أعماله الفلسفية كانت إشراقات شعرية وهواجس أدبية: رولان بارت.. «فكر» أم «ذكاء»؟

أنطوان جوكي

في 26 مارس، حلّت ذكرى وفاة رولان بارت (1915 ـ 1980) وخلّفت فينا شعوراً بافتقادِ فيلسوفٍ قادر، بأدوات فكره، على مساعدتنا في قراءة حقبتنا التي أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها سديمية ومطلسَمة. أدوات تركها هذا العملاق لنا قبل رحيله، لكن إلى أي حد تفيدنا اليوم في هذه المهمة العسيرة من دون نظرته الحادّة والثاقبة؟

السؤال الذي نطرحه لا ينبع من رغبة في التعبير عن شغفٍ -موجود- بشخص بارت، بل للإشارة إلى أن ما يميّز فكره قبل أي شيء هو أنه ليس «ثوباً» جاهزاً لـ«الارتداء»، ولا هو «نظام» قراءة. إنه عددٌ لا يحصى من الدروب والوجهات والمناهج لرؤية العالم، اللغة، وتحليلهما. أما الانطلاقة اللغوية لمسيرته الفكرية فتركت الحقل مفتوحاً لمركّبات تعبيرية (syntagmes) ونماذج نظرية (paradigmes) و«كُلَيمات» أو وحدات بنيوية صغرى (morphèmes) تعجّ بها مؤلّفاته المتنوّعة والباهرة في جانبها المبتكَر. ولذلك، لا نخطئ إن قلنا إنه لا يوجد فكر «بارتيّ»، بل ذكاء «بارتي». وهنا تكمن عظمة هذا العبقري وصعوبته.
 
نظام اتصال
حين نقرأ «ميثولوجيات» (1957) أو «إس/‏‏‏ذد» (1970) أو «شذرات من خطاب في العشق» (1977)، نعرف فوراً أننا لسنا أمام أعمال «فيلسوف»، أي مؤسِّس لعالمٍ مغلَق، إذ تعبّر هذه النصوص عن إشراقات شعرية، هواجس أدبية، نفَسٌ يقع ما وراء العقل الذي لا يعرف سوى التفكير. هذا ما يتجلّى بقوة في كتاب «ميثولوجيات» مثلاً، الذي يمنحنا فكرة دقيقة عن تلك المنطقة التي نشط بارت فيها وتقع ما بين الفكر والأدب. ففي هذا المؤلَّف، نراه يحلل بحسٍّ فكاهي عالٍ ولغةٍ ساحرة ميثات المجتمع الفرنسي في الخمسينيات. وفي هذا السياق، يقول لنا إن «الميثة هي كلام»، أي نظام اتصال، رسالة ترتبط بمجتمع معيَّن في زمنٍ محدَّد من تاريخه، قبل أن ينطلق في تعداد ميثات ذلك العقد بحدّة وحذاقة وطرافة، مانحاً إيّانا في طريقه أمثولةً سيميولوجية -ميدان اختصاصه الأوّل- موضوعها ليس أقل من الخيال الذي يحيط بنا وغالباً ما يُغرِقنا ويستعبدنا بالإعلانات الدعائية والمنتجات الاستهلاكية والملصقات السياسية والصور المختلفة الناتجة منه: «أحد المصادر الرئيسة لعبوديتنا هو الطلاق الفادح والمضني بين الميثولوجيا والمعرفة. يسير العِلْم بسرعة وبخطٍّ مستقيم على طريقه؛ لكن التمثّلات الجماعية لا تتبعه، بل هي متأخّرة قروناً، راكدة في الخطأ على يد السلطة ووسائل الإعلام النافذة والقيَم الزائفة المروَّج لها».
وأكثر من أي كتابٍ آخر له، يبيّن «ميثات» مدى دَين بارت لعالمٍ الألسنية السويسري فردينان دو سوسّور، خصوصاً في ما يتعلّق بالنظرية التي وضعها هذا الأخير حول تمفصُل الدال والمدلول. لكن احتلال هذه النظرية موقعاً مركزياً في فكر بارت لا يعني أنه تقبّلها كما هي، بل «لوى عنقها» عبر إضافته على هذه الثنائية المتلازمة (دال/‏‏‏ مدلول) عبارة ثالثة: الدلالة. فأبعد من الكلمة وعلاقتها بالشيء الذي تدلّ عليه، ثمة عناصر فاعلة، في نظره، هي غير الكلمة والشيء. كلمة «شجرة» مثلاً تحمل ـ خارج معناها ـ رموزاً (قوة، حياة ...) ودلالات إيحائية (الفصول، أوراق الشجر، الخشب...). هكذا تملّك بارت في نهاية الخمسينيات أداةً صقلها علماء السيميولوجيا، ولكن أيضاً علماء التحليل النفسي والأنثروبولوجيا والبنيوية، مُجدِّداً بواسطتها مواد الكلام الميثي وعلم السيميولوجيا الذي أسَّسه دو سوسّور في مطلع القرن الماضي. وبقيامه بذلك، وضع أفكاره في قلب النقاشات الكبرى التي طبعت النصف الثاني من القرن العشرين، وفرض نفسه كأحد أبرز وجوه هذا القرن الفكرية.
 
