الألفة والاغتراب في ديوان يوسف الأزرق "أن تذبل الوردة في كفك"

Printer-friendly versionSend to friend
حسن الرموتي*
 
يوسف الأزرق شاعر مغربي ينتمي تحقيبيا إلى جيل بداية الألفية الجديدة ، والتي لها حساسية شعرية وخصائص تميزها عن التجارب الشعرية أو الأجيال الشعرية السابقة، والتي ارتبطت بمواجهة السلطة والتعبير عن واقع الهزيمة والإحباط ثم التسلط والقمع الممارس وخلال فترة طويلة نسبيا مع شعراء الستينيات والسبيعينيات إلى حدود انتهاء الثمانينيات، والمتأمل للدواوين المغربية الصادرة في تلک الفترة سيلاحظ فعلا الانحياز إلى هذا المعطى أقصد الالتحام بالطبقات الشعبية والتعبير عن واقع المرارة في ظل التسلط ..والمثقفون وخاصة منهم الشعراء ويكفي مثلا أن نشير إلى أحمد المجاطي وعبد االله راجع ومحمد بنيس وعبد الله زريقة وعبد اللطيف اللعبي سواء في كتاباته بالعربية والفرنسية، ومن خلال المجلات والتي توقفت مع الأسف: الثقافة الجديدة والبديل والجسور والزمان المغربي وأقلا..القصيدة المغربية المعاصرة اليوم وفي بداية الألفية الجديدة تحررت كثيرا من هذه المرجعية اقصد مرجعية المواجهة من السلطة لتتحول نحو مواجهة أخرى ، مواجهة الواقع والذات. والشاعر يوسف الأزرق ينتمي إلى هذا الجيل الجديد. أكيد أن الساحة الشعرية تعج بالكثير من الأصوات سواء الذين نشروا ورقيا أو من خلال ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي. وبكل صدق وبعيدا عن المجاملة يمكن القول إن تجربة يوسف الأزرق جديرة بالقراءة والمتابعة..فهذا الإصرار على الكتابة الشعرية والمتابعة والنشر رغم الاكراهات دليل على هذه العلاقة العميقة بين الشاعر والكتابة. حين تصبح هما يوميا، وباعتبار الكتابة  وسيلة تعبير تسمح للمبدع أن يقدم رؤيته سواء كانت هذه الرؤية مرتبطة بالذات أو العالم، أو بالآخر. 
الديوان الجديد ليوسف الأزرق هو تجربة أخرى، في مساره الشعري، من هنا يمكن أن أقول أن الشاعر ظل وفيا لهذه الرؤية العميقة لكن مع تجديد واضح في اللغة والصور الشعريتين.
لعل ما يمكن ملاحظته في البداية هو عنوان هذا الديوان. فإذا كان " ظلال المسافة- ٓ2004" الديوان الأول الشاعر يتكون من كلمتين من قبيل الإضافة المعنوية، فإن الديوان الثاني "لا تسعنا سماء واحدة" -2011-- ثم هذا الديوان " أن تذبُلَ الوردة في كفك "2017، في انتظار صدور ديوان آخر "محو الأمنية"، فإن العنوانين يبدوان طويلين نسبيا، وكلما كان العنوان كعتبة ضرورية لقراءة المتن الشعري طويلا، كان في المقابل معبرا. وإذا كان في الغالب أن عناوين الدواوين الشعرية تكون غالبا من قبيل المركب الوصفي أو الإضافي، وفي أحسن الأحوال جملا اسمية، فإن "لا تسعنا سماء واحدة " هو جملة  منفية، ثم في الديوان الجديد جملة اسمية مسبوقة بناصب.يفيد الاستقبال من خلال حرف أن ، وبين لا وأن  نعيش هذا النفي البارز، ماذا ينفي الشاعر ثم ماذا ينتظر في المستقبل، سؤال تجيب عنه قراءة الديوان، قراءة فاحصة متأنية..قصائد يوسف الأزرق لا تمنحك كل شيء في القراءة الأولى. سبق مرة أن قلت إن:
