أمواج الليل..

Printer-friendly versionSend to friend
محمود الرحبي*
 
المقاعد الخلفية لسيارة أبي تظل فارغة حين يكون الراكب وحيدا، فالبعض منهم يقصد مسافات وعرة وبعيدة لا يمكن فيها حملهم إليها ، دون أن يستأجروا مقاعد سيارة أبي كاملة ، ولكن أبي اعتاد أن يستأذن راكبه الوحيد في حمل ابنه معه لكي  يملأ الفراغ الذي خلفه، وليسليه في طريق العودة الطويل الذي يندمج عادة بالظلام. ورغم أننا نكون حينها صامتين أو أكون مستسلما للنوم ولا أشعر بهول المسافة، إلا أن إحساسا غامضا بالغبطة يجتاح أبي ما إن يحس بأني قريب منه في وحدته؛ ففي تلك الأيام، وبسبب وعورة الطرق ووحشتها، كان كل مكان يقصده أبي خارج مطرح بمثابة سفر طويل؛ حيث لا يظل من اليوم في ساعات العودة، سوى نصفه المظلم الذي تتكثف عزلته بخلو جوانبه من الأضواء، ناهيك عن فراغه من الحياة والبيوت التي تستلقي بعيدة متوارية عن الطريق السيار، ما يلبث الظلام - حين يحل - أن يخفيها عن الأعين في طوايا عباءته الشاسعة ، وكأنها جزء من أملاكه الخاصة. 
كان وقت الغروب قد بدأ بالزحف ولم يعتد أبي إخباري عن مقصده، ربما لأنه يرى بألا فائدة من إخبار طفل تتشابه الأمكنة والاتجاهات في رأسه. كما لم يعتد إخبار أمي - بسبب العجلة ربما - التي ستبحث عني قلقة في كل مكان؛ تبدأ بالجيران المقربين ثم بساحات اللعب المفترضة ثم بالمقبرة آخر مرامي عينيها. وحين يهبط الظلام فإنها ستظل ساهرة تنتظر أبي، تلعب الظنون برأسها. وحين نظهر عليها وقد هدنا تعب المسافة، يشرعان هي وأبي في النقار. ثم تقرب لنا العشاء وهي واجمة، وأكون حينها بين النوم واليقظة وأنا أزدرد اللقيمات وكأني أحلم. 
الطرق الفرعية لم تكن معبدة يومئذ، حين دخلنا طريقا متربا طويلا وقد أطبق الظلام الدامس على حدود الرؤية. ولا أظن بأن المكان كان بعيدا بمقاييس اليوم، فهو أحد أحياء العاصمة مسقط، وربما كانت العذيبة أو الغبرة التي تباع الآن كل قطعة أرض سكنية فيهما بسعر الذهب . أشار الراكب إلى جهة بيته قبل مسافة من وصوله، وكأنما كان يعتمد على حدسه، وعلى الضوء الشحيح الذي ترسله السيارة من مقدمتها. ثم هبط بعد أن نقد أبي أجرته، فطلب مني أبي أن أغير مكاني في الخلف وأجلس بجانبه. شعرت بالحيرة في سحنة أبي وهو يبحث عن مخرج، حيث شرع يشق طريقا في الظلام ثم يعود أدراجه منه. وما يلبث أن يسلك طريقا آخر عشوائيا ويعود منه، إلى أن سقطنا في حفرة رملية. رفضت السيارة أن تبارح مكانها، حيث علقت إطاراتها. جاهد أبي في زحزحتها عبر الضغط على الفرامل أماما ووراء فعصف الرمل بالسيارة، وقد أشعل أبي الإنارة إلى أقصاها عله يتبين شبح إنسان أو بيت، ولكن الضوء الباهر كان يصطدم بأمواج الظلام المطبقة التي كانت تتدفق أمامنا بصمت مخيف وبلا شاطئ يحدها . ضغط أبي على زمارة المقود طويلا علّ أحد يسمع النداء، وحين يئس من الرد اطفأ المحرك والأضواء وأغلق نوافذ السيارة وطلب مني النزول ثم دار حول السيارة متأكدا من إغلاق جميع الأبواب . تركني أبكي ولم يتدخل وقد أمسكني من إحدى يدي وشق طريقا أفقيا. نظر إلى السماء ثم عاد أدراجه وشق طريقا آخر. كان الظلام مطبقا على مجالات الرؤية، حتى أن ملامح أبي اختفت. ثم فجأة طلب مني أن أتوقف عن البكاء وأشرع في تقليده. جلا حلقه بحمحمة قوية ثم طفق ينبح. - هو . هههههو . هوهو هههههههو. بداية كنت أظنه يعبث، أو أن مسّاً من اليأس أصابه؛ ولكني فطنت بأنه كان جادا حين طلب مني تقليده وهو يلهث بعد أن أعياه النباح. كان صوت أبي خشنا وثقيلا مقارنة بصوتي الذي يتنزه خفيفا في الأرجاء، فبدوت كجرو خائف : -هو هو . هو هو . هو هو هو . تناوبنا النباح بين الجرو وأبيه كي لا ينقطع تسلسل النداء. ثم زاد أبي من عمق صوته وأدخل أنفاسا غليظة إلى رئتيه وأطلقها في دفعات حادة. -ههههو هو هو ههههو هو هو ههههو هو هو . وفي لحظات استراحته ولهاثه، كنت بدوري أقوم بإطلاق نباحي المختلط بالبكاء وارتعاشات الخوف . ولكن فجأة سمعنا نباح كلاب حقيقية يتوافد من بعيد. توقف أبي عن النباح وهز يدي بأن أصمت، مصيخا السمع إلى مصدر الصوت. -الحمد لله. أطلق أبي كلمة النصر أخيرا بعد ساعات من التخبط في الظلام. فغدا نباح أبي بعد ذلك مشوبا بالفرح وهو يتقدم ناحية صوت الكلاب، بينما زاد خوفي وتعثرت خطواتي فرفعني فوق ظهره ودفع قدميه وهو يهتف: -الغيث. الغيث. نحن ضائعون في الظلام.أغيثونا. ثم تراءت لنا بقع ضوء تتقدم ناحيتنا و صوت كلاب غاضبة يزداد اقترابا ووضوحا. أكلنا تلك الليلة حتى شبعنا ونمت، بينا ظل أبي يتسامر مع صاحب البيت. وفي الصباح انكشفت لي لعبة أبي مع الظلام، حين رأيت كلبين نائمين على باب البيت، وامرأة وابنتها تسقيان قطيعا من الغنم، وثغاء متقطعا يخترق الصمت. وبعد أن تناولنا فطورنا، شق أبي وصاحب البيت وابنيه طريقهم إلى حيث تعطلت سيارتنا، بينما بقيت في حراسة الراعية التي قربت مني ماعزا صغيرا لإلهائي وإخراس بكائي الذي ازدادت حدته باختفاء أبي.
 
* أديب وروائي من سلطنة عُمان.