الأخلاق بين الخير والسعادة

د .زهير الخويلدي*

عديدة هي الإحراجات والمشاكل العملية التي تطرحها المسائل النظرية سواء في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي، ومن فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك وتجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة، كما يتم الاعتداء على السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم. 
كل هذه المصاعب هي بمثابة ورطات ووضعيات حدية تجعل الفلسفة الأخلاقية في زمن العولمة ضرورة وجودية ،إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته وتحقيق كونية أصيلة تصالح بينه وذاته والآخر والعالم في فضاء مشترك شهد تسارع نسق التواصل الذي كشف هو الآخر عن احتياجه إلى إيتيقا تصالحية ترتقي بالمرء من مجرد كائن اتصالي إلى أن يكون كائن تواصلي بامتياز. 
من البين إذن أهمية الأخلاق في المجتمع البشري إذ يؤدي فقدان الأخلاق الطيبة إلى الأمراض الجسدية والنفسية واعتلال الصحة والجهل بالمصير وصعوبة تحمل نوائب الدهر؛ ولذلك استحق الكائن العامل الوحيد لقب الإنسان بما يحمله من خلق يعبر به إرادته وحريته ومسؤوليته. 
على هذا النحو تبدو فضائل الأخلاق من الأركان الأساسية لسعادة البشر وتكامله المادي ورقيه المعنوي.وإن الوجود اليومي للإنسان يعلن الحاجة الملحة لاستعادة الفلسفة الأكسيولوجية، وقد نتج عن ذلك ازدياد الطلب على الأخلاق بشكل متزايدا خاصة في ظل غيابها في ساحة المجتمع. 
لكن المفارقات تظهر حينما تطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بالأخلاق؟ وماهو مفهوم الخير؟ وكيف يمكن تعريف السعادة؟ أليست السعادة هي الخير الأسمى؟ وألا تتناقض الخيرات الجزئية مثل الشهرة والثروة والصحة والسلطة والنجاح مع السعادة كغاية في حد ذاته؟ و متى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ ماهي شروط انجاز الفعل الخير؟ وهل يحقق عمل الخير السعادة الإنسانية؟ .
الإنسان مدني بالضرورة و يحتاج إلى الأخلاق الفاضلة والاهتداء بنور القيم وتوجيهية المعايير لأن تدنيس المقدسات والرضا بحالة الفراغ والعدمية، يؤدي إلى الضياع والحيرة والظلال في العالم والتصادم مع الآخر والإساءة إلى الذات والى الطبيعة .
 
1- من الأخلاق إلى الإيتيقا: 
بادئ ذي بدء ينبغي أن نبين أن مفهوما الأخلاق Morale والإيتيقا Éthique متداخلان إلى حد كبير، وقد يعنيان الشيء نفسه ، وهما متماثلان في الفلسفة القديمة والحديثة. 
ولكن بداية من الفلسفة المعاصرة وجدت العديد من المبررات التي تستوجب الفصل بينهما وظهرت عدة أنماط من التفلسف الأكسيولوجي التي تحاول رسم الحدود الفاصلة بينهما. هناك اختلاف بين مفهوم الايتيقا ومفهوم الأخلاق. فالايتيقا هي التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، وحسن تدبير شؤون الحياة وهي أساسا وضع قواعد الأفعال. والأخلاق هي مجموع الأوامر السائدة في عصر ما أو مجتمع من أجل الاقتداء بها. 
لقد ميز  الفيلسوف ريكور الأخلاق  بأنها تتمثل في القانون أو الواجب بما هو صيغة كونية مطلقة صورية ويلزم أفعالنا وتكمن قيمته في ذاته ولا يأخذ بعين الاعتبار اندراج الفعل في سياق التجربة الإنسانية. أما الأيتيقا فهي تفكير وزاوية في مقاربة الإشكاليات الفلسفية تستهدف "الحياة الجيدة الخيرة مع الآخر ومن أجله في مؤسسات عادلة" أي هي النظر في غايات الوجود الإنساني ضمن الذاتية الحية للأفراد بما هي ذاتية منغرسة في المعيش وتتساءل عن القيم مثلما تبدعها الذات و نحياها "الآن و هنا". ولكن تقدير الذات لذاتها لا ينفصل عن العناية بالآخر ،ولا يكتمل إلاّ بإقامة نوع من "العيش معا" إلى حد الحميمية يتجلى في قيمة الصداقة. على هذا النحو إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، وتعني البحث عن نسق من المبادئ يهدف إلى وجود بشري خير وسعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، وتتحدد كنظرية في الإلزام، نظرية في القانون والواجب الأخلاقي باعتباره قانونا لامشروطا وكونيا. ويجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. والإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة وبالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إتيقا المحيط) والممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. ومن هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير والسعادة وإذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ هل في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟ 
 
