أمسية مع المؤلف

أولغا توكارشوك*

ترجمة صالح الرزوق**
أفضل الأفكار تخطر لها في الليل، تصبح في الليل بالمقارنة مع النهار كأنها شخص مختلف تماما. يقول لها: هذا شيء روتيني،  ويبدل الموضوع،  ويبدأ بجملة جديدة تتصدرها كلمة أنا. يقول مثلا: أنا أفكر بشكل أوضح في النهار، في الصباح، مباشرة بعد أول فنجان قهوة أتناوله، في النصف الأول من اليوم. وحينما قرأت بالصدفة في الصحف (يا إلهي، يا لها من مصادفة) أنه سيسافر إلى  ألينستاين في بروسيا،  وسيكون قريبا منها جدا، لم يمكنها النوم. كل شيء عاد لذاكرتها. أو بالأحرى لم يعد، لأنه كان في ذاكرتها دائما، ولم يفارقها. استلقت على ظهرها  وانهمكت بكل الاحتمالات التي يمكن يمكن أن تمر. كانت في محطة القطار، على رصيف مدينة مجهولة،  وجاء هو من الاتجاه المعاكس،  ولاحظها،  وغطى وجهه تعبير يدل على الدهشة، بسبب صدمة تلقاها؛ وقف، وحملق بها، بالخمار المرفوع على قبعتها، وكان وضوح  ولمعان تلك النظرة العميقة يدفعها لترتعش من الفضول، لكنها لم تحفل بقامته الممشوقة  وإنما بنظرته. وربما حصل الضد من ذلك: كانت تمشي على طول الشارع المغسول بنور الشمس في أحد الأسواق (كيف يبدو السوق في ألينستاين؟)  وهو (أيضا من الجهة المقابلة) تبع رجلا  وامرأة.  ولاحظت أنه تعرّف عليها، فقد شحب لونه،  وكان مرتبكا  وهو يقول للآخرين"من فضلك أفسح الطريق..".  وبيد مرتجفة تخلص من قبعته الباهتة (كان شعره قليلا، أم حان الوقت لذلك). في النهاية قدمت له يدها، كانت متمالكة لنفسها مع أنها تجولت في أرجاء السوق لعدة ساعات لتلتقي به وجها لوجه. هل كانت ألينستاين مدينة كبيرة؟. ربما كبيرة جدا، ربما كانا موجودين بين حشود الجماهير التي تسعى في الخارج في شهر أيار.  وربما حملوه بعربة من محطة القطار مباشرة إلى الفندق. ربما لم يكن هناك سوق،  وربما كانت ستمطر، ولعله لن يأتي، وسيلغي رحلته في اللحظة الأخيرة لأن زوجته مريضة.  ولعله تأخر في ألمانيا في دور النشر، في النهاية هو كاتب ممتاز  وكل المثقفين يعرفونه، أو ربما هذا غير صحيح. أو لعلها هي وحدها التي تتابع كل شيء عنه. حتى أدنى التفاصيل المنشورة في الصحف. وربما هي التي تهتم بروايته ذات المجلدين، المعروضة في المكتبة،  وهي وحدها  كلما مرت من هناك، من كان يعنى بها ويمسح بالقفازات الواقية لليدين الغلاف بعناية، وكأنها تسأل البائع عن شيء آخر مختلف. في الصباح بدت لها الفكرة عبثا مطلقا. فقد أحاط جوان بخصرها  وقبلها من فمها وهي تستعد للإفطار. بعد ساعة سيحضر معلم الموسيقى من أجل الأطفال. حينما قضمت طرف البيضة المسلوقة، كان شكل أصابعها، يوحي أنها رطبة  وجافة، كما لو أنها لا تنتمي لها أبدا،  وأيقظ ذلك في داخلها للحظة شعورا قاسيا بالندم. ثم قالت، دون أن تعلم أنها تتكلم إنها ترغب بالسفر إلى دانتسج لرؤية والدها بضعة أيام. مسح زوجها شفتيه بالفوطة،  ولم يكن يبدو أنها مفاجأة له. ابتعد ببساطة عن المنضدة  وأشعل سيجارة.  وطلب من الخادم أن يفتح النافذة. تدفقت من الشارع لداخل غرفة الطعام قرقعة العربات  وصوت الحافلة التي يجرها الحصان.  وفورا هبت نسمة ندية  ومخملية من رائحة الليلك الذي تفتحت أزهاره أمام البيت. 
