إنقاذ السماء

صبحي موسى*

 
لم تعرف دميانة ما الذي يمكنها أن تفعله بوثائق والدها، شعرت أنها أمام كنز يجب أن يعلم بأمره الجميع ، لكنها لا تعرف رد فعلهم تجاهه، فهل مازلوا على إيمانهم بفكرتهم القديمة، أم أن الزمن وتحولاته مالت بهم إلى الطريق المخالف.
 نهضت من مكانها وقررت الذهاب إلى المستشفى لمتابعة إجراءات خروج والدتها، كان نائل وأحمد قد اتفقا على إقراضها المبلغ الذي تحاجه، فاتصلت بهما وقرروا الالتقاء على الكافيتريا القريبة من  موقع الجريدة، شرحت لهما ما توصلت إليه من معلومات ووثائق، وما علمته عن جمعية أوريجانوس التي كان والدها يرغب في إشهارها، تحدثت عن الأسماء التي كانت ستشارك في تأسيسها، وقالت بنبرة حزن واضح أن إيمانويل الطيب وباخوميوس الحبيب كانا من بين المؤسسين، هؤلاء الذين أصبحوا الآن في مراكز مهمة وكبيرة، بعضهم يظهر في الإعلام بشكل دائم، بعضهم من العلمانيين والآخر من الإلكليروس، نزلت الكلمات على الوجوه بمزيج من الفرح والدهشة والخوف، وضاع وقت طويل في التفكير فيما يمكن عمله حيال هذه الوثائق، وفي النهاية قرر الجميع تأجيل الأمر لحين خروج تريزا وعودتها إلى بيتها.
نهضت مع دميانة للذهاب إلى المستشفى، بينما قرر أحمد ونائل الذهاب إلى عملهما، في الطريق سألتني دميانة إن كان أنطونيوس  يعلم بأمر الجمعية أم لا، للحظات ظننت أنني أستطيع الجزم بأن أنطونيوس لم يكن يعرف، لكنني بعد قليل من الوقت تصورت أنه كانت لديه معرفة بالأمر، لم تنتظر دميانة مني ردا فقد وضعت رأسها على مسند كنبة التاكسي وأخذت تتحدث عن اجتماع كبير عقده يؤانس في جبل الطير، حيث التقى بعدد كبير من الجماعات المناهضة لوجود البابا في الكنيسة، جميعها جماعات متشددة، وترى أن أويجانوس مهرطق، وبدرجة ما شعرت بربط بين ما تتخذه الكنيسة الآن من خطوات نحو التحديث والمدنية نوعاً من الهرطقة، جميعها يحركها بشكل أو آخر رجال ينتمون إلى الماضي، ولا يرغبون في التنازل عن أي من مكاسبهم القديمة.
كانت دميانة تتحدث بحزن ووهن، وشعرت أنها لم تنم جيداً، حين توقفنا أمام المستشفى قالت إن عليها أن تذهب إلى الكنيسة الآن، فثمة أمر يجب أن تستوضحه من الأسقف الكبير، قالت إنني يمكنني أن أنهي إجراءت خروج تريزا وأعود بها إلى البيت، وأنها ستتابع معي على الهاتف كل ما يجري.
في دوامة كبيرة من إنهاء الأوراق المطلوبة للخروج عشت ما يقرب من ساعتين، بعدها أحضرت كرسي متحرك وساعدت تريزا للجلوس عليه، ثم دفعت بها في طرقة طويلة حتى الأسانسير( المصعد) الكبير، ومنه إلى الخارج حيث بحثت عن تاكسي يقلنا، سألتني تريزا عن دميانة فأخبرتها بما توصلت إليه، وأنها ذهبت إلى الكنيسة لملاقاة الأسقف الكبير، عسى أن يساعدها في الوقوف أمام يوساب ورجاله، فهزت رأسها قائلة ويؤانس أيضاً، هنالك علمت أنها تعرف عن يؤانس ما لم تحكه، فقلت لها إن كانت تراه خيرا أم شرير، التفتت نحوي قائلة:
ـ وما هو الخير والشر؟
لم أعرف بما أرد عليها، لكنني التزمت الصمت وأنا أتأمل سؤالها باحثا عن إجابة مناسبة، حين طال صمتي قررت هي التدخل لإنقاذي قائلة إن أحدا لا يعرف ما هو الشر وما هو الخير، فالجميع يتصور أنه يسعى لإنقاذ السماء من السقوط على الأرض، دون أن يدري أنه من أجل ذلك يقتل في طريقه كل الذي رفعت من أجله السماء وخلقت الأرض، الكل لا يرى إلا ما يعتقده فقط، الخير والشر متلازمان في جسد واحد، كـ"الإلهي والبشري في جسد المسيح"، هكذا كان صلاح متري يتحدث ويقرأ من كتاب لأوريجانوس،  يشرح لي لماذا يتمسك بموقفه بينما يؤانس متمسك بموقفه، لكن الفارق بينه وبين يؤانس أنه رفض أن تكون له عصابات تقتل وتضرب، قال أنه هو نفسه لا يعلم إن كان على صواب أو خطأ، وحتى لو كان على صواب فإنه لا يعلم إلى أي مدى سيستمر هذا الصواب، فالحياة تتغير، والبشر ليسوا قطع شطرنج ولا قطارات تسير على قضبان متوازية.
