ألحان النسيم (أقاصيص)

Printer-friendly versionSend to friend
سفيان سعيداني*
 
أمثولة المصابيح الليلية
على غير المعتاد لم نتسامر ليلتنا على تلك الصخور الضخمة المعتادة، فقد غيرنا وجهتنا الليلية إلى أرض جلبان كان صاحبها يحرسها من عبث الخنازير، جلسنا معه وقد سر لمجيئنا واستأنس بنا ، كانت له عربة حديدية صعدتُ فوقها واتكأت مسندا رأسي على كومة من القش أتأمل القمر  والرفاق يتجاذبون أطراف الحديث ويضحكون أما أنا فقد كنت أتأمل السماء، كانت صافية رغم الظلمة الحالكة والقمر يزين بلاطها والنجوم تتلألأ بأنوارها الجميلة ، ولا أدري كيف غفوت ونمت طويلا واستيقظت بعدها فلم أجد أحدا، نظرت يمينا وشمالا ، أمامي وخلفي ولكن لا أثر، فالليل مخيم والقمر ما زال بازغا قفزت من على العربة وإذا بهم قد أتوا من جهة القرية، سرت نحوهم حثيث الخطى وعندما أدركتهم أردت أن أسألهم عن سبب مغادرتهم دون علمي، فقالوا أن خنزيراً  شن هجمة جنونية ثائرة ففروا ولم يجدوا الوقت الكافي لينبهوني، وأن تلك الدابة الثائرة أخذت تعدو وراءهم وعندما دخلوا القرية هربت بفعل الأضواء التي تطلقها المصابيح الليلية.
 
ذاكرة بعيدة
بين هذا الضجيج الذي يعم المقهى، نظرت إلى ملعقة صغيرة ملقاة على الطاولة ، نظرت إليها بامعان وتفحصتها بعيني الشريدتين، كانت كمرآة عجيبة تخترق الزمان، لاحت عليها صورة طفل صغير عنيد يتطاير الطيش من عينيه، كان يرتدي ثيابا بالية نظرا لأوضاع الماضي القاهرة ولكنه يحمل مكنسة ويردد صوتا غريبا، وكله أمل أن تحلق به المكنسة مثلما حلقت بتلك العجوز الساحرة في أحد البرامج الكارتونية التي شاهدها في تلفاز صديق له ... ضحكت من ذاك الصبي المشاغب ومن خياله الجامح، وأنا أقارن بينه وبين هذا الشاب الذي استبدل المكنسة بكتاب ، لكنه لم ييأس من التحليق، فقد ظل يؤمن أنه يوم ما سوف تتحول الصفحات حمامات بيضاء تحلق به إلى ما وراء الأفق .
 
بحثا عن مستقر ما
على سفح الجبل الذي ترامى عشبه وشمخت أزهاره الحمراء والنرجس، كنا نسير ونجر حمارينا ، قال لي وقد سئمتْ نفسه: متى تنتهي هذه الرحلة يا صديقي ؟  فأجبته: لا أدري. فقال: دعنا نعود . قلت : لا. مشينا طويلا والأفق أمامنا لا ينتهي، تعبنا وتعب الحماران ولم نجد سوى نهر أحاط به النيلوفر فهبطنا إليه، وردنا الدابتين واغتسلنا من ذلك الماء الرقراق الصافي بللنا ثيابنا التي التصقت بجسمينا النحيلين، وبينما نحن على تلك الحالة، هو يتردد عن المواصلة وأنا أعاتبه في سري مرّ من فوقنا غراب أسود فقلت له : أنظر. فقال: يا لجناحيه الملطخين بالدماء من أين أتى ؟ . فقلت: لا تلمه يا صاحبي لقد فرّ من أرض الدماء، أتى ليوزع لعنته على هذه الأرض الصامتة ويحدث بين أهلها فزعا أبديا. بكى صديقي وقال: دعنا نرحل. فقلت: وها نحن ماضون. ولكن هبت نسمات باردة لفحت جسمينا بنعيم زائف فلم ندر لأنفسنا قرارا، ونمنا تاركين الدابتين ترعى من خشاش الأرض، وكانت إغفاءة طويلة لم ندر من بعدها بتقلبات الكون المظلم .
 
تصفح على غير المألوف
وعندما فتحت الصحيفة وكنت حينها أبحث عن كلمات متقاطعة أسلي بها نفسي وأكسر بها لحظات ثقيلة، ضحكت في نفسي من تلك الأنباء التراجيدية : أطلقت طائرات الإيف جي صواريخها المدمرة على أرض آبو القديمة، فهرع الكهنة إلى وادي النيل يولولون ويصرخون وفر العبيد من أغلالهم مبتسمين يستنشقون نسمات الحرية العذبة ، أما رادوبيس فكانت تعزف على قيثارتها تناشد الطرب على أوتار ملحمية .
ما أسخف العالم يا صديقي ! ...
 
ليلة غامضة
خرجت إلى سهرتي الليلية المعتادة ، حملت مصباحي اليدوي حذرا من فصائل ابن آوى المفترسة ، كانت ليلة مقمرة ،عبرت الغابة الواسعة، كانت البدايات مضيئة ولكن قلب الغابة كان معتما،  والريح نسمات باردة خفيفة اقشعر لها جسمي، أنا لا أخشى الظلام ولكنني أخشى غدر الذئاب فلذلك كبست زر المصباح وبعثرت نوره يمينا وشمالا وأنا أسير بين جحفلين من الصنوبر، توقفت نظرت مليا للجذوع وخالجني شعور غريب، كنت أعتقد أن هذا المكان يصلح مسرحية لليلة على أوتار كمان مرتجف وجوقات راقصات يذللن الطريق نحو النهاية التي تفضي إلى الطريق الترابية ...
 
* كاتب من تونس