كانت بقبعة عريضة من القش في علبة القبعات، تنورة داكنة من الجورجيت،  وبلوزة بيضاء بزركشات على الصدر،  ومظلة من الدانتيلا. كيس للحمل  وحقيبة رحلات كبيرة من الجلد. أبواط بأزرار. زجاجة عطر مغموسة في ثياب داخلية من المخمل. عدة أزواج من القفازات. حقائب سفر. في محطة دانتسج اشترت تذكرة إلى ألينستاين وانتظرت لثلاث ساعات في المقهى. في غرفة الاستراحة شاهدت صورتها على المرآة  وانتابتها الصدمة- كانت تعتقد أنها أصغر بالعمر. في غرفتها حاولت قراءة طبعة قديمة من مجلة "نيو دوتشي روندشو"  وفيها إحدى قصصه،  وكانت المجلة في الكيس الذي تحمله معها. في وقت ما كانت تتذكر كل كلمة فيها،  ولكن الآن نسيت فقرة طويلة منها. وحصلت معجزة صغيرة: ألينستاين  والبندقية تحييان بعضهما بعضا. بعد عشرة سنوات أصبحتا طرفين متقابلين على استقامة خط واحد. إنهما العمود الفقري لكتاب حياتها. شمال وجنوب. ظهيرة  ومنتصف الليل. شيء احترق وآخر غمرته المياه. الماضي  وضياع الإحساس بالزمن. النظر للخلف  والنظر للأمام. نقطة التقاء المختلفات. 
شاهدته أول مرة على الشاطئ. كان يرتدي ثيابا لامعة وقبعة ناصعة.  وهي تذكره، مع أنها دائما تذكر الناس الذين تلتقي بهم لمرة. هناك على الشاطئ كان شابا مفعما بالحيوية  ومهملا أيضا. ثم، حينما قدم أحدهما نفسه للآخر، كان يبدو لها كرجل يضع قناعا. قال لها:"أنا كاتب"،  ولم يكن هذا مهما من وجهة نظرها.  وكان مرتبكا،  ولم يمكنه النظر بعينيها مباشرة.
نهض واحد من الزملاء المشتركين من مقعده مخدرا، وقال إنه مغفل. حينما شاهدت حمامه لأول مرة في الفندق، بعد كل ما حصل، حصلت على قناعة أكيدة أنها الآن عرفته. ليس بعد اللقاء في الأمسية الرومنسية،  وليس في المحطة العابرة، مع أن العاطفة كانت واضحة، فالتعرف على جسده سمح لها أن تدخل إلى أعماق هذا الرجل،  وليس إلى حمام الفندق.
كانت المنشفة ملقاة فوق الحوض،  وأدوات الحلاقة.. الفرشاة، الفرشاة ذات القبضة المتحللة من الرطوبة،  والعلبة الخشبية التي تحتفظ بالصابون. إنها مخلوقات خامدة، تشهد على وجود الجسم البشري.
لمس هذه الأشياء  وهو ما زال نائما، أو لعله استيقظ  وهو بانتظارها (صمت الصباح، مع ارتباك خفيف، بعد أمسية غرام)، جعلها فجأة تشعر بعاطفة تدب داخلها.  وشعرت كذلك أنه بمقدورها أن تميل برأسها على المرآة الباردة لتنخرط بالبكاء.
دائما تعيد ترتيب هذه اللحظة-  وربما كانت هي بداية حبها.
أليس الحب هو في الحقيقة أن تتعرف على شخص ما؟. أليس لهذا السبب يرغب الناس بأجساد بعضهم بعضا، ليس من أجل المتعة،  ولكن للاقتراب حتى أدنى مسافة ممكنة؟. هذا المدخل إلى زاوية من الجسد، هذا الأسلوب لشق طريقك عبر الحدود،  ومتابعة الفضاء الداخلي،  والبحث عما فيه.
اتضح أن محطة ألينستاين أصغر مما توقعت. ولدقيقة قصيرة تدافعتها المناكب المسرعة- وتمسكت يداها غريزيا بدرابزين السلالم التي تقودها للقطار. لكن حينما حملتها السيارة إلى أفضل فندق في المدينة، شعرت فجأة كأنها حصلت على سلطة مطلقة تتحكم فيها بالعالم. كان الناس يختفون بطريقة ما،  وهم مسطحون ببعدين اثنين، لا يعرفون شيئا، ولا يشعرون بشيء، فهم آلات لدنة مسكونة. دكاكينهم صغيرة تبعث على الشفقة،  وأفواههم لا تتذوق شيئا، كان الفم في تلك اللحظة مطبقا على السطح الناعم لفنجان مليء بالقهوة، وأجسادهم متمركزة حول نفسها،  وطقوسهم مضحكة، مثل الذهاب لمشجب القبعات ثم العودة. والإمساك بالعصا والقبعة بقدر ما أمكن من عزيمة،  وهناك أمسياتهم المضجرة  والسخيفة في البيوت المجهزة بكنبات مهترئة،  ثم عقولهم المحدودة، غير المنسجمة مع الماضي الذي يفصلهم عن العبارة التالية المنطوقة.
