أهمية المكان في العمل الروائي (برهان الخطيب نموذجا)

مروج حسين عبدالله*

 لا جدال في أنَّ المكان من مكونات العمل الأدبي المهمة، فهو في الروايَّة بمثابة العمود الفقري الذي يربط أجزاء العمل بعضها ببعض والخلفيَّة التي قد تشكل الروايَّة التي قام لأجلها النَّص الروائي إذ أنَّه "يتخذ أشكالاً ويتضمن معان عديدة بل إنه قد يكون في بعض الأحيان الهدف من وجود العمل كله". حيث تسهم مهمته في تجسيد رؤى الكاتب وشخصياته لذلك فإنَّه لا يتوقف على أداء وظيفة جماليَّة محددة، إنَّما يتعداها إلى احتوائه لأبعاد دلاليَّة مختلفة باختلاف أنواعه التي تملي على الشخصيَّة الروائيَّة موقفاً ما فيتسع المجال للتفسير والتأويل.

ويبدو المكان حاضراً في العمل الروائي حضوراً يعكس رؤية وإيديولوجيَّة عامة يظهر من خلالها تعدد مظاهره وتباينها وهو ما يؤكده عبد الصمد زايد:"الحق أنك حيثما تولى بك النظر في الفن الروائي طالعك أثر المكان حتى لتكاد تقتنع بأن لا سبيل إلى الاستغناء عن دراسته إن شئتَ الإحاطة بصناعة الروايَّة إحاطة جيدة". ويبقى المكان عالقاً في ذهن متلقي العمل الأدبي متربعاً على ذاكرته ليعلن من خلال ذلك أهميته في العمل الأدبي.
إن قراءة الروايَّة رحلة فـي عـالم مختلف عـن العـالم الذي يعـيش فيه القـارىء، فمن اللحظة الأولى التي يفتح فيها القارىء الكتاب ينتقل إلى عـالم خيالي مـن صنع كلمات الروائي، ويقع هـذا العالم فـي مناطق مغايرة للواقـع المكاني المباشر الذي يوجـد فيه القارىء. فإذا كـانت الروايَّة فناً للزمانيَّة والذي يمثل الموسيقى مـن حـيث تكويناته ويخضع لمجموعة مـن المقاييس التي تضبطه فإنَّها من جانب آخر تشبه بعض الفنون التشكيليَّة من رسم ونحت في تشكيلها للمكان وهذا يعني إنَّ الروايَّة رحلة في الزمان والمكان على حد سواء. لأنَّ صناعة الزمان تقتضي عادة وجود المكان، بمعنى أنَّ تلاقي الزمان أو المكان في الروايَّة لا يعني التخلي عنهما وإنَّما يذهب بهما الروائي إلى رموز ودلالات أثناء تسجيل الأحداث. ولعل برهان الخطيب قد تمثَّل ذلك في رواياته، ففي روايَّة (شقة في شارع أبي نؤاس) بدءً من العنوان ذاته حتى الانتهاء من قراءة الروايَّة نجد المكان وقد شكَّل رمزاً للعراق كله في فترة زمنيَّة محدَّدة عام 1963 والتي كان لها تأثير كبير في تاريخ العراق، بل إنَّ وجود الشقة ذاته في شارع اشتهر عنه  شارع حانات وملاهٍ يبرز ما يمكن أن يُخبرَ عنه المكان في صورة غير مباشرة، من خلاله يخبرنا المؤلف قبل قراءة الروايَّة أنَّها تجسد حقبة  استثنائية خارج نطاق تاريخ العراق المحافظ المعتاد، فقراءة الروايَّة والاطلاع على ما فيها يوضح وبشكل ملفت جريمة اغتصاب واعتقال وأحداث تنتهي بانقلاب أواخر عام 1963 مؤثراً مباشرةً على شخصيات الروايَّة ومصائرهم، بل إنَّ تنوع تلك الشخصيات من كرديَّة وعربيَّة وطلبة لهم انتماءات سياسيَّة مختلفة يعيشون في مكان واحد، شقة واحدة، فالمؤلف يختارهم بعد تمحيص ليكونوا ممثلين للشعب العراقي هكذا يحمل المكان أقصى قدرة على استيعاب وظيفته الفنيَّة في دعم السرد وإيصال الأفكار إلى القارىء. 