الشاعر يوسف الأزرق يكتب القصيدة بإحساس الشاعر المكتوي بلهفة وحرقة الشعر، بعيدا عن هذا الضجيج التي تضج به الساحة الشعرية المغربية،شاعر يعيش كما الشعراء المتميزين الذين يعيشون على الهامش دون أن يحظوا بالمواكبة النقدية التي غدت مليئة بالمجاملة، وقد أقول إن هذا الهامش – موكادور- كمكان بكل ملامحه ودلالته وطقوسه، فإنه يعكس بصدق وينعكس على تجربة الشاعر، ولعل القاموس اللغوي دليل على هذا الارتباط الحميمي بين ذات الشاعر وبين علاقته بالمكان كمحدد أساسي في حياة الإنسان، لإنه يشكل جزءا منه يقول نويل أرنو " أنا المكان الذي أوجد فيه " من هذا المنطلق يمكن القول إن  الأزرق هو موكادور، وموكادور هي الأزرق. علاقة جدلية من الـثأتير والتأثر، وهذا ليس عيبا، شعراء كثيرون اقترنوا بمكان ولادتهم وارتبطوا به حد الموت، الشاعر بدر شاكر السياب وجيكور، الشابي وتوزر مثلا. إن قصائده تطفح بما يمكن وسمه بسيرة مكان، وهي ملامح موجودة في ديوان "لا تسعنا سماء واحدة"..كنت أسميتها سيرة مدينة، سيرة طفولة.(المقال موجود على موقع مجلة الموجة)، حيث المدينة حاضرة بكل مظاهرها. يسعى هنا في هذا الديوان إلى الانخراط في المكان إلى حد الشعور باللانتماء أحيانا وهو يعيش في مكان آخر. أو بالانفصال عن العالم، لكنه انفصال رمزي، لأن الأمكنة بكل ما تجسده وتتضمنه من تفاصيل وصور وملامح تضل في وعي الشاعر مثل الجدوة، وحيث المكان والزمان ينصهران، وربما بمجرد ما نغادر هذا الزمان والمكان نغدو أمواتا، وفي أحسن الأحوال يغدو التيه والضياع والتسكع يلازمنا. 
  هذا الارتباط بالمكان يحمله الشاعر حتى في أقصى رحيله إلى عوالم أخرى، يقول :
في حياة أخرى / كنت صيادا بارعا/ وصديقا وفيا للميناء والنوارس/ أخرج ليلا على الساعة موجة إلا هدير / على كتفي أحمل مؤونة خفيفة/ وديوان شعر بحري/ حتى أنسجم مع الطقس. ص 90
يبدو هذا المقطع القصير عميقا، يختزل الكثير من الدلالات من خلال استرجاع لزمن مضى، لطفولة بعيدة ولصداقات وفية، يشكل فيها المكان بؤرة أساسية، من خلال الرموز التي تحيل عليه، ومن خلال علاقات الشاعر بذلك، الميناء، النوارس، الساعة وهي رمز من رموز موكادور، ثم أحمل مؤونة..إشارة إلى هؤلاء الصيادين وهم يتجهون نحو الميناء للإبحار ليلا – يقول أخرج ليلا – يخرجون لرحلة صيد، أنسجم مع الطقس، طقس موكادور وريحها، يوسف لا يصرح بالكثير من الأشياء بشكل مباشر، لكن للغة إيحاءاتها، والقارئ الذي لا يعرف موكادور، ولا يعرف الريح وبرج الساعة والميناء والنوارس وهدير الموج، سيفوته الكثير من الأشياء، وهو يقرأ هذه النصوص وحتى الزمن يتحول إلى موجة كما لو أن الدقائق هي موجات تعلو وتنخفض بهديرها، وهذا الصياد الذي يحمل القليل من الزاد كما عادة الصيادين يصبح البحر صديقه الأبدي، فشاعر لا ينسى أن يحمل معه ديوان شعر بحري..