أسْـرَارُ العَـنكَـبُـوت

ادريس الواغيش*

لا نختار طرقاتنا في الغالب، وحين تُـرسم لنا بشكل أو بآخر، نصبح أسرى لها. من هناك جئت، لكني لا أعرف أين سينتهي المشوار. قليل من يعرف أن اسم - تاونات- الحقيقي يعود إلى دوار يوجد في "امْتِـيوَة العُـليا"(شرق سبت بُوهُـودَة)، وأن تاونات الحالية (حيث مركز المدينة) كان اسمها القديم "مزيات"، لكثرة أشجار الزيتون فيها وجَـودة زُيوتها، وإن كانت المسألة تحتاج إلى حفر أنثروبولوجي أكثر.
من هناك جئت،
أنا المَـنسيُّ هناك
وهناك بعض دمي. 
تاونات هضبَة مرتفعة قليلا (أقرب إلى جَـبل)، موقعها الجيوستراتيجي المُـتميز مكَّـنا جنود الاحتلال الفرنسي من التحكم في مُراقبة هِـضاب "شراكة" غربا و"الحَـيَايْـنة" شرقا ،وأيضا مَسالك بني وليد وقبائل جْـبَالة المُمتدة على طول نهر "وَرْغَـة" القادم من جبال الريف في الشمال، لذلك جعلها الفرنسيون مركزا عسكريا. أقام بها بعض الأهالي مطاعم على جنبات الطريق المؤدية إلى قبائل كتامة والحسيمة والناظور في ما يشبه "الخِـيَـم" من الثوب والقصدير، تطوَّرت الأمور وكبُـرت القرية تدريجيا حتى أصبحت مدينة، ثم تم اعتمادها مركزا لعمالة إقليم تاونات مع التقسيم الإداري الجديد لسنة 1977م، كنقطة قرب تجمَع مراكز الإقليم الأربعة: طهر السوق، تيسة، غفساي، القرية، وإن حرمتها الطبيعة من موضع جَـيّـد ومنبسط يكفيها للتوسع العُمراني، فلها ما يشفع..!.
من هناك جاءت أمي باكية ذات طفولة، هذا كل ما حَـكته لي عن يُـتمها، لكن كيف؟ لا أحد يدري وذهب سرُّها معها، خجلها الشديد كان يمنعها من الإفصاح عن كل التفاصيل.  أذكر الآن، أنني كلما مرَرْت من ذاك المكان عبر حافلة المَـساء الوَحيدة كنت أتذكرها، وما زلت. كانت أمي رحمها الله تُكنى بـ: "التاوناتية" (نسبة إلى تاونات) وتُـنطق بالعامّية( تاونانْت)، ومن المرجح أنها كلمة أمازيغية، لأنه لا جذر لها في اللغة العربية. كل من كان يأتي إلى قريتنا من جهات وقبائل مختلفة جغرافيا وإداريا عن منطقتنا يسمونه الأهالي باسمها: التولي(التّـول)، الصنهاجي(صنهاجة)، الريفي(الريف)...إلخ. 
كانت نساء "أيلة" تنادينني بـ:" ولد التاوناتية"، ولم أكن أعرف حينها وأنا صغير السن ما معنى "تاوناتية"، كنت أخشى أن تكون مسبَّـة مثلا أو شتيمة، خصوصا من بعض النساء الشريرات في قرتنا.
كانت أمي خجولة وأيضا كتومة في جانبها العاطفي وانتمائها "التاوناتي"، وكنت أنا منشغلا عن السؤال والنبش في الموضوع بـ"القراية" واللعب مع الخلان دون توقف أيام العُطل والآحاد، لذلك كل ما كانت تحكيه لي، على قلته، ينمحي في الليالي الباردة وأنساه مساء الغد بعد الانتهاء من صيد العصافير  .