صغار مثل الدمى. استمرت مع السيارة، متمددة في مقعدها كأنها رجل، وهذا شجع فيها الشعور أنها متعلقة بهم وتودعهم. إنها تتعاطف معهم، لكنها لا تشفق عليهم. إنه في الحقيقة الحب، مثل الأطفال الذين يطيعون تعليمات  ودروس أبيهم دون أي فكرة عن أهدافهم. رأت، وهي في السيارة، ما يزيد على ذلك. لقد وضعت القواعد  والأعراف. لقد وضعتها، دقيقة بعد دقيقة، إيماءة بعد إيماءة،  وواقعة بعد واقعة. في الفندق وقّعت باسم اخترعته للائحة الضيوف،  وسألت بشكل مباشر موظف الاستقبال:"هل الكاتب المشهور ت. يأوي في هذا الفندق الليلة فعلا؟".
نظر الموظف لها، كانت عيناه مشوهتين بعدسات نظارته الملوثة.  ومن الواضح أنه  تمكن بصعوبة فائقة من كبح اعتزازه  وفخره.
قال:"هذا صحيح. من المفروض أن يعقد أمسية أدبية غدا عن الأدب  والموسيقى. غدا مساء". ثم فجأة، بتوعك أضاف:"آمل أن لا تتكلمي عن ذلك مع أحد، إنه في فندقنا، مع أنه لا يوجد احتمال آخر، ففندقنا هو الأفضل.  وحجزنا له جناحا كاملا.  وهو مجهز لاستقباله من عدة أيام مضت".
وأشار لمفتاح يتدلى جانبا تحت أرقام رومانية.  وتابع:"أخشى أن قراءه لن يوفروا له الهدوء  والسكينة اللازمين".
سألته:"هل هو مشهور لهذه الدرجة؟".
رد يقول:" زوجتي قرأت كل أعماله".
ولكن هذا لم يفسر شيئا.
سألته:"متى سيصل القطار من برلين؟. أنا بانتظار أحدهم".
نظر إليها موظف الاستقبال بتشكك  ولكنه لم يقاطعها.
كانت الغرفة متواضعة. بابان زجاجيان كبيران يقودان للشارع مباشرة. ووقفت على أطراف الأحواض.
غسلت وجهها  وجففته بمنشفة خشنة. واستبدلت بلوزتها. ومشطت شعرها،  وبدأت بتصفيفة بعناية أمام المرآة،  ورفعته إلى الأعلى قليلا بدبابيس الشعر. ونظرت إلى عينيها  وجبينها. ووزعت بعض العطر على بشرتها بأصابعها.
اعتقدت أن لديها وقتا كافيا،  وأنه بمقدورها أن تذهب  وتحصل على دور في الخارج. وأن تتسوق. وتترك انطباع خيالها على زجاج النوافذ في المتجر،  وتندمج بالمساحة المفتوحة للسوق. وتشرب الليمون تحت مظلة. وترتدي قبعتها، ولكنها سريعا ما تركت البوابة واستلقت، بكل شيء.. القبعة بيدها، وهي فوق السرير المرتب، على ظهرها. وكانت الشقوق الرقيقة في السقف إشارة لها بلغة ذات حروف غامضة ومجهولة.
لقد تجولا في أرجاء المدينة طوال اليوم. كانت مدينة البندقية تذوب وتغرق. القنوات ممتلئة.  وكانا يدركان بعضهما بعضا بتوسيع خطواتهما-  وتوجب عليهما أن يظهرا كأنهما ذاهبان لمكان ما. تنهدا."آه، لماذا نحن دائما بهذه السرعة". ضحكا. النقطة الحقيقية في مشوارهما، أن تتلامس أيديهما، أن يحتك كتفاهما، أن تحمل الرياح عطرهما من أحدهما للآخر. لكنهما لا يتبادلان النظر،  ويسيران المنكب بالمنكب،  وأحدهما تحت نظرات الآخر. كيف كان هذا ممكنا؟.
كان باستمرار يخبرها عن عائلته. وأدهشها هذا، لأنه ليس لديها ما تقوله عن هذا الموضوع. غير أنه لم ييأس من الكلام، كما لو أنه يريد أن يؤكد لها أنه موجود.  وأنه يحمل في جيناته مورثات تجار هانسا وزوجاتهم المجهدات من الولادة،  وأولادهم،  والنخبة الشريرة ذات الشوارب. وكان يهتم بشخصيات عصره. ربما لكل هذه الأسباب يصبح الإنسان كاتبا.
