أسس البلاغة الحركية في النصوص الترابطية

د.أحمد زهير الرحاحلة*

 

    من يبحث في كتب القدماء والأولين يدرك أنهم كانوا على وعي تام ببلاغة الحركة والإشارة، وطاقاتها التعبيرية التي قد تعجز الكلمات والملفوظات عن أدائها، ولذلك جاء في أمثال العرب قولهم: "رب إشارة أبلغ من عبارة"، وهذا الوعي بقيمة الحركة كان متحققا عند الخطباء، والأدباء، واللغويين، والفلاسفة، والشعراء، ويضيق المقام عن بيان شواهده، إلا أن جانبا كبيرا من المسألة يتضح في الدراسات التي وقفت على نظرية السياق ودوره في بناء المعنى.
   يقول عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد: " ذلك الذي تصمت شفتاه يثرثر بأطراف أصابعه" في إشارة صريحة منه إلى لغة الجسد ودورها في التعبيرات الإنسانية، وهذا الملمح لم يكن غائبا عن مبدعي أو فلاسفة عصور ما قبل الميلاد، كما نجد عند أفلاطون وأرسطو وسواهما، ولا نبالغ إذا قلنا إننا نعاين في الحركة ومتعلقاتها لغة عالمية يمكن التواصل والتعبير من خلالها.     
    كان التفات المبدعين المسرحيين إلى "البلاغة الحركية  Kinetic Rhetoric" سابقا على التفات المبدعين من الشعراء والسرديين، ومع أن الحوار هو العنصر الأساسي في العمل المسرحي إلا أن الأداء الحركي، والمؤثرات غير اللغوية قد تطورت تطورا كبيرا جعلها – في بعض الحالات - تصل إلى حدود تستغني فيها عن الكلمة استغناء تاما، وفي هذا يقول "جورج لورث" :" الكلام ليس من وسائل التعبير المسرحي، وإنما هو من وسائل التعبير الأدبي".
    والأمر عينه نجده عند "أنطوان أرتو" صاحب "مسرح القسوة"، " المسرح الذي يقوم على الشكل والحركة والإضاءة ويستبدل بالكلمات البلاغة الحركية"، ولأن النص الترابطي أصبح يمتلك فضاءه البصري الخاص وإمكانيات العرض المتعددة، فإن التوظيف الحركي على سطح الشاشة أصبح ركنا أساسيا في بنائه، وهو ما نجد الوعي بقيمته وأثره حاضرا في النصوص الترابطية الغربية.
       فالبلاغة الحركية: هي فرع من فروع البلاغة الرقمية، أنتجتها التحولات العصرية والثورة التكنولوجية، تهدف إلى تحقيق مستويات نموذجية من التأثير والإقناع والتفاعل، من خلال تثوير الطاقات الإيحائية التي تنتجها الحركة وتحفيزاتها، في تجليات العرض الممكنة عبر الوسيط التكنولوجي، استنادا إلى تحليل مسبق لنوعية المتلقين، ورصيدهم المعرفي، وخلفياتهم الثقافية والبيئية والأيديولوجية.
       وعليه، فإن الحركة في النصوص الترابطية تشكل مستوى من مستويات البلاغة الرقمية، وهي تعبيرات غير لغوية عن مضامين ورؤى متعددة، يمكن أن تتكاتف مع  العناصر المرئية والعناصر السمعية والتقنيات التشعيبية لتصل بالنص إلى حدود إبداعية متميزة، ولا يمكن النظر إليها على أنها فائض عن المعنى، وهذا كله يستوجب من المبدع ومعه المتلقي الوعي بجوانبها البلاغية.
