إعادة التفكير في الفلسفــة

حوار مع باتريك فوتلينغ* 

 
أجرى الحوار: شارل غيول
ترجمة: الحسن علاج **

يعتبر جل الفلاسفة، في تصور نيتشه Nietzche) (، الذين سبقوه على وجه التقريب، قد شيدوا فكرهم على أحكام مسبَّقة، وقبل كل شيء حول الفكرة التي تعتبر في نظره فكرة وهمية والقائلة بوجود " حقيقة ". سوف يقوم باتريك فوتلينغ Patrick Wotling) (بأن يشرح لنا كيف أن ذلك المهاجم الكبير للتقليد المثالي الأوروبي قد رغب في تغيير طرق التفكير، ومن خلال ذلك أساليب الحياة. 

* لم يكن نيتشه فيلسوف تكوين. وفق أي مستوى من الدقة تعرَّف على الفلسفة القديمة والحديثة التي قام بمهاجمتها في وقت واحد؟
لقد قام نيتشه، بالفعل ، بدراسة الفيلولوجيا وتدريسها ، والتي كانت تعتبر في القرن التاسع عشر تخصصا رائدا في قلب الجامعة الألمانية ـ وهو تقريبا ما يسمى بفرنسا بالآداب الكلاسيكية، دراسة النصوص الإغريقية واللاتينية . كذلك فقد اكتسب معرفة خاصة بالفلسفة اليونانية : باعتباره أستاذا للفيلولوجيا بجامعة بال Bale) (، فقد قدَّم دروسا عديدة حول أفلاطون وما قبل السقراطيين ) الذين كان يلذ له تسميتهم ب" ما بعد الأفلاطونيين " (. ومنذ مراهقته بكوليج النخبة ببفورتا Pforta) (، ثم بالجامعة ، مدفوعاً بعطش ثقافي ، فقد قام بقراءة فلاسفة آخرين ـ لم يكن له طبعا بهم معرفة عميقة جدا، تقنية جدا، مثل الفلاسفة اليونانيين. إن ثقافة نيتشه الفلسفية هي أبعد ماتكون إذن عن كونها سطحية. لاسيما وأنه أدرك في وقت مبكر جدا تماما الرهان النوعي للتفكير الفلسفي، وقد اقتنع بأهميته. الشيء الذي سيدفعه شيئا فشيئا للتخلي عن الفيلولوجيا ـ مع الاستمرار في تأمين دروسه بJ[جامعة] بال ،إلى حدود إجازته النهائية من الجامعة لأسباب صحية سنة 1879 .
 
* هل من العدل القول أن إعادة اكتشاف شوبنهاور قد لعبت دورا حاسما في دخوله الفلسفي؟ 
إن فكر شوبنهاور  الذي قال أنه اكتشفه على وجه الصدفة وهو يبلغ من العمر 21 سنة ـ مُؤَلِّف [كتاب] العالم كإرادة وتمثل )1819 ( الذي وافته المنية منذ خمس سنوات ـ ، منقبا في واحد من أعماله في رفوف مكتبة، لم يتأثر باستمرار بذلك على المستوى المذهبي: وعلى الفور ،اكتشف نظرياته العبثية التي ، لا تستقر على حال. وحتى أنه سوف يكتب أن شوبنهاور " أخطأ في كل شيء ". بيد أن اكتشاف شخصية هذا الفيلسوف، مساره الثقافي المناهض للنزعة الامتثالية والمنعزل، قد شكلت بالنسبة إليه صدمة، كشفا . افتتن نيتشه الشاب بجرأة روح ذلك الذي جهر،  في مجتمع ألماني  ما زال خاضعا للنفوذ الديني، بإلحاده، مهاجما هيغل وفيخته، مُعَلِّما التفكير في ذلك العصر، قد قضى على طموحاته في التدريس الجامعي. لقد تأثر الطالب نيتشه، الذي سبق له أن ازدرى ما سوف يسميه ب" غريزة القطيع " للجامعة الألمانية، التي تردد كثيرا في التشكيك في الأفكار المهيمنة،ببسالة ذلك " العقل المتحجر ".وسوف يصير حتى النهاية متأثرا بالصدق الثقافي، والحاجة إلى جذرية ما  يدعوه في مقدمة جنيالوجيا الأخلاق بشوبنهاور معلمـ[ـه] العظيم " سطور قليلة فقط قبل أن ينتقد بشدة نظرياته ! 
 إنه يعتقد، من البداية، إذن أن الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي يتوصل إلى أن ينأى بنفسه عن الآراء ولاسيما القيم السائدة من أجل مساءلتها. وهو ما يعتبر، في الصميم، الهدف الذي يكرس كل الفلاسفة القدماء والمحدثين حياتهم له، بدءا بأفلاطون ؛ لكن نيتشه، وبشكل سريع جدا، يعتبر بأن الغالبية العظمى منهم [الفلاسفة] مع استثناءات نادرة جدا ـ وبخاصة، شوبنهاور ـ ، قد عملوا على خيانة تلك الحاجة الملحة. 
 