ومـن جهة أُخرى لا يعيش المكـان منعزلاً عـن باقي عناصر السرد، وإنَّما يدخل فـي علاقـات متعددة مـع المكونات الحكائيَّة الأُخرى للسرد، وعـدم النظر إليهِ ضمن هذه العـلاقـات والصلات يجعـل مـن العـسير فهم الدور النَّصي الذي ينهض بهِ الفـضاء. الأمر نفـسه فـي روايته الكـبيرة الأُخـرى (بابل الفيحاء) أيضاً فـي سيـاق الكـلام عـن تداخـل عـنصر المكـان مـع المكـونات الحكائيّة الأُخرى للسرد حـيث نرى فـي قـصر النائب الملكي (ذياب القصير) يحـضر أو يعـيش أو يمـر (كلها أفعال خاصة بالمكان) معـظم شرائح وطبقـات الشعـب العراقي في فترة زمنيَّة تمثل انعطافاً في تاريخ العالم كله لا في تاريخ مدينة الحلة فقط أو العراق فقط، المقصود هنا فترة إعداد وتوقيع حلف بغداد الذي له امتداد وتأثير حتى اليوم في وريثه حلف الناتو، بل إنَّ روايَّة (بابل الفيحاء) يمكن اعتبارها روايَّة  الحدث العالمي المُعد محلياً أولاً، العنوان ذاته من شطرين: بابل أي التاريخ ضمناً المكان، يعقبه الفيحاء أي الحاضر أي الزمن ضمناً المستقبل، وما جمعهما في العنوان سوى لتأكيد امتداد الحدث الروائي من حاضنته التاريخيَّة، مدينة بابل الحلة، إلى حاضنته في الاتجاه المقابل أي المستقبل الفيحاء ديمومة الخير، المستقبل الزاهر... الخ. التاريخ يتحرك في المكان، قصر النائب (ذياب)، جلسات أهالي الحلة في حديقته، في المضيف، جوارها جلسات سُراة القوم، وقادة الأُمّة العراقيَّة، موظفي الحكومة، المحامي، رئيس البلدية، بين هؤلاء وأولئك تتحرك أحزاب في القصر سراً حسب طبيعة المرحلة، المعنى المقصود هنا يلعب المكان في هذه الروايَّة وغيرها من روايات الخطيب دور هيكل عظمي لبدن المجتمع العراقي. وهو ما وجدناه عند  نجيب محفوظ في رواياته  أيضاً إنَّما ليس بالوضوح الظاهر في روايات الخطيب، ذلك ربما لتطور تجربة الخطيب الروائيَّة التي تنطلق  من تجربة محفوظ ما يدل على أنَّ العمليَّة الأدبيَّة في عموم الوطن العربي متصلة متصاعدة، بل تتصاعد حين تكون متصلة، متفاعلة إيجابياً. 
ويرى (غاستون باشلار) أنَّ المكان ليس مجرد وعاء يؤطر الأحداث والأشخاص بل إنَّ علاقته بالإنسان جوهريَّة تلزم ذات الإنسان وكيانه لأنَّ وظيفة المكان ودلالته كثيراً ما تتشكلان من خلال علاقة الإنسان الخاصة به. "فالفضاء داخل الروايَّة ليس محايداً بل يعبر عن نفسه من خلال أشكال متفاوتة ويكتسب معان متعددة إلى الحد الذي نراه أحياناً يمثل سبب وجود الإنتاج نفسه". وهو في هذه الحال يتحول إلى محاور حقيقي ويقتحم عالم السرد محرراً نفسه من أغلال الوصف . 
أمَّـا (حسن بحـراوي) فيرى أنَّ المكـان عـبارة عـن شبكـة مـن العـلاقـات ووجهـات النظر التي تنسجم وترتبط فيما بينها لتشيد الفضاء الروائي الذي ستجري فيه الأحداث فالمكان بوصفه مكوناً أساسياً يُشكل عنصراً مهماً في البناء الروائي ينظم بنفس الدقة التي تنظم بها العناصر الأخرى في الروايَّة، لذلك فهو يؤثر فيها ويقوي من نفوذها إضافة إلى أنَّ المكان يُعبر عن مقاصد المؤلف وتغيير الأمكنة الروائيَّة سيؤدي بالضرورة إلى تغيرات على مستوى مجرى الحكي والمنحى الدراسي الذي يتخذه والمكان في الروايَّة هو مكان مجازي حتى وإن أشارت إليه الروايَّة أو عنته أو سمته بالاسم وليس هو نفس المكان المتمثل في الواقع الخارجي إذ يظل المكان في الروايَّة هو "المكان اللفظي المتخيل، أي المكان الذي صنعته اللغة انصياعاً لأغراض التخيل الروائي وحاجاته". وبذلك فإنَّ مكان الروايَّة هو مكان قائم في خيال المتلقي يتم بناؤه من خلال الوصف والقدرة الإيحائيَّة للغة وكنتيجة لتلك الطبيعة البنائيَّة