لأن الشعر مؤونة أخرى. وزاد روح . الشاعر يستمد نصوصه من العودة إلى الذاكرة كذلك وما تختزنه من صور مازالت عالقة في الذهن، خاصة في علاقتها بالمكان الذي يعد بؤرة وتيمة أساسية في هذه النصوص، يحضر المكان – موكادور-، أو ما يشير إليه، كما قلت حيث الأزقة وساحات المدينة والبحر والشاطئ وما يرتبط بها من رمال ونوارس وأمواج وريح والميناء، قصائد الديوان في عمقها سيرة الشاعر. وأن تكتب شعرا هو سيرة ذاتية فأنت تبحر في أعماق الماضي والذات، هو إبحار يتأسس على الاسترجاع، استذكار عوالم من طفولة الشاعر وطفولة هذه المدينة التي تغيرت كثيرا. هي إذن سيرة مازالت عالقة من خلال استرجاع لصور التسكع في هذا المكان المفتوح ليس فقط على براءة الطفولة، بل على فداحات المكان وخسارات الحاضر. يكفي أن نتأمل عناوين القصائد لتبرز هذه الخسارات المؤلمة: قصائد لقطية/ ترميمات لاصقة بمعاطف المتاهة/ اشراقات منطفئة/ وحدة / أنين / ارتطامات /اختنقت الجثة / انزياحات الروح/ استسلام مؤقت لروح مغردة/ قصائد موحشة/ ذاكرة ماكرة / اغتراب/ رغبات مشروخة/ نداءات بكاء/ انحناءات مقابر لشاعر مجهول...إنها عناوين تحيلنا على فداحات الإنسان وخساراته، وهو يعيش هذا التيه والاغتراب..المكان لم يعد هو المكان الذي يحلم الشاعر به ، بل تحول إلی ذاكرة ماكرة وعليه  أن يعيش هذه الرغبات المشروخة بنوع من الألفة.  
أما الصور الشعرية باعتبارها وفي أبسط معانيها هي رسم بالكلمات وهي مفتاح رمزية القصيدة ومدلولاتها، لأنها تشكل عمق القصيدة عند  الأزرق، والنص الشعري عندما يخلو منها يصبح مجرد صفٍ للكلمات. الصورة الشعرية عنده تبدو منسابة حيث المجاز والاستعارة والتشبيه والرمز غيرها، وهي عناصر لتأثيث المعنى وليس زخرفا، يرسم من خلالها الشاعر صورا مركبة تتضافر فيها عناصر طبيعية ونفسية وذاتية وغيرها لتقديم صورة شعرية مشهدية لأنها لب العمل الشعري عنده، فتحقق هذه الصور ما لا يحققه أي عنصر أخر من عناصر البناء الشعري.وعلى مستوى اللغة، فهو لا يحشد اللغة القريبة بل يتوقف طويلا عند الكلمات جوهر العمل الشعري وينتقيها ويعيد تشكيلها حتى تناسب رؤيته للأشياء، وما يناسب كذلك دلالتها الوجدانية، وذلك ما يحقق المتعة الفنية في النص الشعري، عنده، ذلك ما يكسب القصيدة لديه هذه القدرة على التأثير والتجاوز. ويكفي أن نتأمل عناوين النصوص مثل: رغبات مشروخة /،قصائد لقيطة / ترميمات لاصقة بمعاطف المتاهة ..لنرى كيف تصبح الصور ذات جمالية..بل حتى في النصوص كذلك نلاحظ هذه الصور الشعرية بطريقة متلاحقة...يقول مثلا:
حتى أوراقها النائمة/ منذ ولادة المطر/ أخذت نصيبها من السماء/احتفت بالبهاء الخافت/ الغروب يتدفق / من أصابع المدينة/ الشبيهة بالقصيدة ..ص 41
قصائد الديوان تبرز كذلك ملامح أخرى من قراءات  الأزرق، لا أسميها تناصا، ولكن قارئ هذه القصائد يستشف أن الشاعر قارئ عميق للشعر، ليس العربي فقط بل الشعر الغربي وللفلسفة، فثمة إشارات وعتبات تبرز هذه القراءات الكونية المخضبة بعمق الإنسانية ..رامبو وأدونيس ونيتشه ...خلاصة القول إن يوسف الأزرق شاعر يكتب بلغة شعرية شفافة تبحر ليس في أعماق الروح لتكشف عن تفاصيلها فقط، ولكن في أعماق وأحياء موكادور وساحتها، تكشف عن مدينة تسير نحو حتفها ببطء . موكادور وردة تذبل بين يدي عشاقها الذين ارتبطوا بها واستنشقوا عبيرها.
 
* أديب من المغرب.