وها هو يتذكر أسماءهم  وأقوالهم الحكيمة،  ويتذكر هفواتهم  وعاداتهم الغريبة.  ويمنح لكل واحد منهم صفة عامة مخصصة.  لكنها لم تصدقه- من المستحيل أن يكون الجميع مهمين. هذا ضد المنطق. فالعالم يتكون من جماعة واحدة  وعدد قليل من الأفراد المستقلين، عدد صغير، هكذا كانت تفكر. بالنسبة لها، الناس مثل موجة، لا يمكن تمييزهم، باستثناء أولئك الذين تحبهم. وطبعا يستحيل أن تحب الجميع. فقط حينما جلسا في مكان ما لفترة محدودة، في مقهى، على كرسيين على شاطئ فارغ، على جسر الخليج، تلاقت حينذاك وحسب نظراتهما. من الصعب أن تقول أي شيء. كانت تريد أن تتكئ عليه. ويمكنها أن تشعر بذلك وهو يزحف على جلدها كلما نظر إليها. تلك النظرة الواضحة العميقة الزرقاء البراقة غير الخجولة.
في المساء يجلسان مع الآخرين على الشرفة التي تشرف على حيد بحري.  وأوراق الأشجار تلمع بلون أصفر ينعكس من المصابيح. هولاء الأصدقاء، الزملاء المشاركون، الحشود الصغيرة المرحة التي تنشر الشائعات، هؤلاء الأصدقاء هم جزيرة يمكننا أن نلجأ إليها لبعض الوقت، ونشعر باليابسة تحت أقدامنا، وطبعا الإبحار هو الذي كان يهمنا.
البيت مخبأ بين نباتات الأرقطيون.  ويحيط به سور مرتفع. اختلست خطواتها نحوه، كانت تعلم أنه هناك. وأرادت رؤيته فقط. وفجأة أدركت أنها عارية فقفزت بعيدا عن الطريق لتختبئ بين النباتات. تقدمت داخل النبات نحو الحديقة،  ولكن من جهة الخلف.  وأصبح بمقدورها أن ترى نوافذ مضاءة في الصالون. كانت حفلة استقبال قائمة هناك. والناس يدورون خلف النوافذ  والنبيذ بأيديهم.  وشفاههم تتحرك بصمت من خلف الزجاج. هذه المرأة، هذه المرأة الجميلة ذات الثوب الأزرق، إنها زوجته. كانت توزع الابتسامات. كيف أمكنها أن تتدبر كل شيء بهذه المهارة!. كان نبات الأرقطيون جارحا،  ويخدش بشرتها. لكن لم تجده بينهم، في الفضاء المضاء من ذلك الصالون. لم يكن هناك.
استيقظت فجأة. كانت قبعتها تجرح رقبتها. فنهض ونظرت بالمرآة- عيناها منتفختان قليلا،  ومبللتان بالدموع، إنه الزمن.
كانت ألينستاين مجرد شارعين لهما شكل صليب، وفي الشارعين قلعة، ودار للبلدية، وتتجول فيهما أزياء العام الماضي. لم تكن الحياة هنا مقبولة،  ولكنها للمرور فقط. هنا النظام البروسي  والحنين الآسيوي.  وعبير خفيف للمياه. طلبت القهوة حينما دقت الساعة الثالثة. الأولاد الآن نائمون. وبغتة شعرت بالحنين لرائحتهم - لماذا لشعر الأطفال دائما رائحة الرياح؟. استلم النادل منها النقود،  ونظر إليها بفضول، كأنه يغازلها. اقتربت من المحطة ببطء.  وتبخر الهدوء دون سابق إنذار.  بدأ قلبها يدق بسرعة.  وانتابها الإحساس أنها من بُعدين اثنين، كأنه ليس لها وجود بعد هذه اللحظة، أو كمن لا يمتلك مستقبلا  ولا ماضيا. امرأة تسير إلى المحطة، لا أكثر  ولا أقل.
كان الرصيف تقريبا فارغا- شاب يحمل باقة من الورود، امرأة مع طفلين،  ومسافر يبدو عليه أنه متأخر وكان يجلس على مقعد، كان قطاره قد مر وابتعد لمسافة طويلة.
بعد ذلك جاء نحوها جماعة من الناس. رجال مهمون ومتورمون قليلا. أحدهم بنظارة لها إطار معدني،  وآخر ببذة سوداء أنيقة  وله عدسة على إحدى عينيه (فكرت: كأنه جاء من جنازة،  ونظرت إليه). الثالث  والرابع بلا شخصية محددة.
لا بد أن هؤلاء هم المعنيون. ممثلو نخبة ثقافة ألينستاين،  وينتظرون وصول الكاتب. ثم دخلت جماعة كبيرة من الطلبة. هكذا تبدل الجو، وأصبح حيويا وصاخبا. هل هذه رحلة حقلية، أم نزهة، هل أعلنت المدارس البروسية عن عطلة؟. صنع المدرس العجوز حركة عبثية لضبط النظام.