* على أي أساس يستند ذلك الإثبات الذي يعتبر على الأقل إثباتا جريئا ؟ 
شرع نيتشه بطريقة نسقية في الكشف لدى أفلاطون، الذي يعرفه حق المعرفة إذن، عن سلسلة أحكام مسبَّقة لم تتم مساءلتها. عاملا على بسط نقده وفقا لزوايا مختلفة، وقد أشار إلى أن تفكير الفيلسوف الإغريقي، الذي يصف مع ذلك الفلسفة مثل عِلم، أعني مثل رفض لا رجعة فيه لكل فرضية مسبَّقة، يستند في واقع الحال على عدد معين من الاعتقادات اللاعقلانية، ذات " قيم " تم استنباطها حتى تصبح لاواعية. وأهم اعتقاد من بين تلك الاعتقادات، تشييد الفكر الأفلاطوني ، هو فكرة وجود " حقيقة ". لم يكن ذلك سهلا في ذلك الوقت: لم تشكل الحقيقة، كما بين نيتشه في ولادة التراجيديا، قيمة أساسية في ال" ثقافة التراجيدية " التي هيمنت في اليونان قبل أفلاطون؛ ثم إن المفكرين ماقبل السقراطيين كانوا أكثر قربا من نموذج الفنان منه من الفيلسوف بالمعنى الذي نفهمه عادة.
  كل شيء تغير إذن مع أفلاطون، لأنه  بسبب تأثيره المعتبر في الفكر الغربي، فإن فرضية وجود حقيقة موضوعية سوف تقوم منذ قرون إلى حدود فترة نيتشه، بصياغة الجدل الفلسفي بطريقة حاسمة :منذ أرسطو، تم بشكل نهائي تشبيه الفلسفة بالبحث عن الحقيقة. ووحدها سوف تتنوع، منذ ذلك الحين، الطرائق المطبقة من أجل بلوغ ذلك. 
 
* ذلك هو إذن مجموع التقليد الفلسفي الغربي الذي يسعى نيتشه إلى رفضه ؟ 
ومع ذلك فهو يصف عمله، في هذا هو الإنسان بخاصة ، مثل مقاومة للنزعة المثالية، التي لا يزال ينعتها ب[مقاومة] " أخلاقية "، من نوع القيم التي يفضلها. أعني ضد الثقافة المهيمنة لأوروبا المستندة إلى قيم " زهدية " محمية من قبل أفلاطون ، القيم المتعالية على الحقيقي والخيِّر التي قادت الفيلسوف الأثيني إلى إثباتها للمرة الأولى بوجود شيء وراء الإحساس ، الذي يفضله . ضمن هذا المنظور ، فإن كل ما يصدر عن الجسد ، الأهواء، يعتبر سيئا ينبغي مجاوزته ؛ وضمن ذلك المعنى ، كما يقرأ لأول مرة في فيدونphédon) (، قبل مونتاني بكثير، " التفلسف ، هو تعلُّم الموت " ـ كما أن نيتشه يجعل من أفلاطون ال" ثَّلاَّب الأكبر للوجود ". دعونا نشير بشكل عابر أنه بإدانته للتأثير الحاسم للأفلاطونية في الفكر الغربي، ترك نيتشه المجال الفلسفي تحديدا بما أن نقده يشمل كما هو معروف المسيحية، والتي لا يرى فيها سوى " أفلاطونية من أجل الشعب "، رؤية أكثر عدوانية، متوغلة في الضغينة، لفكر أفلاطون الذي يبث فيه القيم الزهدية بعد محو أبعادها الميتافيزيقية. 
 على أنه من أجل العودة من جديد إلى نقد التقليد الفلسفي من قبل نيتشه، ينبغي التأكيد على أصالته. فقد كان الحوار بين الفلاسفة يكمن، إلى ذلك الحين، فقط في مجادلة الأفكار والطرائق. فقد كان يعقد العزم على التشكيك في الأساس ذاته لكل فلسفة، على أي حال [التشكيك] في كل فلسفة كما تمت ممارستها منذ أفلاطون. موقف جذري أيضا تلك الرغبة في إعادة تأسيس الفلسفة، لم يسبق له مثيل من قبل . 
 