      ونذكر في هذا السياق أن مصطلح البلاغة الرقمية "Digital Rhetoric" هو واحد من أحدث المصطلحات النقدية المتصلة بالإبداع الرقمي، ومن أقلها حضورا على مستوى الدراسات النقدية العربية، وتذكر المصادر والموسوعات الغربية أن أول من تحدث عن مصطلح "البلاغة الرقمية" هو "ريتشارد لانهام Lanham  Richard" ضمن مجموعة مقالات كان كتبها في أوقات متفرقة ثم نشرها في كتاب واحد عام 1993 هو( The electronic word: Democracy, technology, and the art) ، إلا أن "دوغلاس إيمان Douglas Eyman" يذهب في كتابه "البلاغة الرقمية: النظرية والأسلوب والممارسةDigital Rhetoric: Theory, Method, Practice " الصادر في عام 2015 إلى أن تاريخ البلاغة الرقمية وإرهاصاتها سابقة على مقالات "ريتشارد لانهام"، وتبين لنا من مجموعة قراءات حول المصطلح الغربي أنه ما زال للآن أكثر اتصالا بقضايا الخطاب الإقناعي الإعلامي ووسائله الرقمية، دون أن يصبح فرعا من فروع الأدب الرقمي، ولعل هذا ما جعل الناقد  السيد نجم في وقوفه على مفهوم البلاغة الرقمية وملامحها يقول:" البلاغة الرقمية تعني فن الإقناع في وسائل الإعلام الإلكتروني".  
    تتعدد أنماط البلاغة الحركية ومستوياتها في النصوص الترابطية، على نحو ينتج أعمالا تستلزم من المتلقي أن يكون قادرا على قراءتها قراءة حركية، يحلل من خلالها سيميائية الحركة ودلالتها، ويتوصل من خلالها إلى مستويات تعبيرية مختزنة فيها، ويمكن لهذه البلاغة الحركية أن تتمظهر في صيغ مختلفة، كالحركة العمودية من الأعلى والأسفل، أو الحركة الأفقية من اليمين واليسار، والحركات الدورانية، والحركات العشوائية، والحركات التموجية، والحركات الوميضية، وحركات التداخل والانقسام والتلاشي، وغيرها، وكلها حركات تتموضع في الكلمة مجتمعة أو مقطعة، وفي العبارة مجتمعة أو مقطعة، وتتموضع في الصور، والرسومات، والخرائط، والجداول، والأشكال والرموز، والخطوط، وكل عنصر من عناصر الشاشة يرى المبدع الرقمي جدارة توظيفه في نصوصه. 
    لكن هذه التقنية تحتاج إلى دراسة ووعي كبير، وإلى مهارة في الإدراج والتوظيف، لا تقل عن مهارة الإنتاج السينمائي والعروض المشهدية أو الحركية، وفي حال تقدير المبدع حاجته إلى توظيف التطبيقات والعناصر الحركية في نصوصه الترابطية فإن هذه العملية تستوجب منه وعيا بجملة من القضايا التوظيفية والأسس يمكن إجمالها في الآتي:
ينبغي للمبدع أن يضع معايير ومحددات فنية وتقنية مسبقة لاختيار الجملة الحركية القادرة على النهوض بعمله، وإثرائه فنيا، فالعلامة الحركية يمكن أن تكون أبلغ في قول ما لا تقوى العبارة اللغوية على قوله.
تحتاج العناصر الحركية إلى براعة في توزيعها، وتحديدها، كما وكيفا، ويشمل ذلك أيضا مستويات الحركة، وزمن الحركة، وسرعة الحركة، وطرائق العرض.
تحقيق الانسجام والتناغم بين العناصر الحركية والعناصر البنائية الأخرى في العمل، وهذا مطلب من شأنه أن يحقق مستويات بلاغية رقمية عالية في النص.
الدقة في تحديد موضع الحركة، وفقا لجملة من الاعتبارات الفنية والتقنية التي لا تنفصل عن الذائقة الخاصة للمبدع.
تختلف مستويات توظيف الحركة وأهميتها في النصوص الترابطية تبعا لاختلاف النصوص، ولاختلاف العناصر الحركية ذاتها، ووعي المبدع بطاقاتها، والمتلقي بدلالاتها.