كم هذا غريب- صاح  وهما يفترقان في البندقية. قبض على يدها،  والدموع تلمع في عينيه الباردتين الزرقاوين. قال:"كم من الغباء أن نبكي، سنتقابل ثانية". كانت تعتقد أنه عليه أن يخطبها، فهو من هذا النوع التقليدي.  وفكرت:"يا لها من تفاهة، أن يخطبني، سنكون معا في كل الحالات". رنت العبارة في أرجاء رأسها. أي احتمال آخر لا يمكن تصوره الآن.
ثم فهمت أنها تبكي من أجله. قال لها:"كتبت لك أربع رسائل  ولكن لم أرسلها". هذا ما ذكره في الخامسة. لقد نكأت جرحا كان يجب أن يندمل الآن. قال:"أنت جميلة جدا، منعشة، كما لو أن العالم لم يلمسك مطلقا. أنت من مكان آخر، أنت ملاك. كلما ابتعدت عنك، تزداد رغبتي". لقد وجدت هذه الرسالة لا تهمها،  ولا تعرف لماذا. كما لو أنها مكتوبة لشخص آخر.
صدر صوت عن الجماعة الصغيرة المشغولة بنفسها. فالشاب حامل باقة الورد ابتعد عن مقعده. والسيد صاحب البذة السوداء نظف عدسته باهتمام بواسطة منديله.  والمعلم العجوز حاول جاهدا أن يرتب طلابه برتلين. ثم أدركت أن كل هولاء ينتظرونه.  وأن ت. لم يعد لها،  وأنه متاح لغيرها أيضا. هؤلاء الأولاد،  والسيد صاحب البذة،  ورجل باقة الزهور،  وموظفو الاستقبال وزوجاتهم قارئات الكتب، كل هؤلاء لهم حق فيه أيضا.
ولكن ماذا يمكنهم أن يعرفوا عنه حقا؟. هل عرفوه من أشهر رواياته، من قصصه المنشورة بالمجلات؟. من يعرفون حقيقة؟. في كل شيء يكتبه يترك بصعوبة آثارا تدل عليه، بقايا لا تزيد على فتافيت الخبز.
هل هو يعيش من خلال عباراته المقنعة  والواضحة  والتامة؟. ثم في البندقية خلال المشاوير التي لا نهاية لها، كان يتكلم دائما باندفاعات قصيرة وعصبية،  وكانت دائما تحاول أن تخمن هل هناك فترة غيبوبة أم مجرد علامة عليها. هل هو موجود في السرد المكتوب، في الترياق؟. حتى أنه لا يمكنه أن يكون طريفا. كيف بمقدوره أن يغش الناس  ويقنعهم بشخصيات فاشلة اختلقها لنفسه؟.
كان هذا بسيطا جدا بالنسبة له. أو ربما، غير بسيط. وربما كانت هي المغشوشة،  وباعتبار أنها لم تشعر بالحب  والرغبة كانت ترى شخصا آخر تماما. كلا، لم يكن بإمكانها أن تتعرف عليه من أي جملة كتبها. إنه غير موجود هناك، في كتابته.
لم يكن هناك في الراوي المحايد الذي يروي الساغا (السيرة العائلية). لم يكن هو المتكلم. وحقا كان هذا مدهشا. أن تبحث داخل كائن حي عن شخص يبتدع عوالم من صنعه. حاكما لهذه العوالم.
أن تبحث عن ذلك في أنفاسه  وهو نائم، لا يعي شيئا،  وظهرها مائل للخلف، لتفتش عما يوجد وراء المسافة التي تشغلها نظراته، ما هو مخبأ خلف بوابات عينيه،  وهي تراقبه فيما هو يلتهم المرطبات- هل كان يحبها مثلما يحبها الآخرون، هل أعصابه تحمل إشارات لدماغه مثل أعصاب الآخرين؟. لا بد من فرق ما.
 فجأة تذكرت أنه كان في البندقية ينمي شاربا.  وكانت يده تجول برتابة فوق شفته العليا،  وهناك تستمتع أطراف أصابعه بملمس البقعة السوداء الخشنة.
كان القطار قادما. ودخان المحرك فوق الرؤوس بشكل محسوس. دق قلبها  وشعرت بالجفاف في شفتيها. تراجعت حتى ما بعد لافتة مطعم المحطة،  هناك توقف القطار،  ولم يحدث شيء أبدا.  ولفترة قصيرة جمدت المحطة.  وتنقلت نظرة الرجال الأربع المتفرقين من عربة لعربة. ثم لاحظت أن الجماعة تحركت فجأة نحو اليمين، باتجاه مقدمة القطار. والمرأة الغامضة تحركت مع الطفلين بالاتجاه نفسه.  وسبقهم الرجل حامل الورود بخطوات سريعة كأنه يركض.