حين امتدحت لتيريزا ثقافتها نظرت إلى مبتسمة، ثم سرعان ما شردت بذهنها لتقول إنها حاصلة على دبلوم تجارة في زمن كان المتعلمون فيه يعدون على أصابع اليد، قالت أيضاً أنها كانت سكرتيرة خاصة لزوجها صلاح متري، تُعد له القضايا، وتكتب له أوراقه على الآلة الكاتبة، وتتابع معه أخبار ما يجري في البلاد، وحين توفي كنت أعطى دروساً خاصة لأبناء الجيران، هكذا كانوا يتعاونون معي في تربية دميانة، وهكذا نجونا من الموت، فما زرعه صلاح متري لم يكن ليضيع هباء، لكن زرعه لم يكن ليحصد عبر البنوك ولا الشهر العقاري. 
شعرت أن تريزا تتمتع بحكمة كبيرة، وحسدت دميانة على كم هي محظوظة بأم مثلها، وتساءلت في نفسي عن أبي وأمي، وكم يتمتعان بالدونية كي يتركاني في لفّة قماش على باب دير في صباح بارد، واريت ألمي في نفسي ووقفت أساعد تريزا على النزول من التاكسي، حين رآها الجيران تدافعوا للسلام عليها، أخبرتهم أنه من المجهد تركها  تصعد السلّم على قدميها، فتطوع بعض الشباب بإحضار كرسي أجلسوها عليه وصعدوا بها، هي بدورها أخبرتهم أنني ابن اختها، وأنني منذ اختفاء دميانة أقوم برعايتها والتردد على بيتها، أكدت على كلامها جارتها أم ميخائيل التي أضافت أنني وأخي الكبير كنا نأتي لنأخذ لها احتياجاتها من البيت، كانت هذه الشهادة حاسمة في ترحيب الجميع بي، واعتباري واحدا من بينهم.
ما إن استراحت تريزا في بيتها حتى طلبت مني أن أذهب إلى غرفة المكتب لأبدأ في الكتابة، حين ترددت نهضت من مكانها وأخذتني إلى الكرسي الموضوع أمام المكتب العتيق قائلة هنا كان يجلس صلاح، وأشارت إلى منضدة بالقرب من باب البلكونة المغلق قائلة وهناك كنت أجلس، حيث آلة الكتابة التي باعتها دميانة واشترت كمبيوتر وطابعة خاصة به، ومدت يدها إلى زر الجهاز النائم أسفل المنضدة وضغطت عليه ليصدر الجاهز صوتاً ما، ثم سرعان ما أضاءت الشاشة لتظهر عليها بعض الكلامات، حين أخبرتها أنني لا أعرف كيفية التعامل معه، فتحت صفحة بيضاء وقالت يمكنك أن تبحث عن الحروف هنا، لتظهر أمامك، بعدها ستتعلم كل شيء وحدك.
كانت هذه هي المرة الأولى التي أتعامل فيها مع جهاز الكمبيوتر، وتذكرت المهندس عماد المسئول عن المونتاج والطباعة بعد أنطونيوس في الدير، تذكرت أنني قرأت كلاماً للمهرطقين في حجرة المونتاج، ولم أعرف ما الذي يمكنني فعله دن دميانة.