اللُّغويَّة للمكان الروائي فإنَّه يكون أقل خضوعاً للصرامة الرياضيَّة والهندسيَّة وأكثر تفلتاً وخروجاً عن منطق الضبط، يساعده في ذلك حرية الروائي في تشكيله كيفما يشاء، عن طريق التخيل. فالروائي عندما يستعين بوصف المكان أو تسميته، فهو لا يسعى إلى تصوير المكان الخارجي وإنَّما يسعى إلى تصوير المكان الروائي، وما استعانة الروائي بالوصف إلا لإثارة خيال المتلقي. فلا مناص من القول أنَّ المكان الروائي (مكان متخيل) مُشكَّل من ألفاظ لا من موجودات أو صور، فهو مكان غير حقيقي ينشأ عن طريق الكلمات. ذلك رأي في المكان لا نتبناه تلقائياً، فالمكان الروائي يمكن أن يكونَ جغرافياً بحتاً أيضاً ويلعب دوراً أساسياً في تأثيث الروايَّة، نستذكر هنا كيف يصف الروائي الخطيب مدينة الإسكندرية كما تراها شخصيَّة (إبراهيم) في روايته (ذلك الصيف في إسكندرية) فهو حين ينزل من الباخرة ويتجه إلى مكان حبيبته السابقة في سيدي جابر يذكر أسماء الأماكن بالترتيب مـن الميناء إلى سيدي جابر لما لها مـن دور مؤثر فـي حكايته في عرض شبه وثائقي من غير خطأ، أي أنَّه يستحضر المكان جغرافياً كما هو لا منعكساً في وعي الشخصيَّة الروائيَّة لتجنب أي التباس بين ما يفرزه الواقع وما تفرزه المخيلة معاً قديؤدي إلى إحباط السرد. لقد قام شخص مبعوث من موسكو إلى الإسكندرية من  قبل مترجم القصة بوريس جوكوف إلى الروسيَّة بمطابقة أسماء المناطق والمحلات المذكورة في النَّص العربي مع أسمائها كما في الواقع ووجدها ذات مصداقيَّة كاملة ما شجع المترجم على قبول النَّص فنياً ووثائقياً ومضى في ترجمته ونشره في كتاب، وهو ما ذكره برهان الخطيب في مقابلتنا له. من خلال حديثنا عن أهمية المكان كان لزاماً علينا الإشارة إلى ضرورة تعددية المكان في الروايَّة لأنَّه "لا وجود لروايَّة تجري جميع حوادثها في مكان واحد منفرد وإذ ما بدا أنَّ الروايَّة تجري في مكان واحد خلقنا أوهاماً تنقلنا إلى أماكن أخرى". فقد تجري أحداث الروايَّة داخل غرفة مغلقة ينعدم فيها الحدث والتنوع المكاني ولكن داخل آليات الحكم والتذكر وتيار الوعي بالإضافة إلى إستشراف المستقبل وحركة التطلعات التي من شأنها أن تخلقَ أماكن متنوعة ومعها أحداث تدور فيها. كما أنَّ تعددية الأمكنة لا تقلص دور مكان عن آخر وإنَّما تجعل لكل مكان وظيفته الخاصة بهِ . 
وقد أكَّد (هنري متران) هذه الحقيقة عندما جعل الوعي عاملاً فعالاً في الصيغة الشكليَّة للمكان، حيث يقول:"المكان هو الذي يؤسس الحكي لأنَّه يجعل القصة المتخيلة ذات مظهر مماثل لمظهر الحقيقة". أي أنَّ المكان يؤثر في الشخصيَّة فيقوم بتحفيزها على إيجاد الأحداث. وإنَّ الوعي المتزايد بأهميته والاشتغال عليه جعلاه يتجاوز على نحو قاطع كونه مجرد خلفية تقع فيها الأحداث الدراميَّة، كما إنَّه لم يعد معادلاً مجازياً للشخصيَّة الروائيَّة فحسب، وإنَّما أصبح ينظر إليه على أنَّه عنصر شكلي وتشكيلي من عناصر العمل الفني.
هنا أيضاً يمكننا الاعتراض على هذا الربط الميكانيكي بين حضور المكان في الروايَّة وضرورة تجدده أو تنوعه، ثمة محاولات روائيّة منها سينمائيَّة التزمت بالمكان المسرحي، رقعة لا تتغير تجري عليها أحداث متنوعة، نذكر في هذا الشأن بعض أفلام هتشكوك، المقعد الذي يكتشف جريمة ويدور صراع بينه على كرسيه المتحرك وبين  القاتل، بل إنَّ برهان الخطيب نشر في الستينات روايته (ضباب في الظهيرة) متعمداً كما يبدو حذف عنصر المكان الجغرافي من البناء الروائي مستخدماً عقل شخصيته الروائيَّة مكاناً للسرد، منتجاً من حوار ثلاث شخصيات ما يُسمى (رواية أفكار) .

* كاتبة من بغداد