* ألم يسبق لديكارت في القرن السابع عشر، بمحاولة الانطلاقة ـ بفكره من الصفر؟ 
*بالفعل، يُقال حسب العرف أن ديكارت جسد بداية جذرية جديدة في الفلسفة. لقد جَدَّ في غض النظر عن كل الآراء القديمة، وعلى هذا النحو ، فهو يعتبر محاورا آخر لنيتشه ـ أفلاطون ثانٍ إلى حد ما. فبعد أن درسه عن قرب ، سيتوصل إلى قول أن ديكارت يعتبر " سطحيا ! " وبالتأكيد ، فإن المنهج الديكارتي يسبر غور كل الآراء... على أنه بالارتكاز على الدوام على تلك المسَلَّمة القائلة بوجود الحقيقة، [وهي مسلمة] قابلة للتبرير وأفضل من نقيضها. ومن الواجب إذن السعي وراءها. فهو حتى وإن كان يقدر فكره ويثمنه، فإن نيتشه يستخلص إذن بأن ديكارت فشل هو الآخر بالترحيب بضرورة الجذرية الفلسفية. فهو لم يكن جذريا كفايةً، لم يمتلك القدرة " على الإلقاء بنفسه في الوحل "، كما كتب نيتشه في [كتاب] فجر. 
 
* إذا كان الهدف من الفلسفة، بالنسبة لنيتشه، ليس هو البحث عن الحقيقة، فماذا عساه يكون ؟ 
بإدانة " القيم الخاطئة "، فقد كان يسعى إلى التشكيك في الثقافة، أساليب العيش التي أسهمت في إنشائها. لأنه  يشرح القيم الزهدية تؤثر بطريقة لاشعورية على الاندفاعات pulsions) (، غرائز الأفراد، عاملةً على الخصوص على كبت الاندفاعات الخلاقة لصالح البحث عن الحقيقي والخيِّر. ففي أوروبا، كان من شأن انتصار المثالية أن يساند هيمنة نموذج معين للرجل، النموذج " الأخلاقي " للعالم والكاهن، الذي يرى فيه شكلا لحياة واهنة. لأنه لدى الرجل الأخلاقي، أعني لدى الرجل الغربي بشكل معمم جدا، يشخص نيتشه إرادة لموت كامن: رفض المحسوس، الاحتماء بالعوالم الماورائية للمثالية، تشهد تبعا له عن رفض لا شعوري للوجود. 
 مكرسا كل جهوده في سبيل إصلاح الغرائز المثبتة والخلاقة ضمن البشرية، كان نيتشه يعتبر نفسه مثل " طبيب للثقافة " . إن فكره هو إذاً أبعد ما يكون عن مجرد نقد فقط ؛ إن الهدف النهائي للفلسفة النيتشوية هو الاضطلاع بوظيفة إصلاحية، علاجية. 
 
* يعتبر نيتشه نفسه أنه الوحيد القادر على إنجاز مهمة معينة ؟ 
لم يكن يطمح في يوم من الأيام أن كتبه تكفي لإنقاذ البشرية. لقد أكد نيتشه في أكثر من مرة في عمله أن الحركات الأكسيولوجية axiologiques) (، أعني تطور القيم الأخلاقية، هي غاية في البطء في التاريخ ـ ما عبر عنه أيضا  في هكذا تكلم زرادشت ، حينما قال على لسان النبي أنه لا بد من ألف سنة كي يتم التأثير على القيم. ولذلك أراد على وجه الخصوص إعطاء دفعة، ملتجئا في ذلك إلى متعاونين وورثة. 
  على أنه لا وجود لتلامذة حقيقيين يرغبون في مواصلة عمله. كيف تفسرون التناقض بين التأثير الكبير لنيتشه وحقيقة أنه لم يقم بإنشاء مدرسة ؟ 
خلال فترة حياته، بيد أنه لطالما كتب، قبل أن يصاب بالحبسة العصابيةmutisme) (، فقد كان أكثر عزلة كي يحمل ذلك على محمل الجد. وفي ظل سيادة المثالية المميزة للفكر الألماني، فقد ابتدأ نقده القاسي جدا لأوثان العالمَ الجامعي، لكانط وهيغل، الذي يتهمه بغياب الاستقامة الفكرية من أجل مضاعفة المسلَّمات، لم يكن من نوع إحداث تعاطفات في الوسط الفلسفي. وعندما، في منعطف القرن العشرين، ذاع صيت فكره، وانتشر بسرعة لدى جمهور عريض ، ثم أسيء فهمه بشكل عام بمعرفة مشوهة من قبل إيديولوجيين من كل جنس، قبل اختلاسه من قبل النازيين وجعله لفترة طويلة [فكرا] مستحيلا. منذ عشرات السنين، واصل غالبية الفلاسفة التفلسف في جهل مطبق لفكر نيتشه، وانطلاقا من الستينات )1960 ( فقد تطورت  في غياب مدرسة نيتشوية بحصر المعنى، تقاليد فلسفية نيتشوية ـ قبل كل شيء بفرنسا، حيث انذهل عدد كبير من المفكرين البنيويين وما بعد البنيوييين بالتجديد الجذري للفكر الذي اقترحه نيتشه. على الرغم من ذلك، فإن دولوز أو فوكو ، على سبيل المثال لا الحصر ، لم يكررا المناهج مثلما هي، الجهاز المفاهيمي النيتشوي ـ إن " أركيولوجية " فوكو، التي تهاجم الخطاب أكثر من مهاجمتها للقيم، ليست هي " جنيالوجيا " نيتشه. لأنه وراء التفسيرات التاريخية، الطارئة، يجد غياب ورثة مباشرين ربما تفسيره في بادئ الأمر كون أن نيتشه قد رفض على الدوام إقامة نسق أفكار، منظم وصلب، كان بإمكان الآخرين استعادته. لأن كل تشكل مغلق لتنظيم الفكر يعكس بالنسبة إليه غيابا للنزاهة، عدم استقامة فكرية، كون أن الواقع على الدوام أكثر تعقيدا من أي نسق يمكن أن يحكي عن ذلك. 
 
