ألون

محمود الريماوي*

  
حدثني صديقي ابراهيم فقال إنه أطعم قطه بقايا وفيرة لسمكة عظيمة ، أتى بها في ذلك اليوم لوجبة غذاء الأسرة التي تضم الأب والأم وابناً وابنة .وأنه اعتاد رعاية القط بكل ما تيسر من طعام وشراب ومأوى. لا يؤمّن له حقاً كحال الأجنبيين الأطعمة المعلبة المخصصة للقطط التي تباع في المولات ومحلات السوبر ماركت الكبيرة . وتفسيره لذلك أنه لا حاجة لقطه العزيز بطعام مُعلب محفوظ ، فهو أي القط ( أجل القط وليس القطة كما أكد صديقي المتقاعد ) يشارك أهل البيت قوتهم اليومي ، وينال نصيبه كواحد منهم مع مراعاة أنه نَهِم أكول، شهيته مفتوحة وعينه فارغة ، ولا رادّ  لنهمه في ظروف الوحدة التي يعيشها ، فهو أي القط المحترم يتيم، وقد عاش أحوالاً مروعة شهد عليها صديقي ابراهيم بنفسه. فقد افترست أمه الرؤوم شقيقاً له أي مولودها وبعد ولادته بأسبوعين ،وهو ما لا يملك صديقي تفسيراً له ، سوى المصادقة على القول المأثور عن القطط ثم الثورات التي تأكل أبناءها . وهرب قط ثان شقيق له من هول ما راى ولم يعد . ولم يلبث كلب ضال أن تسلل إلى الحديقة ذات ليلة بلا قمر ،وافترس بدوره القطة الأم . أما الأب ، القط الأب فلا علم لصديقي بشأنه شيئاً . فالقطط تتلاقى وتتكاثر بغير ارتباطات زوجية مقدسة ، ودون إخلاص يذكر للزوج في حال وجوده . وبهذا فإن القط ، قط صديقي الذي أسماه ألون ، هو فوق يتمه ووحدته سليل أسرة شقية مثلومة الشرف وضيعة المحتد . منكودة ومنكوبة . ولم يعد له من راع وحام ونصير في الأرجاء الفسيحة ، سوى صديقي ابراهيم الذي يتعاطف معه ويحدب عليه ما وسعه ذلك .
متدثراً بعباءة ببنية صيفية لزوم القيافة لا لاتقاء برد لا وجود له ، وبين التنقل بيده اليمنى على أطباق الطعام الخفيفة التي يحثني على تناولها ،  وبين الانكباب على غليونه الذي تنطفىء ناره بعد هنيهات من إشعالها ،  كان ابراهيم الذي تروق لي مناكفته بالدرجة التي يطب لي فيها التلاقي معه ، كان يحدثني بنبرته التعليمية المحببة ، التي ورثها من خدمته لثلاثة عقود ونصف العقد من الخدمة ي سلك التعليم ، فيما ألون يحوم بضجر وتثاقل وأيضاً باعتداد ، حول جلستنا في الحديقة المشجرة في إحدى عشيات أواخر الصيف . بينما هواء رخي هفهاف يهب بلطف بين آونة وأخرى .  ويتكفل بتعديل مزاج من ينشد ذلك .خاصة حين يأتي متضوعاً برائحة سرية لرطوبة التراب ، وبعبق أزهار لا أعرف لها اسماً باستثناء الياسمين الكريم . ولم تكن هناك من نجوم في السماء فوقنا كما لاحظت في سهرتنا تلك ، فما حاجتنا لها لي على الأقل ، ونحن نصوب أنظارنا غير الكليلة بعد إلى أمام وإلى جوار لا إلى أعلى .
لقد شكوت له إلحاح القط الأبيض الموشح بالأسود على عنقه وفي ذيله  . والطويل الجذع بعينيه الفوسفوريتين . ببطنه شبه الممتلئة ، وبوبره الناعم النظيف الأشبه بوبر الأرانب .وعبوره المفاجىء والمتواتر بين قدمي تحت الطاولة ،  وموائه (البائخ ) الذي لا يتبين المرء منه نداء أو تعبيراً عن حاجة أو عن أية مشاعر أصيلة ، سوى رغبته التسبب بإزعاج . مع العلم أنه ليس وليداً صغيراً .. ليس ابن يومين أو اسبوعين  أو شهرين ، فقد بلغ من العمر سنتين شمسيتين على ما كشف ابراهيم في أمسية سابقة ، بما يجعل ألون في حكم الشاب نسبة لأعمار البشر . على أن سلوكه للأسف ما زال صبيانياً طائشاً  ، ولم تنفع توبيخات صديقي له ولا تكرار ملاحظتي في الحد  من مواصلة ألون لنشاطه المحموم . وهو ما أثار حيرتي  ووطن قناعتي بغرابة أطوار صديقي ، وهي بالمناسبة إحدى أفضل فضائله .