الدال والمدلول
وكذلك الأمر في ميدان النقد الأدبي، حيث وقف بارت في مكان القراءة والتحليل الذي يتعذّر تجاوزه، مستعيناً مرّةً أخرى بـ «الدلالة» كما حدّدها، أي كمسألة تتخطّى تلك العلاقة بين الدال والمدلول، لإثبات أن القارئ يأتي بخيالٍ خاص وبرمزية جدّ شخصية لدى قراءته أي نصّ. ولفهم هذه النقطة، لا بد من استحضار مقاله «وفاة الكاتب» الذي شكّل «قنبلة» لدى صدوره بالإنجليزية أولاً عام 1967، ثم بالفرنسية عام 1968. مقالٌ تعود شهرته إلى انتقاد صاحبه فيه ناقدان كانا مرجعَين في الدراسات الأدبية الفرنسية حتى مجيئه، ونقصد غوستاف لانسون وسانت بوف. فبينما رأى هذان الأخيران أن تقييم أي عمل أدبي يتطلّب معرفة عميقة بكاتبه، اعتبر بارت أن «ثمن ولادة القارئ هو موت الكاتب». والمقصود بهذا القول هو أن على الكاتب أن يخلي مكانه للقارئ الذي يعيد كتابة النص لنفسه. ومنذ تلك الفترة، أصبح مشروعاً أن نقول إن القارئ ـ أيّ قارئ ـ يملك قراءته الخاصة، وإن الكاتب لم يعد الضامن الوحيد لمعنى ما يكتبه.
وفي كتاب «إس/‏‏‏ذد»، يذهب بارت إلى أبعد من ذلك بإشارته إلى أن المقاربة التقليدية للنقد الأدبي تطرح مشكلة معقّدة يختصرها بسؤال: كيف يمكننا معرفة نيّة الكاتب؟ وفي سياق برهنته استحالة هذه المعرفة، يستحضر قصة «سارازين» (1830) لأونوري دو بالزاك التي يقع فيها رجلٌ في حب رجل آخر خصيّ لظنّه أنه امرأة. وحين يستسلم هذا الرجل لهذيانٍ سببه ولعه بذلك الذي يرى فيه مثالاً للأنوثة، يتحدّى بارت القرّاء أن يتمكّنوا من معرفة مَن يتكلم، بالزاك أم شخصيته، وعمّا يتكلم.
 
خطاب العشق
وبما أننا نتحدّث عن الحب، لا يسعنا عدم التطرّق أيضاً إلى هذا الموضوع الذي لا ينضب منذ بداية زمن الكتابة، وألهم فيلسوفنا أحد أهم كتبه، ونقصد «شذرات من خطاب في العشق». موضوع تمكّن بارت من الإمساك به من أقرب مسافة ممكنة، بعدما طوّر أداة قراءته بطريقة أضحت فيها أكثر نفاذاً مما كانت عليه عام 1957، دليلاً ضرورياً لولوج أدب الحب، مفتاحاً يتعذّر تجنّبه لمحاصرة ميثات الحب في الغرب وفكّها. طبعاً، كان الكاتب السويسري دوني دو روجمون قد سبقه على هذا الموضوع وقدّم فيه عملاً قيّماً ومرجعياً بعنوان «الحب في الغرب» (1937). وقد استعان بارت بهذا الكتاب، لكن ليس لوضع خلفية تاريخية لموضوعه، بل لاستخلاص ما سمّاه مواطنه جاك لاكان في الفترة ذاتها «mathèmes»، أي عناصر أساسية، قاعديّة، ذات طابع شمولي، في السلوك الناتج من العشق. ومع أن بارت لم يستخدم هذه التسمية، بل عبارة «figures» (أشكال، وجوه)، لكن القرابة بينهما مذهلة وغير صدفوية على الإطلاق.
وفعلاً، يمكننا في متاهة الحب ملاحظة «أشكال» نموذجية تقوم أولاً على التكرار. ألم يقل لاكان: «الواقع هو الشيء الذي يتكرّر»؟ لكن بارت لم يكتفِ بالقول إن ثمّة ما يتكرر في السلوك الناتج من العشق، بل ذهب أبعد من ذلك بإثباته إنه لا يوجد في هذا السلوك إلا ما ينزع إلى التكرار، وبالتالي إلى الشمولية. وهذا لا يعني أنه أنكر في كتابه خصوصية كل فرد في سلوك عشقه، بل وقف ما وراء الحالات الفردية لمعانقة الشامل. وفي هذا السياق، بيّن أن هذه «الأشكال» التي تتكرّر لها علاقة بالأفعال التي يستخدمها العاشق في خطابه، لا بشخصه. فعبارات مثل «أحبّك»، و«لا أريد أن أخسرك» و«أشعر بقلقٍ»، و«سأبقى وفياً لك إلى الأبد» تنسج خطاب الحب وفي الوقت نفسه تجمّده في وضعيات ذات طابع شمولي.
وحتى كلمة «خطاب» (Dis-cours) بالفرنسية يذكّرنا بارت بأن معناها الأوّل هو الركض في جميع الاتجاهات، وهو ما يميّز سلوك العاشق. وحين نعرف أيضاً أن كلمة «شكل» (figure) بالفرنسية تتشارك الأصل نفسه مع فعل «جمّد» (figer)، لا نفاجأ حين نرى أن «الأشكال» المكرَّرة في سلوك الحب تجمّد وضعيات شبه جسدية لـ «الراكض ـ العاشق»، كالإسراع، الإبطاء، التوقّف، الوثب، وبالتالي تسمّر كل ما هو ممكن تجميده في جسده المتوتّر. ولأن «الشكل» مركَّزٌ (مثل علامة)، وقابلٌ للحفظ (مثل صورة أو حكاية)، ومبني إن مكّن شخصاً ما من القول: «كم هذا صحيح! أعرف هذا المشهد اللغوي»، قاد بارت مقارنة مثيرة بين العاشق وقارئ الروايات أو القصص أو القصائد الذي يخلق بدوره «أشكالاً» خلال زمن قراءته. ولذلك، يكفيه أن «يتعرّف» إلى حالات، وضعيات، جُمَلاً ملفوظة «تقول له شيئاً ما»، وهو ما يتعذّر تجنّبه. شيءٌ يُمنَح إليه كي يُمسِك به ويضيف عليه أو يطرح منه، قبل أن يمرّره إلى الآخرين، الأمر الذي يحوّل النص المقروء إلى فضاء تعاونٍ، إلى عملٍ جماعي.
 