2- الأخلاق بين الخير والمنفعة: 
الخير عموما هو أن يجد كل شيء كمالاته اللائقة به، بينما الشر هو فقدان ذلك. ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الأخلاق كلها لأنه القياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي والحاضر والمستقبل. أما الخير الأسمى المطلق فهو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كل إنسان، بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم وشرا عند بعضهم الآخر. 
يقول ابن سينا:"الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده...وقد يقال أيضا خيرا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء" ويقول ديكارت:" الخير الأسمى هو بالتأكيد الشيء الذي نضعه هدفا لكل أعمالنا والانبساط الروحي المتولد عنه والذي نسعى إليه هو غايتنا" .
وينقسم الخير عند كانط إلى خير طبيعي محسوس، وخير خلقي معقول وهذا الأخير هو الخير الأعظم والأسمى ويعنى عند بعض الفلاسفة الوجود الذي ليس لذاته حد ولا لكماله نهاية لأنه خير لذاته وبذاته. 
"يبدأ تاريخ الطبيعة بالخير لأنها من صنع الإله، ويبدأ تاريخ الحرية بالشر لأنها من صنع الإنسان" كانط .
" لقد منح الله الإنسان الحرية لكي يفعل الخير والضمير لكي يريده والعقل لكي يختاره" روسو. 
الخير هو شيء أو حالة مرغوبة، ممتعة، أو ما يُعتبر من الناحية الأخلاقية أفضل من شيء آخر أو من حالة أخرى. والخير هو نقيض الشر أيضا. يُعرف الشيء الخيّر أو حالة الخير دائما بشكل نسبي لأشياء أو لحالات أخرى، وتعريفه هو دائما شخصي ذاتي، متعلق بسياق الزمان والمكان والعلاقات بين البشر. 
الخير كشيء ممتع عند الأبيقوريين وما يثير الإحساس بالمتعة أو بالرضا لدى البشر، والخير كمجد وشهرة والنجاح، وهناك تعريف ثالث للخير يقوم على الجدوى والمنفعة وما يعود بالفائدة على الإنسان. وكان جيرمي بنتهام قد عرّف المجدي على أنه ما يعود بالسعادة الكبيرة للعدد الأكبر" من الناس. من هذا المنطلق " يتفطن الإنسان بعد أن أمضى حياته في البحث عن الحقيقة أنه كان من الأفضل لو استغلها في فعل الخير" هنري برجسن. لكن كيف تجمع الأخلاق بين تحصيل السعادة والحياة الفاضلة؟ 
 
3- الأخلاق بين الفضيلة والسعادة: 
السعادة لا تنتج عن اللذة بل إلى قبول الحادث باعتباره تعبيراً عن النظام. والخير هو الفضيلة وهي تعبير عن انسجام داخلي يتوحد مع انسجام العالم الكلي. وبالتالي ان السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون الرصانة العقلية والتروي والتحلي بالحكمة العملية. 
لكن في ربط مفهوم الخير والسعادة نتحدث عن أن الاتيقا حسب أرسطو " تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي،الذي يتماهى والفضيلة." وعند كانط نتحدث عن الأخلاق " يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب ."قلنا أن الأخلاق تهدف الى الخير لذلك نحاول تحديد العلاقة بين الخير والسعادة. 
هكذا تكون السعادة هي الخير الأقصى فليس يفضلها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان فكل ما عداها هو وسيلة لبلوغ السعادة. ومن الطبيعي أن تكون الغاية القصوى من التفلسف هي تحقيق السعادة. لكن عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن امتداد التعاطف إلى خارج نطاقها. 
خاتمة نقدية: 
تبدو السعادة في المعنى الأول هي الخير الأسمى والغاية المطلقة التي تطلب لذلتها، وينال الإنسان من ورائها الرضا الروحي والغبطة السرمدية والنعيم الدنيوي، غير أن المجتمع الاستهلاكي في عصر العولمة قد جعل السعادة رهينة التمتع بحياة الوفرة والرفاه في معنى ثاني تتناقض مع الخير، وبالتالي ان ما يعتبر السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية وكونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني والاقتصادي. ذلك أن تفاؤل الفلاسفة البراغماتيين جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة والذكاء الإنساني والإقبال على الحياة والاهتمام بإشباع الرغبات والاعتناء بالجسد، وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، ومن هنا بالذات يحصل الانزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه. 
فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، وأن يبحث كل فرد عن أكثر لذة وأقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، وبالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع وبالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية. لكن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية. أليس مذهب السعادة هو الذي يجعل الغبطة هي السعادة القصوى التي يشعر فيها المرء بالرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر؟ فهل تحصيل السعادة أمرا ممكن ؟ وهل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى؟ .

 

* كاتب فلسفي من تونس.