خالتي عائشة رحمها الله، كانت الأكبر سنا والأكثر جُـرأة وحَـذلقة منها، تعلمت صناعة الفخار من جدّتي وأتقنته، لكنها لم تعمِّـر في الحِـرفة طويلا، بارت صناعتها سريعا مع ظهور أواني الالمنيوم والبلاستيك. هي أختها الوحيدة القريبة منها وجدانيا وسَكنا، في غياب أخت تسكن بعيدا وأخ مات مُـبكرا، لذلك عشت بلا "خال"، كنت أشعر أن لي خالة واحدة مع أن لأمي أختان. الأخت الكبرى كانت لا تزال على قيد الحياة، لكنها غائبة عنا وجدانيا، رأيتها مرة واحدة في حياتي ثم نسيت بعد ذلك ملامحها، كان لها بنون وبنات وحفدة وحفيدات كُـثر، لكن لم أعرف منهم إلا ولدين يكبُـراني سنا، أحدُهم يسكن في مكناس والآخر في فاس، مع ذلك ولسبب ما، كان يسود بيننا جفاء صامت، لا أحد يسأل عن الآخر!.
كان يزورنا في البيت رجل كهل من جهة الأم، لكن بشكل نادر ومحتشم، هو من دوار أمي الأصلي، كنت أسمع أبي رحمه الله يناديه بالصِّـهر حينا و"النسيب" حينا آخر، وكانت أمّي تقول له "ابن خالي"، أركب الأمور على بعضها فلا أجد رابطا ولا أفهم شيئا. كنت أفهم من كلامه أنه مثل أمي وخالتي وحيدَ أسرته، هكذا عرفت بأن أسرة أمي من جهة أخوالي بعيدة عن حياتنا، لذلك لم أكن أعِـرها أيَّ اهتمام لأسباب تعوَّدت عليها، حتى أنني نسيت أن لأمي عائلة غير عائلة أبي، لكثرة ما كنت أسمعها تشتكي من حُـرقة اليُـتم منذ الصغر، من جهة الأب، أقصد جدي من جهة الأم، الذي توفي مُـبكرا وهي صغيرة ثم تلتها الأم، جدّتي من جهة الأم، هكذا عشتُ محرُوما من رُؤية الأجداد سواء من جهة الأب أو الأم، علاقة جدّي لأبي بجدي لأمي كانت مُعقدة ويصعب تفكيك خيوطها، لارتباط الجزء فيها بالكل!
عندما بدأت أسافر إلى مكناس وأنا صغير السِّـن، ثم إلى فاس بعد ذلك حين انخرطت طالبا في جامعتها، كنت أمر بالقرب من دوّار أمي الأصلي "امتيوَة"، فيتراءى لي مُعلقا أسفل جبل يتعالى عن الأرض، بدءا من نهر "ورغة" مثل برتقالة كبيرة. من هنا بدأت الرَّغبة في زيارة أهل أمي وأجدادها، لكن لأسباب لا أعرفها ظلت القناعة عندي بأن أصولها من دوار "أيلة" أبا وأمًّا، وليست من دوار"امتيوَة"، كنت أسمعها تقول لأبي رحمه الله من حين لآخر: "الله يَـاخُذ الحق!"، عرفت أن هناك شيئا مكتوما ومستورا عليه من جهة جدي، إلى أن فهمت بأن جدي من جهة الأم لم يأخذ حقه كاملا من الأرض والغلات، حتى لا يستفيد منها" الوارث القادم" الذي قد يتزوج أمي أو خالتي، لذلك تزوج أبي من أمي وتزوج عمّي بخالتي في عَـملية مُنظمة، حتى "لا يستفيد غيرُنا من خَـيرنا"!. 
كانت أمي رحمها الله قد أسرت لي سابقا بأسماء بعض خُطابها في لحظة بَـوْح نادر واستثنائي(اثنين تسرَّبت لي أسماؤهم، وعرفت أن أحدهم يعمل مُوَظفا حكوميا). كان أبي يعدني بزيارة أهل أمي من جهة الجدة عندما كنت صغيرا، لما كبرت أنا وشاخ هو، بدأت أعده بدوري بزيارتهم، وظل هذا الوَعْـدُ مُـؤجلا من الطرفين إلى أن مات مع أبي رحمه الله!
 
* أديب وإعلامي من المغرب/ فاس.