هذا البرنامج عن طريق شركة  BAEAT للتكنولوجيات المتقدمة، بغرض تحليل الغلاف الأيوني والبحث في إمكانية تطوير وتعزيز تكنولوجيا المجال الأيوني لأغراض الاتصالات اللاسلكية والمراقبة . برنامج هارب يدير منشأة رئيسية في القطب الشمالي، والمعروفة باسم محطة بحوث هارب.بنيت هذه المحطة على موقع للقوات الجوية الأميركية بالقرب من منطقة جاكونا بولاية ألاسكا الأميركية.الأداة الأكثر بروزا في محطة هارب هي أداة البحث الأيونوسفيري (IRI) ،وهي عبارة عن مرفق لإرسال الترددات اللاسلكية العالية القوة ويتم تشغيله بواسطة ترددات عاملة في النطاق العالي. لقد عقد كلا من البرلمان الأوروبي والمجلس التشريعي لولاية ببيلا العديد من جلسات الاستماع حول مشروع هارب، وابدى الطرفان بعض "المخاوف البيئية" من هذا البرنامج.
في 2014- 2015 أعلن رسمياً توقف العمل في مقر المركز وتم إعلان تسليمه لجامعة الاسكا والتي اعلنت توفيره للراغبين في البحث والدراسة بمقابل مادي.
جدير بالذكر، أن الولايات المتحدة واحدة من عدة دول في العالم تجري الأبحاث والدراسات والتطبيقات العلمية التي يصلنا عنها ما تشاء مصادر المعلومات لديهم. 
هناك دوماً عبر القنوات الصحفية والإعلامية وتطبيقات التواصل من يتحدث مع وضد هذه المشاريع، وهناك أيضاً من يتعمد الحديث عنها وتسخير الطاقات لنشر أخبارها، ليس هذا فحسب إذ هناك  كتب ومؤسسات تطوعية سخرت جهودها وكرستها لتكون موازية في نشر مواضيع تتعلق بمشاريع كهذه. 
في مجال السرد والسينما (على وجه الخصوص في الولايات المتحدة) نجد أعمالاً لا حصر لها تناولت كثير من المسائل التي تتعلق بالمتخيل العلمي والفنتازيا، تعكس عبر مواضيعها دراسات  في الطبيعة والإنسان وأبحاث الجينات، وكذلك نتائج التلاعب بهندسة المناخ،  فهل هي نفت أم أكدت نظريات علمية؟ هل يركن لما يقدمه المنتج الإبداعي من هذه الأعمال المقدمة كمصدرعلمي يعتمد عليه؟!
يعتقد كثيرون منا أن الأخبار المتعلقة بالدراسات والأبحاث العلمية تأتي كما يشاء المصدر، إذن هل من الممكن اعتبارأمر المصداقية هنا نسبي؟  جملة (نسبية العلم والمعرفة) قد تخرجنا من مأزق التسليم التام لمصداقية الكم المعلوماتي والعلمي الذي يصلنا أمام  من يشكك في الغاية من خلفها ومأرب الجهة الصانعة والمروجة لهذه المعلومات والأفكار. في إقليمنا ليس لدينا مراكز أبحاث ولا دراسات موازية تتسم بالعلمية والموضوعية لنركن لنتائجها ومن ثم نروج لها ونتناولها بنهج استراتيجي متتبعين تطبيقاتها العملية. ربما هناك بعض الإجتهادات ولكن أين أثرها في حياة شعوبنا؟! 
نحن شعوب، في الغالب  مقيدة بأطر للتفكير لم تتجاوزها بعد، سيان في العرض والتناول. لربما يلزمنا أن نجد السبيل للعقلانية والموضوعية في تناول ما نتلقاه من سيل معرفي وعلمي، ولا بأس أن نستمتع بما يعرض علينا من مواضيع وأفكار المتخيل العلمي والفتنازيا الواردة إلينا عبر الفنون والآداب.
في البحث عن أسباب ندرة إنتاج أفكار المتخيل العلمي في نصوص سردية إبداعية في إقليمنا وتقبل المتلقي لها سنجدنا أمام ما  قد يسمى بـ "الأمية الحضارية). وهذه بدورها تندرج تحتها عدة أقسام منها: الأمية الثقافية، الأمية العلمية، الأمية التكنولوجية، الأمية الفنية، الأمية الجمالية، الأمية الصحية، الأمية العقائدية.
متى استفادت الفئات المعنية من برنامج القضاء على الأمية الأبجدية المتعلقة بنشر تعليم أسس القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، ومتى قمنا بمحو الأمية الحضارية بتفعيل كل الطاقات المتاحة أهلية وعامة في دعم ووضع نهج استراتيجي للتواصل محلياً وعالمياً لتقديم ما يسهم في توفير الحلول الممكنة، لسد الثغرات والتطور في كل قسم ينضوي تحت الأمية الحضارية فنحن بخير.  ما يؤكد إمكانية تحقيق هذا الأمر، بنظرة للماضي سنجد العديد من الحضارات التي كانت على أرض هذا الإقليم كان نهجها  الانكباب على القراءة وتحصيل العلم والعمل والصناعة والإبتكار والإبداع والفنون ،ونبذ التمييز والإحتفاء بالتنوع الثقافي مما ترك بصمته في مسيرة تلك الحضارات.
إذن لا ينقصنا سوى استعادة الثقة بأسباب القوة لدينا ،والنهوض من جديد بثبات مستفيدين من ثقافاتنا وموروثاتنا المحلية، مسهمين في تهيئة بيئة لأجيال من بعدنا تكون أكثر وعياً لمسائل ربما عصت على من سبقه،م مواصلين نهج المجتهدين منا في كل حقل، باحثين عن الأفضل وتقديم الحلول الأنجع،  بأقل الضرر والخسائر ما أمكن. 
 
(.م. مصادر المعلومات بهذه الورقة متاحة للإطلاع بمت لا يحصى من الصفحات والتطبيقات الإلكترونية!)
 
أبوظبي - 5 أغسطس 2017