أرصفة توجعها الخطوات

يوسف الأزرق*
 
 ما أجمل أن تمضغ شطائر الحزن 
في القرية المهجورة تتلاطم سنوات الحلم أمام عيونك الحزينة.المطر يغسل أرصفة الذاكرة  ويهنئك على خساراتك المتعددة. الوطن المنكمش واللاصق في جلد الأفعى يلفظ جنونك الغريب.الحقيقة الوحيدة الساطعة في فنجان قهوتك القاتل تربك خيالك العذب و تجعل القصائد تدمع ألف مرة.من بعيد تصلك أخبار موتك الشاحب.تشعل سيجارتك ليتجلى في دخانها قبرك الذي لا تزوره سوى طيور تائهة و ريح متعبة و صمت مختنق.فتزدحم ظلالك بطوابير الغرباء وقيء السكارى وضباع البقايا.تطعم بوحدتك جسد امرأة لفظتها أنهار الزمن الغادر.وتغري فهدا يتربّصك بوجبة موسيقى زرقاء.أنت الطريدة المنذورة للهروب وللارتطام بخيول وحشية.ستظل دائما ورقة خضراء ترميها  العاصفة بيد من حديد و تمزقها مناجل الحرقة و سكاكين الأصدقاء.فصاحب حبال السطوح و احذر منك كلما أقبل المساء.شطائر الحزن التي تقتات منها ستجعلك فارسا رائعا  تسقط في حفره المتعددة كل المساءات المجنّحة والفراشات العذراء.لا ترتبك كثيرا ستموت قريبا ..قريبا جدا و ستحلق روحك برشاقة لتحط أشعارها على كتف الشعر الذي ينتظرك منذ سنوات ضوئية
                               
 أعيش برأس فائض بالفراغ 
بِرِفْش صدئ أحفر في أرض حلم تجرحه الليالي الباردة
فتتجمّع ديدان ضخمة حول جثة الوحدة لتلتهم أطرافها
. و يتشتّت الشعر في تراب يابس كجذع شجرة هرمة
في ضفة الخطوات تتجمّع طوابير الأسئلة المجروحة
و تتراقص أمامي أطياف الخريف.
لايهمني ماسيحدث لاحقا في الحياة
 ولم أعد أكثرت لنفاق القطيع
متسلقا خيط دخان و مدثرا بالمسافة العذرية
سأوقظ الوحوش الرابضة في عتبة غرفتي الساحرة
و سأطبخ لها طبق حزني اللذيذ
. ربما ستومض في  بخار صراخها عيون القدر الملعون
منذ البدء كانت القطارات النازفة في شراييني
 ترميني بسككها الملتوية في أقبية الخراب
 وكانت الحرائق اللاصقة بظهري
تسلخ جلد لغتي الصادقة.
منذ أن أعلنت الرفض في وجه العابرين
 بين شقوق أملي تشتّتت كل الأشرعة البيضاء
 و تهاوت أعمدة الفجر.
لايهمني مطلقا أن ينفجر العالم
 أو أن يولد لون جميل في رحم المتاهة
لا يهمني ما سيرويه الأجداد لأحفادهم من أوهام و عبر
لا يهمني إن سقط نيزك في الجهة الأخرى من الحب
ما يهمني فقط.....أن أنام في ظل يحتوي نظراتي
و أن تبقى أصابعي معتادة على الصحو مبكرا
لتكتب قصيدة بحجم الصحراء الزرقاء.
 