كثافة الحركة في الشاشة المنظورة الواحدة أو على مستوى العمل الترابطي كله لا يعني دائما براعة رقمية، فقد يكون سببا في تشتت القارئ الذي يحاول الإحاطة بعدد من العناصر الحركية المختلفة وتتبعها في حيز محدود، وسرعات متباينة، على نحو يتطلب منه تأويلها وربطها بالعناصر السابقة أو اللاحقة، ودون انشغال بالحركة ذاتها عما سواها في العمل.
الاجتهاد في الوصول إلى مستويات متقدمة من التفاعلية بإشراك المتلقي في إمكانية اختيار بعض العناصر الحركية أو إدراجها في النص، أو على الأقل القدرة على التحكم فيها.
تجنب تكرار العناصر الحركية، والاجتهاد في إخفاء البعد الميكانيكي فيها، وما لم يكن هذا التكرار مدروسا ومنسجما مع وظائف التكرار المعروفة.
        لا شك أن التأمل في الأسس التي وقفنا عليها سابقا سيقودنا لمناقشة الدور الحقيقي للأديب في هذه المعادلة، ولا نبالغ بالقول بأن الوعي الإجرائي والقدرة عليه لتحقيق هذه الأسس هو مما سيكون متعذرا على الغالبية العظمى من المبدعين العرب إنجازه، وهو ما يتطلب الاستعانة بمتخصص في التطبيقات الرقمية والبرامج الإلكترونية، وهذه واحدة من الإشكالات التي ما زالت تواجه مشروع الأدب الرقمي العربي وطموحات المبدعين الرقميين، ولا نرى إلا حلا مؤقتا يتمثل في الاستعانة بالمتخصصين الذين لديهم ذائقة فنية إلى جانب المعرفة التقنية، مع تدخل الأديب والمبدع –اعتمادا على ذوقه وحدسه الفني- في توجيه الجانب التقني، دون أن نجد ما يمنع من الانتفاع بملاحظات النقاد والمبدعين الآخرين على العمل، بل وحتى المتلقين، إلى أن نصل إلى مرحلة يطور فيها الأديب والمبدع من أدواته التقنية ويستغني معها أو يتخفف من الاستعانة بالآخرين والاعتماد عليهم. 
     إن أهمية العنصر الحركي في النصوص الرقمية عامة، جعلت بعض الدارسين الغربيين يتجاوز في حضور الحركة مستويات التعبير البلاغي إلى جعلها فرعا للتشكيلات البنائية في النصوص الرقمية، ومنها على سبيل المثال "الشعر الحركي" الذي يتأسس كليا على العناصر الحركية، وهو ما يمثله أصدق تمثيل قصائد الشاعر منعم الأزرق،  لكن المستويات التفاعلية الحقيقية مع هذا الشكل البنائي ما زالت في أغلبها أحادية التكوين من قبل العمل الرقمي أو من يقف خلفه، دون أن يملك المتلقي للنص الحركي مساحة للمشاركة الحقيقية فيه، مما يجعله في هذا الجانب متلقيا تقليديا –سلبيا- كما كان الحال مع النصوص ما قبل الرقمية.  
    ونذكر ختاما أن البلاغة الحركية لا تكفي وحدها لتحقيق البلاغة الرقمية التي أصبحت وسيلة أساسية من وسائل التأثير والتعبير التي يتكئ النص الترابطي عليها، وتعتمد اعتمادا جوهريا على العناصر غير اللغوية التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية وتطبيقاتها، وفي مقدمتها: تقنية التشعيب، والتطبيقات البصرية، والتطبيقات السمعية، والتطبيقات الحركية، فأكثر النصوص الترابطية انتسابا للعصر الرقمي يتحقق في النص الذي ينجح في توظيف عناصر البلاغة الرقمية كافة توظيفا توليفيا، يندمج في صميم العمل، ولا يمكن الاستغناء عنه أو استبداله.

*باحث وناقد أكاديمي من الأردن.