رأته فقط حينما عبر من باب المحطة، محاطا بجماعة صغيرة  وانتبهت الآن أن وزنه أثقل،  وشكله رسمي،  وغريب. الوجه نفسه الذي تعرفه جيدا،  ومع ذلك هو مختلف، كما لو أنه تورط مع الواقع عن مقربة . ثم خيم عليه ظل غامض. قدم له الشاب مفكرته ليوقع عليها، أما الرجل صاحب العدسة فقد غطاه بجثمانه. كان في عين العاصفة - رماديا، وهادئا،  ولا شيء يمكن أن يفاجئه.
ليس الآن إذا. في ما بعد. تراجع قلبها.  وتابعتهم من مسافة أمان. وراقبتهم  وهم يركبون سيارة أجرة.
كان مكان الأمسية مع الكاتب في مسرح المدينة.  وهناك إعلانات عن ذلك في عدة أماكن. "الكاتب المشهور ت. سيعقد أمسية ...".  وكانت أول الحاضرين. احتشد الناس في الصالة ببطء. كانت النسوة بأفضل ثيابهن  ولهن نكهة السكان المحليين.  وأزواجهن بالبطون المليئة وسلاسل الساعات المربوطة بخصورهم، يلهون بالوقت. هؤلاء هم بورجوازيو ألينستاين. وهناك الأكثر تواضعا. معلمون، ومن النخبة المحلية الواعية. أما الشاب الذي كان في المحطة فقد حضر أيضا، وهذه المرة بلا باقة الورد. وهناك ثلاث نساء ضاحكات  ويعتنين برموش عيونهن. ممثلات؟. حلقة من الطلاب. إذا هؤلاء هم قراء الكاتب العظيم  والمشهور ت.، المعجبون به في شرق بروسيا.
"لا شيء في الحياة يهمني، غير الكتابة.  وأعلم أنك تقدرين ذلك".
هكذا انتهت آخر رسالة تلقتها منه. كانت هناك مفاجأة كما فهمت منه،  ولكن لم تجد شيئا. لديها نقود،  ويمكنه الحياة معها في البندقية أو أي مكان آخر دون أن يتوقف عن الكتابة. وربما هذه هي المشكلة. وربما هي غير متعلمة بما فيه الكفاية.  وربما لم تكن بالمستوى المطلوب. وتذكرت أنه حينما سمع كلمة "بروفيسور" شحذ سمعه، ووقف بانتباه. هذا غريب، أن شخصا من نوعه مغرم بالشهرة  والبريق.  وفي النهاية تزوج ابنة بروفيسور.
هل يمكن أنه بعد عام كامل من حياتهما في البندقية أصبح جاهزا للتقدم لخطبة امرأة أخرى؟. آه، هي لا تعتقد أنه أحب الأخرى، لا بد من أسباب مختلفة،  وهذه على الأغلب بداية قصة قصيرة كئيبة. في النهاية، لا يمكن للمرء أن يكتب عن الأشياء الجيدة، هناك أيضا سقطات. بالعودة للموضوع، كان من بين اهتماماتها أن تجد الأعذار. وكل عذر أقبح من ذنب. كتبت له رسالة طويلة. ولم تستلم الجواب.  وربما أتلف الرسالة  وهو يقرأها  ورماها في النفايات.
أو لعله أحرقها.  وبدأ يتذكر ماضيه،  ويوجهه باتجاه أفضل. ببساطة هذه ليست الوضعية التي يتحرك بها الإنسان. ولا ما يريده من حياة الآخرين. فالحياة تقود خطانا، وتحقق الأهداف التي يصعب علينا تخيلها، وتجرنا وراءها على طول الطريق. هذه الفكرة فجأة أرعبتها كثيرا، وقتلت رغبتها بالخروج إلى شوارع المدينة المشمسة.
الحقيقة أنه لم يكاتبها أبدا، ثم اكتشفت أنه تزوج.  ولديه أولاد. اثنان؟. ثلاثة؟.  وكلما قرأت اسمه في الصحافة، تحاول أن تجد أي شفرة خفية  ومقصودة، كانت تقرأ ما يكتبه بهذه الروح. بفكرة لا تغيب عن بالها، أن هناك إشارة خفية بكل ما يكتب،  وأنه يعنيها بكتابته، وهو يفسر معنى جملته المعروفة:"لا شيء يهمني في الحياة سوى الكتابة".