كان نائل قد أحضر لي هاتفا صغيرا كي أتصل به، حين سمعت صوت صفيره وقرأت اسم دميانة عليه فتحته على الفور، قالت إن ثمة تفجيراً مريعاً وقع في الكنيسة الكبيرة، وعلينا أن نفتح التلفاز لنتابع ما يجري، هرعت لأجلس بجانب تريزا ونحن نتابع ما يجري، طمأنتها على دميانة عدة مرات، واتصلت بنائل وأحمد الذين قالا أنهما يتابعان ما يجري للجريدة، كان مشهد التدمير كبيراً وقوياً، وبدا أن القنبلة التي استخدمت كانت كبيرة للغاية، وأن الأسقف الكبير هو الذي كان مستهدفا من التفجير، فقد كان من المنتظر أن يقيم عظته الأسبوعية من المكان الذي تم تفجيره.
تأخرت دميانة حتى المساء، ولم أستطع رؤية أي من نائل أو أحمد، بينما كان الجيران يأتون ليطمئوا على صحة تريزا ويتحدثون في أمر التفجير، قالت إحدى الزائرات إن اختها كانت في الكنيسة ولا تعرف مصيرها حتى الآن، كان لابد أن أجعل دميانة تتحدث مع أمها كي تطمئن، فظللت أرجئ المحادثة حتى خرجت الزائرة، فهمت تريزا أن ابنتها في مكان آمن، وأن هناك من يبلغها سلامه، ارتسمت على وجهها ابتسامة شاحبة وهي تغلق الخط، ثم سرعان ما طلبت مني أن أذهب لأم ميخائيل طالباً منها أن تأتي لتعد طعاما لنا، لكنني أعلمتها أنني كنت أمارس الطبخ لنفسي في الدير، ولدى أكلات جيدة، هزت رأسها مبتسمة ومستسلمة أيضاً، فنهضت من فوري أبحث في المطبخ عن شيء يمكن إعداده، لكن كل الأشياء كانت غريبة على، الشيء الوحيد الذي عرفته كان البطاطس.
في الليل عادت دميانة وتحول مكتب صلاح متري إلى غرفة اجتماع لنا، فقد أنهى نائل وأحمد عملهما بالجريدة وأتيا للاطمئنان على تريزا، جلسنا في  المكان الذي كان يجلس به أعضاء جمعية أوريجانوس القدامى، وأخذنا نتداول الأخبار، قالت دميانة انها كانت في غرفة الأسقف الكبير، وأن حديثها معه هو الذي أخره عن موعد عظته الأسبوعية بنحو نصف ساعة، ولا تعرف إن كان هو المقصود بالتفجير حقاً، أم أن التفجير مجرد رسالة لما قد يحدث، قالت أيضاً أن الأمن وجه التهمة إلى داعش التي لم تعلن تبنيها للعملية، لكن الكل مرعوب، ويخشى من أن تتعرض كل الكنائس للتفجير.
كان الصمت هو عنوان ذلك اليوم الحزين الذي ضاعت فيها عدة أرواح من الأبرياء، أما المصابون فكان عددهم بلا حصر، وآلامهم بلا انتهاء، فسيظل بعهضم إلى نهاية عمره يتذكر السبب الذي من أجله ذهب إلى الكنيسة في ذلك اليوم، السبب الذي من أجله فقد ساقا أو ذراعاً أو عيناً، سيحكي الجميع عن آلامهم التي ذهبوا للمسيح كي يخففها عنهم، لكنهم ما لبثوا إلا أن تحملوا آلاماً على آلاماً، فهل يمكن أن تكون هذه الآلم باسم المسيح ولأجله أيضاً.
علمنا بخبر وفاة شقيقة بالسيدة التي زارت تريزا في الظهيرة، وأصبح البيت صالة عزاء كبيرة، نزلت أنا ودميانة لمواساة أهلها، بينما لم يستطع نائل وأحمد النزول من بين الجموع الغفيرة للعودة إلى بيتهما، فظلا معنا حتى أوقات متأخرة من الليل، في هذه الليلة علماني كيفية فتح ملف وحفظه على الكمبيوتر، وكيفية اختيار الخط ودرجة البونط، وجلست أبحث عن الحروف على الكي بورد وهما يطالباني باستخدام كلتا يدي، أخبرتهما بأنني سريع التعلم وأنني من الغد سابدأ في الكتابة، فأخبراني أنهما سيساعداني في عملي، وربما في نشره حال الانتهاء منه.
