أشجار لا تبوح بالأسرار

محمود الريماوي*

الأشجار آباء وأمهات، والناس تحت أغصانها الوارفة وفي أفيائها: أطفال.

...الريفي الوافد حديثا الى مراكش ليس طفلاً، فهو بسحنته السمراء وقد لوّحتها شمس الجنوب يوشك على  بلوغ عامه السابع عشر. بائع متجول على قدمين كبيرتين وبِرئتين مفتوحتين، حديث العهد بالمهنة، يلتقط رزقه ببيع نظارات صيفية وولاعات صينية وقبعات قش مكسيكية وموبايلات هجينة، يستغرب ماشياً ومتوقفاً وببداهة طفل: حدائق القصور وحدائق ألف ليلة وليلة وحدائق الأندلس وحدائق النصارى، وقد رآها في الصور بديعة أكثر من هذه، لكنها ليست مثل هذه. وحتى حديقة ماجوريل الفخمة وقد رآها في المدينة ليست كهذه..
 الشاب مُحِقّ بخصوص الحديقة الرقمية* التي يعبرها لأول مرة.
في  مستهل الحديقة معرض هواتف، تحكي النماذج الأصلية للهواتف المعروضة خلف الزجاج التطور الذي أصاب هذه الآلة السحرية على مدى نحو قرن. شبّان يتفرجون على عَجَل، ويستذكرون بإشفاق الأجداد الذين لم يحُزْ المحظوظون منهم سوى على هواتف سوداء ثقيلة ومضحكة، والأشجار العريقة من حول المعرض واقفة لابثة.  البائع اكتفى بنظرة سريعة وواصل سيره، فهو لا يتفرج على المعروضات حتى لا يثير اهتمام الرواد بها، فيُقبلون على اقتنائها وينصرفون عن شراء موبايلاته. بعض الشبان والشابات يمشون منفردين، يتخاطرون بغير ما حاجة الى هاتف مع من هم في الحديقة، ومع نظراء لهم وراء الأسوار والبحار.
 في هذه الأثناء يلمح البائع رجلاً أربعينياً ساهماً يجلس منفرداً. سحنته مألوفة بيد أنه لا يأبه به. الرجل ينظر الى البائع  نظرات غائمة، وبالكاد يراه فما أكثر البائعين الجوالين، ومهما اختلفت هيئاتهم فهم متشابهون في الطباع  والأهداف. الرجل ممرض متفانٍ في عمله، عازب لم تدركه حرفة التأليف وقلمه الثابت في الجيب للعلوي للجاكيت لأغراض 
القيافة لا الكتابة، مسافر دائم في الزمان والمكان زادُه خيالٌ شغوف. غارق في تهيؤاته، وهذه تزداد وضوحاً في ناظريه مع زياراته المتكررة للمتنزه العجيب. وبِشحْنِ مرئياته وإطلاقها، فإنه يضمن إيقاظ الحديقة وتحليقها تحليق بساط ريحٍ أخضر، إذ  يعتبرها ويا للغرابة حديقة نائمة تنتظر من يوقظها، هو من يبدو لناظره شخصا مُسرنماً.  
 ها هو يرى رجلاً مهيباً يرتدي عباءة ريفية قشيبة، ينتبذ مكاناً قصياً ليس بعيداً عن بوابة الحديقة.  إنه "الشيخ" الوحيد في المكان. تحيطه هالة في وضح النهار. الشيخ يمُد يده باستقامة أمامه، وسرعان ما يتقدم منه سائحٌ تفتّقت الحُجُب عنه، عجوز أجنبي مُحمرّ الوجه يحتفظ بقامة معتدلة ومشية نشطة، ينهض الشيخ لاستقباله ويصافحه بسخاء وحرارة، يتبادلان هزّات الرأس مع عبارات تشعّ بالمودة، ويدعوه الشيخ للجلوس بجواره تتوسطهما فتاة ترجمانة.. ضئيلة القوام ذات محيّا صبوح. المشهد واضح في رأس الممرض الذي يرتأي إنهاض الرجل وضيفه صوب المعرض الزجاجي. الأجنبي ينحني على المعروضات ويتفحصها واحدة واحدة، ويشير بإصبعه الى هذه وتلك، ويطلق تنهيدات: أوه.أوه..  والشيخ بدوره يُبدي استغراباً مُفعماً بالزهو، فهذا ما لم يخطر له ببال في زمانه قبل 300 سنة. الترجمانة بصوتها الرقيق تتولى الشرح الوجيز للسائح كما للشيخ المهيب، ويحاول الأخير كتم دهشته أمام الضيف.
