أُقسم إِنِّي خفتُ كثيراً

خالد السعيد*

 
لا أملكُ شيئاً  لنَفسي ،لكني خِفتُ كثيراً / تَذكرتُ موعدي معكِ  وخِفتُ كثيراً / لمْ أَحلم بشيءٍ وقتها، أغمضتُ عينيّ ومشيت وخِفتُ كثيراً/ اقتربتْ قذيفة مِني، أَعرتُها نِصفَ انتبَاهي وخِفتُ كثيراً / خِفتُ مِن أشجارِ زيتون تُخبئ خَلفها رَجلاً لا يَعرفني ولا أَعرفه، لكننا ولسببٍ ما عَدوان، فخفتُ أنْ يَصرخَ بي صَوت بُندقيتِه؛ فَتصرخُ أُمي../ 
نَجوتُ "مُؤقتاً" .. ركضتُ، دُستُ عَلى جُثةٍ بالخطأ، وخِفتُ كثيراً/ 
انتبهتُ أنّها لمْ تَكن جُثة كَاملة، فخِفتُ أكثرْ / 
 
لمْ أملك لنِفسي شَيئاً.. جَلستُ إلى جَانبِ نِصف الجُثة أُفكرُ لِمن تَكون نِصفُ هَذه الجُثة؟ ونَسيتُ أَن أُفكرَ : أينَ نِصف الجُثة الثاني؟!.. 
وخِفتُ كثيراً.
*** 
 
وأيضاً خِفتُ كثيراً / تَخيلتُ بَأنَّ الرِيح تنقلُ هَواءَ الغُوطة و دُوما ( الهَواء الذي لمْ تصنعهُ السماء ) مِن الجَنوب إلى الشِمال فخِفتُ كثيراً / ثُم عُدتُ وتذكرتُ مَوعدي معكِ، وخِفتُ كثيراً / رَأيتُ البَنادقَ كَثيرة، مِثلَ الهَمِّ عَلى أَكتافِ الرِجال، وخِفتُ كثيراً / رَأيتُ الكاميرا تَعصرُ زيتونة لا عَربية ولا كُردية، فخِفتُ كثيراً / فَكرتُ بالقنّاص والهَوية والمُعلقات، وخِفتُ كثيراً / سَمعتُ صراخاً في الجبِّ فقرأتُ مُعوذة وَاحدة وثَلاثَ قَصائد في الحُبِّ، لكني خفتُ كثيراً / هَجأتُ كَلاماً مكتوباً على سُترة جندي عَلِقتْ في الغُصنِ، فخِفتُ كثيراً / وخِفتُ لأَني خِفتُ كثيراً 
أُقسم إِنِّي خفتُ كثيراً .. 
***
 
كنتُ أقفزُ مِثلَ جُندبٍ وأظنُ أَني أَخدعُ القنّاص/ 
ولأني قَد أَكونُ أَبطأ مِن رَصاصة وأَقلّ دَهاءً من جُندي بزيٍ ملونٍ، خِفتُ كَثيراً / لم أَتذكر مَوعدي معكِ اليوم، فخِفتُ كثيراً.
استعمتُ لأغنية Ahmet kaya : (أُمي لا تَبحثي عنَي هنا)، فخِفتُ كثيراً / 
إلهي لمَاذا كُتِبَ عَلينا أنْ نَحِنَّ لأمَهاتنا؟!..
إلهي لمَاذا يَشتدُّ عَلينا الحنَين في الحَربِ؟!..
نظرتُ إلى الترابِ أسفلَ قَدمي، عَكسَ التراب صُورةَ وجهٍ لمْ نَألفهُ ولمْ يَكن أبداً ظِلاً لنا.. صرختُ : هناك غريبٌ في دارنا، وخفتُ كثيراً. 
***
 
لا أَملكُ لنَفسي شيئاً، لكني خفتُ كثيراً / تَذكرتُ مَوعدي معكِ في لحظةٍ غَير مُناسبة، لحظَة جَاءتْ عَربة تَحملُ في صَندوقها ثَلاثة مَوتى فخِفتُ كثيراً / تَعمَدتُ النَظرَ في عَينِ أَحد الثَلاثة وعِندما التَقتْ العينَان ، عَيني وعَينه ، تَخيلتُه يَلعنني حَين اكتشفتُ خَوفهَ مِنَ الوِحدة في المَوتِ، فخفتُ كثيراً / اعتَدتُ أَن يُختَصر الحُزن بِثلاثةِ أَيامٍ، ثُمَ يُعاد المَسح عَلى الجُرحِ في الأربعِين. لكنَّ الحُزن هُنا اختُصِر بِالزمنِ الفَاصلٍ بَين قَذيفتينِ فخِفتُ كثيراً /
وخِفتُ على مَوعدي معكِ وخِفتُ عَلَيْكِ وعَليَّ مَعكِ، وعَلى قَصيدة كَتبتُها فَأخطأتُ في النَحوِ لأَني خِفتُ كثيراً / أقسم إِنِّي خفتُ كثيراً. 
 

Ahmet kaya 1 مغني تركي من أصول كردية

* شاعر سوري .