أولفا

Printer-friendly versionSend to friend
محمود الريماوي*
 
عاملة البيت التي ما زالت تسمى خادمة، وقعت مغشية عليها ذات ظهيرة. 
 كانت العاملة الآسيوية ترافق عائلة مخدوميها المكونة من  الزوج وزوجته وطفل وطفلة، إضافة الى شاب ثالث  ليس معلوماً إن كان شقيق الزوج ،أو شقيق الزوجة. العائلة مصحوبة بالعاملة كانت ترتاد مطعما سياحيا في ضاحية من  ضواحي العاصمة في شهر حزيران، ولم تكن الحرارة شديدة آنذاك، علاوة على أن المطعم مزود بالتكييف المركزي.. وقد استغربت العائلة بشدة وقوع عاملتهم الشابة التي  ترفل بصحة جيدة ، فهي على امتلاء ظاهر  وتتغذى جيدا من  البقايا الوفيرة لأطباق العائلة وأحيانا بطبق خاص لها، وليست محرومة سوى جزئياً وأحياناً من تناول الفواكه والحلويات.  وما زاد من استغراب العائلة وخاصة الزوجة أنه لم يسبق لأولفا وهذا هو اسم العاملة أن  شكت من أعراض الدوار، أو من تعب عام.  الزوجة سارعت الى سحب البيرفان من حقيبتها أمامها وأخذت ترش منه على أنف العاملة وفمها وعينيها، ومدير المطعم  هرع من فوره بخطى واثقة لكنها سريعة،  وقد شعر بارتباك  فليس جيداً لسمعة المطعم أن يقع أحد من رواده مغشياً عليه حتى لو كان خادمة. ولحسن الحظ فقد استيقظت أولفا غارقة في الخجل والذهول وعلى أهبة البكاء، ودعتها المدام للجلوس، وسكبت لها كوب ماء، ودعتها لتناوله وهو ما فعلته أولفا التي شربت الماء كله من الكوب. مدير المطعم تنفس الصعداء وأحضر للعاملة علبة عصير مجانية، وأولفا أعطت العلبة للطفل وهذا مد يده لتناولها فزجرته أمّه وسحب ذراعه. علبة العصير كانت مكافأة على استيقاظها من غيبوبتها التي دامت لدقيقتين أو ثلاث دقائق، لكنها كانت فترة طويلة وعصيبة على المطعم في ساعة الذروة ( الثانية والنصف بعد الظهيرة) حيث عمد المدير مع الزوج والزوجة الى التحلّق حول قامتها الممدودة على البلاط،وذلك لحجب المشهد عن بقية الزبائن، وبخاصة اؤلئك الذين كانوا يعبرون صالة المطعم في تلك اللحظات، لكن بعض الزبائن تنبهوا الى ما حدث من دون أن يتوقفوا عن تناول الطعام وتبادل الحديث.
في واقع الأمر أن أولفا استعادت حيوتها بعد الإفاقة،  وإثر جلوسها الى أقصى الطاولة على مبعدة مقعدين فارغين من مكان جلوس المدام ( تسميها أولفا ماما، والمدام الشابة  تتقبل التسمية على مضض، متنبّهة الى ما هو جيد في التسمية من ناحية التوقير والاحترام). أولفا تجلس على  مقعد المطعم  الى طاولة عائلة مخدوميها لأول مرة منذ ساعة ونصف الساعة. فقد أمضت الفترة السابقة ومنذ دخولهم المطعم وهي واقفة، حيث تناولت طبقها على عجل وقوفاً، ثم انهمكت في  إطعام الطفل وإطعام الطفلة للذين كانا يتجاوران على مقعدين متلاصقين. تُطعمهما وهي تتبسم ابتسامات  مصنوعة متعمّدة لتشجيعهما على تناول الطعام، وتُهمِهم لهما بكلام اعتادت على توجيهه لهما، وكان الطفلان وهما بين سن خمس وسبع سنوات يتبادلان الحديث،  ويُقبل واحدهما على تناول الطعام مرة من يد أولفا  ويشيح بوجهه مرات، وأولفا الواقفة خلف الطفلين تواصل التبسّم التشجيعي لهما. الزوج والزوجة لم يتبادلا كلمة واحدة مع اولفا سوى في بداية الجلسة، حينما دعياها لإطعام طفليهما. ولم يتوجّها اليها بنظراتهما سوى مرة أو مرتين، وكانت نظرات  شزراء ، أو لا معنى لها.
  مشهد أولفا وهي الوحيدة التي كانت تقف الى المائدة  في المطعم السياحي من دون أن تكون نادلة ، لم يلفت على غرابته انتباه أحد من الزبائن، فهؤلاء قدموا الى هذا المكان لتمضية أوقات بهيجة، وليس لمعاينة عاملة منزل بئيسة.
 الزبائن مثلهم مثل العائلة التي تخدمها أولفا، بل مثل أولفا نفسها.. آسيويون.. لكنهم من غرب آسيا، بينما أولفا من جنوب شرق آسيا. وهم على الأغلب الأعم مثلها: مسلمون. أولفا سقطت من الإعياء وألم النبذ، والزوج المُعتدّ بنفسه، مثله مثل الزوجة السعيدة بامتلاك خادمة، لم يعرفا أبداً لماذا وقعت خادمتهما، واحتراماً للمكان العام اللذين يتواجدان فيه بصحبة طفليهما والشاب الضيف، فقد كظما الغيظ، ونقما بشدّة على مكتب استقدام الخادمات الذي خدعهما، وأحضر لهما خادمة شابة، لكنها كما ثبت لهما، مريضة، وعزما على استبدالها في أول فرصة بخادمة أخرى.
 
* أديب وإعلامي من الأردن.