رغبت أن أفاتحه بأن ألونه يكاد يفسد سهرتنا الثنائية ، بعدما بات شريكاً مضارباً لنا ، فأبلغني أنه ينتوي اتخاذ إجراء حازم وقطعي بحقه في اقرب الآجال ، وأنه سوف يمنحه فسحة أخيرة ، يتمتع فيها بنشاطه العابث قبل أن ينال جزاءه . ولما أوضحت لصدبقي أني لا أحرضه على قطه ولا أنوي التسبب بقطع رزقه ، وحرمانه من المأوى والدفء البشري ، بل أود فقط لو يقصيه عنا في تلك الأمسية . عندها قال بصوت يختلط فيه السخط بخيبة الأمل : إنه قد تبين له أن ألون أسوأ مما يتصور " إنه منحط بلا أخلاق ، وليس أقل من ذلك "  وما أن ضحكت ضحكة خافتة على هذا الحكم المبرم الذي لا شفاعة له ، ولا أسباب تخفيفية تم النظر بها للحد من قسوة الحكم ،حتى بادرني موضحاً انه قبل ثلاثة ايام فقط ، من يوم جلستنا هذه في نهاية الأسبوع ، فقد أحضر سمكة كبيرة من نوع هامور مما اعتاد تناوله في جزيرة فيلكا الكويتية ، حين كان يعمل هناك قبل عودته إلى دارته في منطقة الجبيهة في عمان منذ ستة عشر عاماً ، وأنه قد تبقى من السمكة ما زنته نحو كيلوغرام ، بعد أن فرغت الأسرة  من تناول وجبة الغداء . وقد دفع بالبقية إلى ألون على شيء من التردد والاستكثار ، فلم يسرف من قبل في " توجيبه " في إكرامه بذلك القدر الهائل . على أن ألون أفندي  أحنى رأسه عليها والتهمها في لحظات بغير شكر ولا من يشكرون .وسكت ابراهيم . فسألته عن المستغرب في الأمر ، فأجاب إنه لا غرابة فيه ، فألون نهم شره يحتسب نفسه من أهل البيت ويعتني بصحته أكثر من أي فرد من أفراد العائلة .
المستغرب قال هو ما وقع بعدئذ بنحو ساعة واحدة فقط ، وما زالت الشمس في تلك الأثناء واضحة ساطعة في كبد السماء . حين لاحظت في وقفتي عند مدخل البيت يقول ابراهيم ، إن ألون يحوم بلهفة واضطراب شديدين حول شجرة اللوز هذه ، وأشار إلى الشحرة الفارعة الوفيرة الأغصان الى يسار جلستنا . ثم إذا به ، بالقط يثب فجأة على ساق الشجرة فعلى غصن قريب ويختطف ..
هل اختطف حبة  لوز كبيرة .. اختطف ماذا ؟ قاطعته مبتسماً ومتهكما على جديته البالغة . أجاب : اختطف عصفوراً  حياً دورياً لجأ إلى الشجرة ، يلتمس بين أغصانها قسطاً من الراحة والأمان . وهرب به بين فكيه إلى خارج الحديقة . وهناك عند الباب الخارجي حاول ابتلاعه ، ولما عجز عن ذلك قذف به من فمه ممزقاً مدمى ، كما عاينت ذلك بعد خروجي . تصور ..
ـ ولم تتدخل ؟ 
ـ لم أتوقع ما جرى ، فما حدث حدث بسرعة خارقة ، أين منها سرعة ورشاقة الغزلان .
ـالقطط تلتهم الطيور على ما أعرف .
ـ لكن الحقير لم يكن جائعاً ، كان ينشد التسلية والبغددة فقط ز وقد كرهته .
ظل ألون في تلك الأثناء يحوم من حولنا كما قبل .يروح ويجيء ، يتمطط ويتعابث يناور ويموء ، وهو خارج السمع لما يصرح به صاحبه عنه .
ـ كنت شاهداً على ما جرى .
ـ للأسف .
ـ لقد لاحظت شيئاً من حديثك .
ـ ما الذي لاحظته ؟ .
ـ أن المشهد الأخير الذي رأيته ووصفته ، يتكون من إنسان وحيوان وشجر وطير .
ـ صحيح . من قال بغير ذلك ؟.
ـ وقد عاينت جريمة  قتل متعمدة عن سابق تصور وتصميم .  وشهدت تضارباً تناحرياً في المصالح ، بين كائنين طير وحيوان : بين عصفور وقط .وعلى مرأى من كائنين آخرين هما : أنت الكائن البشري ، والشجرة الكائن النباتي دون تدخل منكما .
ـ بهذا المعنى ، نعم .
ـ لا عزاء لهم إذن اولئك الفلاسفة والمتصوفين .
ـ عم تتحدث ؟ .
عن وحدة الكائنات والتوازن ما بينها ، التي طالما هتفوا لها وراهنوا عليها .وقد خسروا الرهان هذه المرة ، وكان نصيبك أن تشهد على هذه الخسارة بنفسك ، حتى يقشعر بدنك وتتلوى معدتك .
ضحك صديقي وهو ينهر ألون بحدة أقل مما سبق . ربما لثقته بأن قطه مهما تضخم ومهما جمح ، فلن يلتهمه يوماً ما ، قائلاً لي : يلزم أن نتدبر وسيلة لإبلاغهم بالأمر ، . يقصد زمرة الفلاسفة والمتصوفين ، خاصة أهل "الزن" الطيبين الوادعين ، كي لا يبقوا سادرين في أوهامهم ويورطونا معهم ، أما ألون على سوء أخلاقه وطويته ، فما هو أشد توحشاً من بشر أكارم .
وبموافقتي على ما قال ورغبتي بإغلاق الملف ، فقد تيسر لنا الذهاب في أحاديث شتى ليست بذات صلة ، وعادت عينا صديقي الخضراوان  الفسفوريتان تضيئان بجذل ظلال العتمة ..
 
* أديب من الأردن.