أما البائع الناحل فيتقدم ويتمهل. يتلفت يمنة ويسرة، ومع انشغال رواد الحديقة عنه يُصاب بالتطيّر: لن يبيع شيئا، ويخشى فوق هذا أن تراقبه أجهزة خفية، أو تلتقط الشرطة السرية صورة له، وتتهمه بمزاولة التسول أو السرقة. هنا أشجار قديمة وإنترنت حديث. وهنا باستثناء شجر الزيتون أشجار غير مثمرة تُحسن سماع الهمسات. الأشجار تسمع كل شيء وتحتفظ بالأسرار، وليس أكيداً أنها تقرأ ما يبثّه الراجلون والجالسون أمام الأجهزة المثبتة على أعمدة مخصصة لهذا الغرض، أو على تلك التي يضعها أحد الجالسين على الساقين أعلى الركبتين. البائع لا يكتب ولا يبُث شيئا، إذ لديه ما يكفي من موبايلاته، من دون أن يكون لديه ما يقوله لأصدقاء لا وجود لهم في المدينة الحمراء. 
  البائع يرى الأشجار وأعمدة الانترنت والشبان المرحين، ولا يرى شيئا مما يراه الممرض الذكي، الذي يُكلّم نفسه بأكثر مما يتكلم مع مرضاه، والمنصرف بعيداً  في عطلة السبت عن المشفى الخاص الى ما هو فيه، فلا يلحظ طيراً عابراً ولا تبلغ مسامعه سقسقة عصافير، فها هو ببذّته الحائلة وشعره غير المسرّح وملامح الشرود لا تفارقه، يقول لنفسه إنه توقف عند دهشة الرجلين في زيارة سابقة للحديقة، وإن أموراً جديدة سوف تحدث. فالسائح يقول هذه المرة إن هذه الأجهزة  خلف الزجاج لم تُصنع للمتحف ولا للفرجة، بل من أجل الاستخدام، وأن سعادته بما يرى تمتزج بشيء من الاستغراب، مُعرباً عن الأسف إن كانت صراحته غير لائقة، أو فاقت الحد. ولما لم يَحِر الشيخ جواباً للتو بعدما سمع الترجمانة، فقد استأذنته هذه أن تجيب فأجابت إن الأجهزة للاستعمال، عدا هذه المعروضة، أما الأجهزة في الأسواق فقد تم تحديثها، وجميعها القديمة والجديدة تعمل وفق القانون القديم نفسه والغاية ذاتها، وهي تسهيل التواصل وتقريب المسافات بين عموم البشر. فسأل إن كنتم قمتم بتحديثها فأجابته الشابة إن بلادكم، وبلاداً أخرى في الشرق والغرب تولّت هذا التحديث الذي نشأت عنه صناعة كبرى، وحركة استيراد وتصدير وبيع وشراء وترويج نشطة. وشرحت للشيخ ما ذكرته للضيف فأومأ برأسه موافقاً. وهنا شكر الضيف مضيفه لأنهم خصصوا حديقته لهذا الغرض، سمع الشيخ الترجمة فأجاب على الفور: الشكر للمولى وللأحفاد وللسلالة ولعشيرنا الكبير. عِلْمي بها حديقة للأشجار والنباتات والطيور والأرواح الشريدة. أجهل هذه الأجهزة الغريبة. فلما سمع الضيف العبارة الأخيرة. استغرب متسائلا : كيف؟. فخاطبه قائلاً: إنني أتقدم عليك بمئة سنة على الأقل، لقد جئتُ من نقطة أبعد من تلك التي وفدتَ منها.