الخدع اللفظية
يبقى أن نشير إلى أن بارت ارتكز في «شذرات من خطاب في العشق» على قراءاته لأعمال شعرية ومسرحية وروائية (خصوصاً رواية غوته «عذابات الفتى ورثر»)، وأيضاً على أعمالٍ فنية مختلفة وتجربته الشخصية، من أجل بلورة تأمّله في خطاب العاشق وعلاقته باللغة، علماً أن ما فتنه في هذا الخطاب، أبعد من طبيعة الكلمات أو الجُمَل التي يتألف منها ووظيفتها، هو استيعابه يأس البشر أمام الحياة والموت. وهذا تحديداً ما يجعل من كتابه المذكور عملاً أدبياً بامتياز، وما يجعلنا نعتبر أن نجاحه وشهرته إلى حد اليوم يعودان إلى بلوغه قرّاءه كعمل أدبي وليس كبحثٍ فلسفي أو لغوي.
ومثلما شكّل هذا الكتاب قطيعةً في طريقة مقاربته موضوعه، شكّل بارت لحظة قطيعة في النظرة التي نلقيها على الأعمال الكتابية، مهما كانت طبيعتها، بتعليمه إيّانا كيف نمسك، لدى قراءتنا، بشحنة ما هو موحى به، ما لم يقل، ما يتوارى خلف الخدع اللفظية، في الخطاب المكتوب. وبقيامه بذلك، شيّد، عند تقاطُع السيميولوجيا والألسنية وعلم التحليل النفسي والفلسفة، منارةً ما زالت ـ ولفترة طويلة ـ تنير دربنا.
 
المتعدد
ولد الفيلسوف والناقد الأدبي، دلالي، والمنظّر الاجتماعي الفرنسي، رولان بارت، في 12 نوفمبر 1915 وتُوفي في 25 مارس 1980، واتسعت أعماله لتشمل حقولاً فكرية عديدة. أثر في تطور مدارس عدة، كالبنيوية والماركسية وما بعد البنيوية والوجودية، بالإضافة إلى تأثيره في تطور علم الدلالة.
تتوزّع أعمال رولان بارت بين البنيوية وما بعد البنيوية، فلقد انصرف عن الأولى إلى الثانية أسوة بالعديد من فلاسفة عصره ومدرسته. كما أنه يعتبر من الأعلام الكبار - إلى جانب كل من ميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهم - في التيار الفكري المسمّى ما بعد الحداثة.
من أقوال رولان بارت، التي تعبر عن اتجاه تفكيره، هذه المقتبسات:
ـ من خصائص الواقع أن السيطرة عليه غير ممكنة.
ـ على المرء أن يخفي عن اﻵخرين صيدلية بيته ومكتبته.
ـ الحب عاجز عن التعبير عن الذات، عن النطق.. ومع ذلك فأنه يود الجهر والصراخ والإعلان في كل مكان، الحب حكاية تتم بالمعنى المقدس.. أن الحب قيمةٌ.
ـ أليست الرغبة هي دائماً ذاتها مع غياب المحبوب أو حضوره؟ أو ليس المحبوب غائباً دائماً.
ـ الأدب ما هو إلا سؤال ينقصه الجواب.
 
عن " الاتحاد" الإماراتية.