احتل الناس بالتدريج مقاعدهم في الصالة حيث من المفترض أن تنعقد الأمسية الأدبية.  وانضمت للآخرين  وجلست بعيدا عن الطاولة المغطاة بمخمل قرمزي بقدر المستطاع. لم يكن هناك في الغرفة نور طبيعي تقريبا.  لذلك كانت الطاولات منارة من الأعلى. وهذا شيء جيد. ولم يكن ليراها من مكانه، فالنور المبهر سيعميه.
والسبب هو جو الصالة. كان الحضور يتحادثون همسا،  ويتلفتون حولهم.  ونصب مصور محلي قاعدة الكاميرا بصمت. ثم جاءت من الباب همهمات.  وظهر ت.  هناك، بلحمه ودمه. كان يبدو كاملا. كان كاملا  ومختلفا عن الجميع،  ولم تعرف كيف هو مختلف، لأنه يشع بنوع من النقاء- بوجهه الشاحب الناعم  والحليق،  وقميصه الأبيض،  وحافة ياقته المنشاة،  والعدسة المقربة الفضية،  وبذته الرمادية بلون الفولاذ.  ولكنها ام تشاهد حذاءه من مكانها،  وتذكرت فجأة كيف كانت قبل عشرة سنوات- بنية، بمقدمة رفيعة،  ومائلة قليلا.  وتذكرت عري قدمه، فهي تكشف كل شيء أكثر من أي اعتراف.  وتخيلته يمشي بعرض القاعة حافيا.
لقد ازداد عمره وتبدل. لم يكن ينظر لجمهوره،  واستقر بطمأنينة في كرسيه،  وحصل على دورق من الماء  وكأس. نحاهما جانبا،  وأخرج بعض الأوراق من داخل جيب سترته، ونظف بلعومه،  وبعد ذلك حدق بالصالة. نظر بعينيه فارتعشت،  ولدقيقة من الوقت شعرت أن نظرته تتخلل جسدها،  وتسلطت هذه النظرة بطريقة ما على بدنها.  ولكنه لم يعرفها. لم يكن بمقدوره أن يعرفها. فهي بعيدة عنه جدا. أما هي فتعرفه وسط أي زحام،  ودائما. ومن أية مسافة.
وبدأ الكلام قائلا:"سيداتي  وسادتي. تلقيت دعوة إلى هنا لأناقش موقفي حول...".
لم يذكر كلمة عن المدينة،  ولم يبتسم لجمهوره المفتون به،  ولم يقلب نظراته فيهم،  ولم يشكرهم على الزهور، ولا على هذا الاهتمام.
ولم يقدم نفسه،  ولم يحدد هويته،  وما أتى به إلى هنا  وإن كان أحب المكان أم لا،  ولم يذكر شيئا عن أفكاره.. عن شمس أيار،، وقبعات النساء أو سلاسل ساعات أزواجهن. لم يتردد أو يتنهد. لم تكن له تعابير على وجهه.  تكلم بوضوح،  وبنبرة واحدة،  والإشارة الوحيدة التي صنعها كانت تعديل ربطة عنقه، كأنه رغب أن يتأكد أنها بمكانها. ولا شك أنه أراد أن يدهشهم مثل كل الآخرين، أدباء أوروبا المعروفين في العالم، بأفكارهم المحايدة  والحكيمة.
ولا بد أنه فكر أن يختبئ خلف السلوك غير الواضح. الأناقة الأرستقراطية، لا شئ أكثر، ولا أقل.  وهذا تعرفه عنه، تعرفه جيدا. وكان مثيرا،  ولكن فقط حينما تكون متأكدة أن القناع سيسقط بأية لحظة. المهم هو المثير هنا.  وهو ما تحبه فيه بالضبط، لقد أصبح سيد نفسه.
تكلم بهدوء،  ووضع النقاط على الحروف، مع وقفات ثبت فيها نظرته الزرقاء على السقف. كانت الوقفات فواصل  وفراغات  ونقاط ترقيم. ونادرا ما كان يتابع. تكلم عن الموسيقى  وليس الأدب.  وربما خاب أمام بعض الحضور لأنه ليس من المفروض على الكاتب أن يتكلم عن الأدب؟.
"...كان يبدو أن الانزياح الموسيقي من اللحن الواحد إلى الألحان المركبة، إلى الجوقة،  وهو نوع من التطور، مع أنه في الواقع نصر للبربرية..". هذا هو كل ما بقي في ذهنها. كان وجهه يقابلها،  ويتبدل بتأثير الجاذبية الأرضية. ابتسامة صبي- نصف بريئة، نصف خبيثة.  وغضون الألم،  وليس المتعة. وقطرات العرق.  وهناك سقط من موضعه.
وبعد أن انتهى، وقف الجميع  وصفقوا له كأنه قائد أوبرا.  واقترب عدد من الناس من المنضدة. فأخرج من جيبه قلما يلمع،  وكانت الإنارة تضيئه. ثم انحنى على الكتب.