* هل هذا هو السبيل لفهم اختيار كتابة فلسفية استثنائية، تجعل من قراءة نيتشه تجربة فريدة، مبلبلة أكثر منها جذابة ؟
*فإذا كان، في جل أعماله، يختار الكتابة على شكل جوامع الكلم، أقوال مأثورة، وفي جميع الأحوال فقرات مستقلة ـ فحتى في [كتاب] جنيالوجيا الأخلاق، الذي يتم تقديمه على شكل أكثر أكاديمية حسب الظاهر لتتابع مقالات ثلاث ، فهو لم يتوقف عن القيام باستطرادات، وهو ما ينتج في الأخير مفعول الانقطاع ذاته ـ ، لأنه في واقع الحال يرفض بناء نسق، فقد كان يسعى إلى منح فكره حرية معينة. فقد عاب عليه العديد من الشُّرَّاح تناقضات بين بعض الفقرات؛ على أنه لو تم القبول بعدم وجود حقيقة موضوعية، إذا كان الواقع تأويليا، الشيء الذي يشكل مفتاح الفكر النيتشوي ، فلا يمكن أن تكون هناك تناقضات بالمعنى الدقيق للكلمة ! 
تجد تلك الحرية تفسيرها باللجوء إلى الكتابة الشعرية ، في هكذا تكلم زرادشت بطبيعة الحال، كذلك على سبيل المثال في مقدمة وخاتمة المعرفة المرحة. فقد قال نيتشه عن زرادشت أن الأمر يتعلق بالنسبة إليه بالموسيقى: تسوغ له تلك الكتابة الغنائية، الانفعالية، التعبير عن يقينه الذي بحسبه يعتبر المنطق الجوهري للواقع إبداعا. وبالإيحاء بأن الفلسفة، وهي تقتفي مهمة الابتكار في نظام القيم، هي شكل من أشكال الشعر. 
 
(الصورة المنشورة لفريدرك نيتشه).
 
مصدر النص: المجلة الأسبوعية الفرنسية (Le Nouvel   Observateur)عدد ممتاز تحت رقم : 93 خصص لنيتشه ، شتنبر ـ أكتوبر 2016 
*باتريك فوتلينغ : من قدماء تلاميذ المدرسة العليا للأساتذة، أستاذ فلسفة بجامعة ريم شامبانيا ـ أردينا Reims Champagne – Ardenne ) (. متخصص في الفلسفة الألمانية ، وبشكل خاص في فكر نيتشه ، الذي خصص له العديد من الأعمال منها : نيتشه وقضية الحضارة (puf , 4 édition 2012) ، فكر الطابق السفلي  Allia, 3 éd. 2016 ) ( ، فلسفة العقل الحر . مدخل إلى نيتشه Flammarion , collection «  Champs Essais »,2008) وأيضا معجم نيتشه (Ellipses , 2013 )، باشتراك مع سلين دونات (Céline Denat ) . وقد عمل أيضا على ترجمة العديد من أعمال نيتشه بدور نشر فلاماريون وكذلك بدور نشر   كتاب الجيب . عمله الأخير، " نعم ، لقد شكل الإنسان بحثا " ، فلسفة المستقبل بحسب نيتشه ، سوف يظهر في هذا الخريف )2016( بدور نشر بوف . 
 
** مترجم وباحث من المغرب.