 أبعد من لندن، ألست ابن هذي البلاد؟
 سأل الغريب، فأجابه الشيخ: 
أتحدث عن الزمان، وأنت تحدثني عن المكان.
 وأردف بنبرة مهيبة فتنت المترجمة: ُيباعدنا الزمان واللسان، ويجمعنا هذا المكان.
الممرض المثقف هو نفسه أعجب إيما إعجاب بعبارته، حتى كاد يشُك أن تكون قريحته هي من جادت بالعبارة. استغرقه الهاجس لهنيهات فتباعد عنه المشهد، وأغمض عينيه واستدعى بشيء من العناء صور الشيخ والسائح والترجمانة، وأعادهم ثلاثتهم الى المشهد الذي هم فيه. وإذا بالأجنبي يومىء برأسه إيماءة تشي بالوداع، دون أن يلتقط الشيخ بوضوح مغزى الإيماءة.
  أما البائع فبعد أن حانت منه التفاتة قَدَرية، غريزية الى السماء العالية إذا بشابة في مقتبل العشرين تستوقفه، يهِش ويبِش لها، تسارع لاختبار ولاعة بنفسجية تقدحها على سبيل التجربة فتشتعل وتجرّب أخرى فتشتعل لكنها لا تشتري أيّاً منهما، تأخذ منه قبعة قش وتضعها على شعرها وتميل بعنقها في دلال، وتعيدها لصاحبها الذي يغتمّ، لكنها تبتعث فيه مجدداً ذهوله السعيد إذ تخاطبه بتعمّد وبلغة "ثقافية": لا تستغرب هذا المكان، هنا تمّ زواج الطبيعة والتكنلوجيا ويجب أن تبارك هذا الزواج. فغمغم ضاحكاً غير مصدّق ما سمعه: مبروك الزواج سبع بركات. بيد أن الأمر ازداد انغلاقاً عليه، وفكّر متمتماً بكلام غير مسموع..  متمتماً بكلامه هو وليس بهذه الكلمات: إذا كانت الطبيعة تزوجت زواج أباعِد من التكنلوجيا (والأخيرة لا بد أنها ذكر)، فلماذا لا يتيّسر له هو الزواج بمن يهوى، لماذا لا تختصر الفتاة المليحة المحترمة الطريق الطويلة، وتعرض عليه هي الزواج منه كي يستجيب على الفور، ويمنحها بضاعته كلها ومعها سلع إضافية مخبأة في حرز حريز بمسكنه غير البعيد، وتشتمل على إكسسوارات وعطور نسائية فرنسية وإيطالية مقلدة، وتكاد لا تختلف بشيء عن الأصلية، مع أنه للحق لا يعرف شيئا عن تلك الأصلية، غير أن التاجر الضليع في تجارته أحاطه بهذا. يكتفي بالنظر بخفر الى عيني الفتاة الجريئة، ويستغرب كيف أنه هو الرجل يعتريه خجل، فيما المدموزيل ثابتة النظرات والفؤاد، تتبسم وتشيح بيدها عنه بحركة نصف ودّية نصف عدائية متجهة ببنطلونها الجينز الأسود وقميصها السميك المائل للصفرة، وخطواتها السريعة الى أقرب جهاز مثبت قرب أقرب شجرة  بين الأشجار الطويلة، التي لا أحد من الإنسيّين يُدانيها طولاً. وقد تمنّى البائع الريفي وقد زايله الانشراح وأعتمت المرئيات في ناظريه.. تمنى في سرّه لو يُطلَق سراحه ويستمتع بتسلق هذه الشجرة أو تلك في دقيقة أو أقل، والمكوث على غصن قوي وعالٍ منها تحجبه الأوراق عن الأنظار، يلتقط العصافير الغافلة كما يلتقط حبّات الثمر، يفتح قميصه للهواء الحر ولأشعة الشمس غير المنكسرة، ويراقب الرائحين والغادين واللابثين في أماكنهم، ولا يتنبّه أحدٌ لوجوده هناك. لكن خاطره سرعان ما يؤوب من رحلته الخاطفة، إذ لم يعد طفلاً كي يتسلق أشجاراً، وليس في نيته التضحية بما يملك فداء رغبة طائشة، وتعريض بضاعته للتحطيم إذا صعد بها الى أعالي شجرة، أو للسرقة إن تركها خلفه بغير حارس.. فلن ترضى الفتاة المليحة بحراستها، وقد تقبل من أجل خداعه، فيترك بضاعته سائبة نهباً للنهابين.
