إشهار الجوع

حسين السنونة * 

 
لقب "مشرد" يحمله معه أينما كان، كاد ان ينسى اسمه واسم عائلته، من مكان الى مكان ومن حي الى حي ومن شارع الى شارع، حتى حفظ أسماء المدن والشوارع ووجوه المارة وروائح النساء. يبحث عن شيء يأكله، هذا هو الهدف الذي يسعى لتحقيقه منذ الصباح حتى وقت رمي جثته في أي مكان للنوم .. ان يأكل شيئا ، بقية طعام عائلة، شيئا في الطريق، او أن يستوقفه انسان ما في طريق ما ويمنحه شيئا من الطعام. كان يختار أماكن كثيرة ليحصل على طعام مثل مناسبات في أماكن مفتوحة للتجمعات العائلية او الشبابية، او قمامة قريبة من المطاعم يرمي الكثير من الاكل فيكون هو في الانتظار ويشبع بطنه وينام مرتاحاً فقد حقق الهدف.
 قدماه تأخذانه من مكان الى اخر، ومن خلال الثلاثين سنة عرف الكثير من اسرار الوطن وخبايا العوائل الغنية ومغامرات الشباب والشابات، ولكنه لم يهتم بكل ذلك، فهو يسعى لهدف واحد ونهائي يراه اسمى من كل ذلك ، اشباع البطن و والحصول على مكان يرمي جثته فيه لينام. كان يقوم بطقوس قبل النوم يطلع على بعض الصحف التي جمعها معه من الشارع والقمامات فيكون له نصيب من الضحك والتسلية ..وزير التغذية يموت في الصحراء جائعاً. وزير المعاشات يخسر في البورصة. مكافحة التسول تعد برنامج للقضاء على الظاهرة. موت أربعة مشردين بسبب موجة البرد. ثم يضع يده اليمنى تحت رأسه ويردد الدعاء للناس بالخير وللنظام بالعدل والمساواة ، وكان كثيرا ما يكرر ان النظام والمسؤولين بكل تأكيد مشغولون بقضايا مهمة وحساسة تتعلق بامن المواطن والوطن .. كان الله في عونهم يختم طقوسه ويسلم نفسه للنوم.
في احدى الأيام ومن الصباح حتى المساء لم يحصل على شيء يأكله حتى توقف بجانب مطعم حلويات،  وبالمصادفة كان المطعم وعبر الزجاج الخارجي يعرض نوعاً من  انوع الكيك ذات الحجم الكبير والمتعدد الألوان : الأبيض والأحمر والاصفر والبرتقالي معروض بشكل يثير الشهية مما جعله يقف بشكل عامودي صلب ويحذق وكأنه أول مره يرى بعينيه، وعرف ان هناك شيئا اسمه الاحساس بشهية الأكل مما يعني انه مازال من ضمن الأصناف البشرية التي تمتلك الاحاسيس ، وخاصة وهو الجائع المشرد، خرج صاحب المطعم يطلب منه الابتعاد بعد ان رآه قد  أطال وقوفه خلف قطعة الكيك التي تعرض لأول مرة ، ابتعد لكنه عاد خلال ثوانٍ ما ان انتبه لدخول صاحب المطعم ، لكن هذا  رجع له وطلب منه بصوت مرتفع الابتعاد وهكذا تكرر الموقف اكثر من مرة ومرتين وثلاثة واربعة، وفي الخامسة وصاحب المطعم يطلب منه الابتعاد بطريقة استدراجية حتى جاءت الشرطة وقبضت عليه.
في المحكمة حكم القاضي السمين عليه بالسجن ثمانية أشهر  بتهمة اشهار الجوع مما يؤثر على الذوق العام وسمعة الوطن خاصة وان المنطقة معروفة بانها منطقة سياحية مهمة !
.. ابتسم المشرد
القاضي:( موجهاً كلامه للمشرد) تبتسم على الحكم ام عليَّ،  ام على نوع التهمة ؟
المشرد: أبداً سيدي القاضي، ابتسم لأنني خلال ثمانية أشهر لن احمل هم الاكل وهو ما يهم بطني، ولا مكان للنوم وهو ما يهم جسدي.
 
* أديب من السعودية.