غادرت القاعة.  وأسرعت إلى الفندق.  وتضاعف الشعور بالوحدة. أصبح أكبر من السابق بثلاث مرات، بعدد من المرات، وعلى حافة اليأس. لم يكن هناك شيء، لا شيء يمكن تغييره. لماذا لا تحمد الله على ما أعطاها؟. لماذا من الصعب أن نشكره؟. لماذا يتمنى الإنسان ما لا يمتلكه؟.  ومن أين يأتي هذا الضعف الإنساني؟.
لم تجد أحدا في غرفة الاستقبال. وكانت في الفندق رائحة الكعك الطازج.  وانتظرت عامل الاستقبال عند المنصة لحظة، لكنه لم يظهر. ربما كان هو في القاعة أيضا. مدت يدها إلى المفتاح،  ودون نية مسبقة، قبضت على المفتاح الآخر الذي يتدلى من الرقم الروماني يا للإهمال!، كيف يمكنهم ترك المفتاح هنا؟.  وأسرعت على السلالم مثل لص.
فتحت باب الجناح بحذر.لم تشعل النور- كانت الغرفة تغرق بأشعة الشمس المتأخرة. هناك شرفة عريضة،  وستائر أنيقة مفتوحة  ومطوية من الطرفين.  ويبدو لم يكن لديه الوقت ليفك أحزمة حقائبه. كانت حقيبته على السرير مفتوحة.  بجوارها ثلاث نسخ من آخر كتبه، جديدة تماما، وربما غير مفتوحة.  على المقعد منشفة مبلولة  وخفيفة،  وربما اشتراها الفندق من أجله. لمستها باحتراس. وعلى مقربة- حمام، كبير الحجم، مع حوض واسع تحت نافذته، مع حنفيات نحاسية بروسية ضخمة، مع مغسلة على حامل. فوق المغسلة- العلبة الخشبية لصابون الحلاقة. فكرت: هذا مستحيل. حملتها بيدها  وشمتها. الرائحة المعروفة،  ولكن توقعت أن تترك لديها انطباعات عميقة.
آه، بحثت عنه في مختلف الصيدليات، ويئست من العثور عليه بعد محاولات متكررة. الفرشاة المبتلة- لا بد أنه حلق وجهه قبل أن يغادر. وفرشاة أسنان جافة من شعر الخنزير. على الأرض الرخامية وجدت جوارب داكنة  ومهملة. جلست على طرف الحمام وفكرت بأفكار غريبة: لتحبه بشكل مناسب، عليها أن تتقمص شخصيته. أن تكون بداخله. أن تعانق جسمه بيديه،  أن تهتم به أكثر مما هو يهتم بذاته.  فكرت: هذا لو أمكننا أن نكون وحدنا معا.  سيكتب، لو أن الامر مهم له،  وسأعنى به. لن يكون هناك خطيئة،  ولا تباعد،  ولا إرغام. سيكون عشقا ذاتيا بريئا،  وعاطفة حساسة في حمام يشبه المصلى.
وبملامسة جلده لا أكون معانقة له،  وإنما، لن يكون هذا حبا،  لكن كمن يجرب أفضل صابون لجلده.  وتبادر لذهنها:"أعرف كل سنتمتر من جسمه عن ظهر قلب.  وأعرف ما بداخل فمه مثل لسانه،  وشكل كل سن،  وعبيره الذي لا يشبه عبير غيره،  ولكنه لي وحدي.  وسأهدهده". سمعت ضجة في الأسفل، فأسرعت للخروج من الغرفة،  وتسلقت السلالم إلى طابقها.
كانت تدفع فاتورتها،  وظهرها لصالة الطعام، حينما عادوا من الأمسية الأدبية.  وسمعت صوته حينما تكلم.
همس موظف الاستقبال بزهو:"ذلك هو ت. زوجتي قرأت كل كتبه".
ورغبت أن تلتفت،  ولم تتمكن. وقفت جامدة-  وتحركت يدها فقط، لتعد الأوراق النقدية.  وعندما دخلت بالسيارة، شعرت بالفراغ تماما. وخيل لها أن وزنها حوالي طن،  ولا بد أن الحصان شعر بذلك- لأنه لم يتحرك.
سألها السائق حينما لزمت الصمت طويلا:"إلى أين يا مدام؟".
قالت:"إلى المحطة".
في مدن مثل ألينستاين، كل شيء يجب أن يبدأ،  وينتهي بالمحطة.
 
* كاتبة من بولونيا، حازت على الإنترناشيونال مان بوكر عام 2018. 
الترجمة من البولونية الى الانجليزية جينيفر كروفت.
 
** اديب ومترجم من سورية.