البائع  أعاد مروره من أمام الممرض قاصداُ اختتام جولته  في الحديقة، والممرض لابثٌ هنا ولا يقصد ساحة الفنا القريبة لتجسيد مرئياته كما سائر الحكواتيين المحترفين والهواة،  تلعثُم نطقه وخجله الشديد يحتجزانه هنا، وقد حالا من قبل بينه والزواج، وقد استدعى البائع بحركة جلب حازمة من كفّه فتقدم منه على وجَل. أشار له أن يمكث أمامه قريباً منه، وسرح بنظره كالساحر مستدعياً مشهد الشخوص الثلاثة، ودافعاً الترجمانة لأن تلحظ وجود البائع، وما يحمله من بضاعة زاهية خفيفة الأوزان. الفتاة انتبهت لوجود موبايلات حديثة بحوزة البائع، لكنها لم تحرك ساكناً ولم تتفوه بكلمة، وهو ما استعصى فهمه على الممرض الذي غفل عن كون السبب يكمن في أن صوته لم يصل الى مسامعها( صوته الحقيقي لم يبلغ عالمها الافتراضي) فخرج عن طوره قائلاً بصوت مسموع أمام رواد الحديقة: هيا إعرضي بعضاً منها على ضيفنا الرومي كي يدرك ما بلغته صناعة الهواتف، إفعل ذلك أنت أيها الشاب، هيا إفعل ولا تقف كصنم.. لماذا تطوف إذن ببضاعتك، ولأجل من؟ هل استدعيتك أمامي كي أمتّع ناظريّ بمرآك؟ ومجدداً لم تسمع الترجمانة ما قاله، والرواد الذين سمعوا احتفظوا بمسافة غير قريبة منهما، وبالطبع فقد سمعه البائع الذي تراجع مذعوراً، فنهض الممرض من مقعده ودعاه غاضباً للعودة بعدما تبددت المرئيات في ذهنه، ونَقَده خمسة دراهم لقاء لا شيء، ووبّخه بتحنان معلم قروي وبعبارات قصيرة غطّت على تلعثمه: لقد أفسدتَ كل شيء يا هذا، فقد كان معنا حضرة الانجليزي غراهام بيل مخترع التلفون، الذي يحِلً ضيفاً  مُكرّماً على مولانا عبدالسلام، وتتوسطهما المترجمة المحترمة. أنت لا تفقه شيئا، إذهب بعيداً. لقد أفسدتَ كل شيء. 
ومغالباً رغبته الجياشة بالصعود الى شجرة للاحتجاب عن الأنظار، فقد انحرف البائع نحو الباب، وخرج مُهرولاً صوب صومعة الكتبية تلسعه الدراهم الخمسة في جيبه، ومتيقّناً في دخيلته من غرابة الحديقة.

*  حديقة مولاي عبدالسلام سليل الأسرة العلوية، تقع في قلب مدينة مراكش وتمتد على مساحة 8 هكتارات، وتتوافر فيها خدمات الاتصال الحديثة.

أديب وإعلامي من الأردن.