إكتئاب

محمد بنعمر*

- أنوب عن المعلم الذي يستفيد من إجازة مرض . قال المعلم الشاب لآباء التلاميذ الذين أتوا لإستقباله في ساحة قرب المدرسة .

المدرسة هي عبارة عن قسم يجثم  على أعلى هضبة ، وللوصول اليها يجب عبور أرض خلاء.
- مسكين ، نتمنى أن يتعافى عاجلا  . كان يبدو بصحة جيدة ، ولكنه كان غريب الأطوار ،  كان يتفادى الحديث إلينا و إلى إمام المسجد الذي كان يتقاسم معه "الملح "، وكان دائما حزينا، حتى في القسم كان يبدو غائبا .
عند سمعه إمام المسجد تجهم وجهه ، وتساءل إن جاء للتدريس أو للوعظ .
- بماذا يعاني ؟
- لديه إكتئاب .
- وماذا يعني الإكتئاب ؟
- يعني انه سئم وتعب من كل شيء.
- نتأسف معه ، لم يتحمل فراق أهله ، وحياة البادية لم تسعفه . ونتمنى لك حظا سعيدا ، ولا تتردد إن  إحتجت أي شيء ، لقد حضرنا لك غرفة في المسجد وتتقاسم معه الأكل الذي يوفره أهل البلدة .
المدرسة تتكون من قسم واحد ، جدرانه مقشرة ، سقفه من قرميد مشقق ، قوائم الطاولات مصدات وبعضها عرجاء والسبورة فقدت لونها .تنهد بعمق ، وتمعن في التلاميذ بأسمالهم ، وهمس في نفسه " على الأقل إن ساعدتموني أنتم سيكون مصيري أحسن ممن سبقوني.
بعد حصة الدرس ، بقي وحيدا يتمعن الجدران وينصت للسكون الذي يتخلله نباح كلب أو خوار بقرة . بين الجدران  شعر  بأنه سجين ، متهم لقيامه بواجبه . أحس بهواء البادية يخنقه وتمنى لو أن الدرس لم ينته  .
أغلق القسم واتجه نحو مسجد المدشر ، مكان إقامته . لم يكن بعيدا عن المنازل المحاطة بأشجار الصبار .السماء بدأت تحمر وبعيدا أعلنت الشمس غروبها .
عندما عبر المعلم عتبة المسجد وجد الإمام يتوضأ . خمسيني ، قوي البنية لأن يكون فقيها .إستقبله مبتسما .
- مرحبا بك في بيت الله . نحن الإثنين ضيوفا فيه . الله لا يخيبنا إن كنّا ممتنين له وأتقياء. أهل البلدة كرماء وإن لم أرآهم كثيرا . لا تشغل بالك  بالأكل ،  يشرفني أن نتعايش هنا ، وهذه الحجرة ستكون مرقدك .
دخل الى حجرته المفروشة بحصير  من القش ، ونشر كيسا للنوم جلبه مع حاجياته . وبعد مدة تفكير نزع حذاءه وخرج الى ساحة المسجد ليتوضأ . تذكر آخر مرة دخل مسجدا ليصلي . كان ذلك  منذ سنين .
بعد الآذان ، انتظرا المصلين الذين لم  يأتوا .  لكنهم  أرسلوا العشاء . أقام المعلم الصلاة وصليا ثم تعشيا . أعد الإمام كأس شاي وتجاذبا أطراف الحديث على ضوء شمعة مترنح . ولَما لاحظ المدرس مضيفه يتثاءب ، ودّعه و دخل الى غرفته المظلمة . إنسل داخل كيسه . أحس كأنه في قبر والكيس مثل كفن .

* قاص من المغرب.