إعاقة...

ميلودة عكرودي*

تتدحرج ساعات النهار في هذا اليوم الماطر إلى المساء وهي ما  زالت تقضم قطع سحائب الضباب فوق قنطرة روايتها.

سألها بنظرة تمتطي صهوة القلب الشغوف، لماذا تقرأ خالتي كثيرا، ولماذا تكتب؟
ارتطم السؤال بجدار تفكيرها الغافل عن استكناه جلال الحقائق، فارتدت من غفوتها والتفتت إلى أختها بجانب الفوتوي "الأنيق" تحاول أن تستجدي منها جوابا، ابتسمت المبحرة في عالم روايتها ولم تجب . بعد حين تنفست رائحة القهوة المعطرة بمنزل الجارة ، وبدأت الحديث قائلة: علي إتمام هذه الرواية بسرعة أرغب في بدايات جديدة ، لنقل نهايات جديدة ، سأنزلق إلى وسط المدينة للعثور على شوكة جديدة أغرسها في حلق الوقت.
عبرت الشارع الكبير وهي تحاول نسج خيوط إجابات حقيقية لسؤال كبير من طفل صغير،  جالت بنظرها في شوارع المدينة وجدت مقهى منزويا في ركن كئيب بعيد عن الصخب المتجدد الذي ترضعه الحياة مآسيها المستمرة، طفلة عنيدة، تعبر الشارع تمسك جلباب أمها من الطرف الأيسر وتلتفت إلى بائعة السكاكر في تعنت، وقبل اختفاء المشهد في الضفة المقابلة، تدخل سحابة شتوية متاهة الانهمار فتغازل معاطف المارين في شبه اختلاس أنيق للحظات يطارد بعضها البعض ، فتتأهب المظلات المختلفة للانتفاخ ، إنها جنود احتماء ماكرة تحرمنا متعة الانتشاء بطعم ورائحة البلل المفاجئ.
تجلس كعادتها في هدوء داخل المقهى وتستمتع بمشاهدة المارين على وجع السنين يحلمون بمشاريع الغد، يودعون يومهم إلى ذاكرة الماضي في لحظته الأخيرة، ترتشف جرعات القهوة كعلاج من روتين دائم ومع كل جرعة تنفخ روح الكافيين الناعم حيوية جديدة في أعماقها تستعيرها للخلايا العصبية التي تتنفس كافيين القهوة ونغمة الحرف.
الإدمان عى القهوة كالإدمان على القراءة ،مع كل قهوة قصة جديدة، ومع كل رواية حياة جديدة وكلاهما يكتبان قصة حياة.
تنهي قراءة الرواية وتجد لها على سبيل الافتراض الحالم نهاية مختارة ، تحب النهايات المفتوحة على كل الاحتمالات الممكنة ، لذلك فعادتها عند اختيار الروايات قراءة خواتمها،تدخل عوالم الأحلام المشوقة وهي تنسج النهايات العجيبة ، وتحكم الربط بين نقطة البدء الأولى وانتهاء الأحداث وتكسير جوهر الزمن وإلغاء ضيق المكان، وتحويل صراع الشخصيات إلى حركة دائبة وبئر تغرف منه الدلاء أسمى القيم الإنسانية.
تتجول حيث الصخب الذي يمليها فكرة مقتنصة ويشعرها بنعمة الانزواء داخل حصار الهدوء. ترتدي معطفها الشتوي وتغادر المقهى وعالم الرواية المتخيل إلى واقع مروي تتمثل شخوصه وعوالمه كيفما تشاء، تقف كعادتها عند بائع الصحف في "كشكه" الصغير ، تختار هذه المرة رواية غربية مترجمة في ثلاثة أجزاء ويمنعها الغلاف البلاستيكي الملفوف حولها من قراءة خواتمها، وتقرر بدافع الفضول المغري شراءها ،وفي استيقاف لحظي للزمن تتجاذب أطراف حديث بارد مع البائع لتخفيض الثمن وتنظر إلى المتجر المجاور. أحذية الشتاء تغريها هي الأخرى بالإقتناء ،. لكن عالم السرد يأسرها. لذلك فالصراع في معركة الاختيار سينتهي لصالحه، يتناول البائع المبلغ المالي بعد نجاح مفاوضة عقيمة وفرت فيها بعض الدراهم،  في ركن قصي تسرق أنظارها جلسة مستوية ناعمة لرجل تبدو عليه علامات إعاقة ذهنية، في عجل تضع الرواية في حقيبتها اتقاء مطر الشتاء الذي بلل الأرجاء، تنمنم بدرس يعبر التاريخ عبر المدى الواسع وبقيم تسلك جداريات الروح، الرجل المعاق التمس من البائع إعطاءها الكتب مجانا لأنه رآها تحمل حقيبة مدرسية فلم تمنعه إعاقته من الربط بين عناصر الصورة التي تشكل لوحة الموقف التعبيري وجرأته، كي يدرك أنها لا تملك ثمن الرواية التي أثارت بواعث الإعجاب لديها..
تتضارب العديد من الصور في ذاكرتها وتحدق فيه مليا ، وتنهمر دموع من عينيها وتدرك أن نهم النفس الإنسانية، مكر الطباع، جبن المواقف هو أكبر إعاقة في الوجود، تصبح معاقا حينما تتوفر على إمكانية إحداث التغيير ولا تقف لتحدث التغيير ولا تقف لتحدث نفسك بضرورة الانطلاق، بل تتابع في لامبالاة المسير بيرود ولا انتماء وارتدّت إلى سؤال الصغير تحاول أن تعثر على جوابات الحقيقة له.
صغيري نقرأ لكي لا نصاب بإعاقة في الروح، نقرأ لننير أعماقنا حتى لا تصدأ كبواخر عتيقة في موانئ النسيان، نقرأ لنعي أوضاع الغير، آلامه آماله ونشاركه شغفه بالبسيط على قدر الاقتدار.
نقرأ لكي نحيا، ونكتب لنحاور الحياة حتى لا نصاب بإعاقة فكر ترسلنا إلى دهاليز يتلاشى فيها الجسد، وهذا الشوق إلى صقل ضفاف المادة بتطهير الروح هم ما يجعلني أدمن جرعات القهوة حتى لا تنفجر رأسي المحشوة بخراطيش الأفكار.
وغدا صغيري أرى ولع القراءة سينتقل إليك تباعا، سترثه مني.
وسترسم بقلم الرصاص الذي أقتنيه لك كلما كسرت أو ضيعت القديم ، قصورا بنوافذ واسعة لك وحدك تعبر منها إلى جنان الضياء،ستنشئ بما نقرأه كونا فسيحا كلما أقفلوا حساباتك في شاشات العمر.
 
* كاتبة من المغرب.