السؤال الذي طرأ على أذهاننا فجأة كان عن أنطونيوس، هذا الذي ظهرت صورته على إحدى صفحات الفيس أمام دميانة، فقد تداولها بعض أصدقائها بصيغة التساؤل عن ماهيته، وفهمنا دون دخول في التفاصيل أن هناك من يسعى للزج به في الحادث، بوصفه الفاعل، أو طرف خيط يمكن الوصول من خلاله إلى الفاعل، تسائل نائل بدهشة إن كان من الممكن أن يكون لأنطونيوس علاقة بالأمر، فأخذ أحمد يتجاوب مع فرضياته، ولاحظت أن وجه دميانة كان يتلون بألوان الطيف بينما عيناها تغوصان في محجريهما وهي على وشك الصراخ فيهما بالتوقف، ولم يكن أمامي سوى أن أنهض من مكاني إلى حيث وضعت عباءة أنطونيوس الكهنوتية السوداء، وصليب باخوميوس الكبير الذي ورثه عنه، فرفعتهما أمامهما قائلاً:
ـ كيف يفجر الكنيسة بهذه الملابس وقد تركها هنا؟
كان سؤالي بمثابة وضع النقاط على الحروف، ففتحا عيناهما بدهشة أكبر، وهما يعيدان التساؤل نفسه، بينما نهضت دميانة من كرسيها لتحدثهما عن أنطونيوس، هذا الذي لا يعرفونه، ولا يمكنه أن يفكر في عمل كهذا، أنطونيوس الذي ظهرت له العذراء، وحاربه الجميع في دير الملاح من أجل ألا يعترفوا له بالقداسة، كيف يمكنه أن يسهم في قتل نفس واحدة.
كانت كلماتها سريعة وأسئلتها كطلقات الرصاص المتوالي على الرؤوس، حتى أنني نفسي وقفت صامتاً لا أستطيع النطق بكلمة واحدة، فقد تأكد لي أن دميانة تحب أنطونيوس، وأنني مهما فعلت فليس لي نصيب منها سوى الأخوة على أفضل تقدير، هززت رأسي وابتلعت أفكاري في جوفي وأنا أشاهد أحمد ونائل منبهرين بذلك القديس، وفي النهاية تساءلت دميانة الوقت الذي التقطوا له صورة بهذه الملابس، فلابد أنه قد ذهب بها إلى هناك من قبل، فقلت لها أن أنطونيوس  كان قد ذهب مع تريزا إلى الكنيسة للسؤال عنها، فما كان منها إلا أن تركتنا وذهبت لتوقظ أمهاسائلة عن ذلك، فقالت تريزا أنها والقس أنطونيوس ذهبا لأسقف التحقيقات كي يسألا عن اختفاء دميانة،  لكن أنطونيوس شعر بحركة غريبة في المكان، فطلب منها أن تخرج وتتركه وحيدا، وما أن خرجت حتى رأيت عددا من طوال القامة في طريقهم للدخول نحوه، فوقفت من بعيد ترقب ما يجري، لكنها رأت أنطونيوس بملابسه السوداء وصليبه الكبير يترنم بصوت واضح وجميل نشيد الأنشاد، حتى أن الكثيرين كانوا يرددون معه، ويمشون في معيته وكأنهم يحرسونه، فوقف طوال القامة ينظرون إليه بدهشة ولا يستطيعون الاقتراب منه، حتى وصل إلى باب الكنيسة، وبعدها لا أعرف كيف هرب منهم، لكنه اختفى وهم لم يعثروا له على أثر، ولم يكن أمام تريز سوى أن تغطي وجهي بيديها وتعبر من الباب الكبير في طريقها إلى البيت.
قالت تريزا أيضا أن أنطونيوس في ذلك اليوم لم يعد إلى البيت، ولم تره إلا كطيف في المستشفى وهي بين الحياة والموت، وأنها حين رأته أيقنت أن دميانة بخير، وأنها ستنجو مما وقعت فيه، فأغمضت عينها وراحت تدعو الرب أن يكون في معيته. 
 
* أديب من مصر، النص فصل من رواية  لم تُنشر بعد.