 حلم مرسوم بفرشاة قاتمة
في القلق يتمدّد الحنين وتنفتّح الشهوات للانصهار في غيوم القصيدة المشرقة .على صفحة الأيام الخامدة يطلق جنود من ورق رصاصا من حبر على الأجساد النحيفة.فتتطاير الأشلاء لتتوحّد مع روح البحر الصامت,والشاعر الشفاف يدخن سيجارته دامعا.يجمع كل آماله وآلامه في حقيبة صغيرة ويمسح مراياه القاتمة بقطعة ثوب ممزقة.فتلتصق به امرأة عارية وتغرقه في ماء النسيان.
ساحة فارغة
في الساعات الأولى من صباح خريفي
ساحة المدينة تبدو فارغة
فقط..ريح أضاعت خطواتها تصطدم بنورس جريح
غيوم تحلق تحت سماء خفيضة غير مبالية بأناقتها
كلب شاحب يطارد  ظلا يشبه عظمة سوداء
طيف امرأة تصرخ بصوت مبهم في وجه الحياة
وتلعن رجلا ما أو زمنا ما.
وأنا العابر في تلك الساحة الفارغة 
يمتصني سور آيل للدمار
أجري بأقدام شوهها الحريق
نحو الميناء الغريب مثلي
و أجلس على شباك مثقوبة  
منصتا للموج الصاخب
و متأهبا للالتصاق بدموع ستسقط بعد قليل.
 
فزاعة بحرية 
الموجة الصغيرة التي اصطادها صياد فاشل تفحّمت من شدة الضوء وتفسّخت  من كثرة المداعبات العشوائية .الموجة الصغيرة التي كانت تكتب الشعر  للمحارات الحزينة وللطحالب المغتربة  خانها البحر و لفظتها الريح وجرحتها العواصف الخائنة.لكن مشيئة الزبد غيّرتْ قدرها و نحتتْ في جسدها عظاما و عروقا وجلدا متينا لتتحوّل الموجة لفزاعة بَحرية في حقل كان في القديم نهرا.فاستيقظت قروش متلاحمة مع عشب الضفاف و استقرت على كتفها نوارس ذهبية وقواقع طائرة.الموجة الصغيرة...الفزاعة الكبيرة تفرغ هديرها في اليابسة وتضخ في الكائنات أنفاس الماء و زفير الأعماق.فاختلطت النجوم بالأغصان و أصبح الكون بحرا في يابسة...يابسة في بحر. حتى أحاسيس الصيادين والنساء تغيّرت وأصبحت أقل غموضا وأكثر إشراقا.
 
لماذا ننسى دائما أننا سنموت ؟
 
هي اختارت ذلك.كانت تعرف أن الندم سيفترس الضوء الحزين..ثمة ما يشبه جسدا في الغرفة السوداء،يذوب ببطء وفرح.قطرات الماء التي تتدفّق من السقف تسقط على الأرض كجثث باردة.لماذا ننسى دائما أننا سنموت؟ تسألني الغرفة المنطفئة.أنا لا أعرف كيف سأحكي للضجر قصة لينام.كل الجدران تتقلّص حتى تلتصق بريح ميتة.والهواء لا يريد أن يكرر خطأه مرتين.يكفي أن تنزف بخفة و تترك الزمن يتدبّر قدرك.الغرفة بدون نوافذ.هي سعيدة هكذا..لن يتلصّص عليها الغبار وستربي الرغبات على الصبر حتى تعبر جوقة الهدير.
الستائر المرمية بعبث تتوجّع وتشتاق لكِ أيتها النوافذ الحقودة..سأعزف وحدي للقصيدة بدون أصابع..فقط بخيوط الموت التي ترقد في شمعة.
.
الحياة تعوي،الشاعر يتفتّت
 
منذ أربعين سنة صاحبتُ الحافة وتركتُ عقلي يطارد المحطات.الأغنيات التي تمزقني تفاديتها بمهارة غريبة.كلما أكتب بغزارة يسقط زغب غفير من رأسي.كأنني أعيش فقط لأتهكّم عليَ.الحياة تعوي داخلي كذئب وحيد في غابة محترقة.لست واثقا بالقدر ولست مترددا أمام المرأة التي سأحب عندما سأكون كما أشتهي .الشاعر يتفتّت..ينصهر ويسيل في إناء الندم.لم تكن الظلال ممتلئة بالإشراقات الكافية لكن هذا الجسد الذي يحمل صفة رجل أعزل سينفجر بصمت.
.
تلك الحديقة ستمتصني
على الكرسي الذي أصبح مفكّكا تركتُ هناك دمعة مقدّسة.وضعتُ الموسيقى بين الأعشاب المنتشرة بعبث فنبت النباح.دخنّتُ معي وبكيتُ معي وفرحتُ معي.تلك الحديقة ستمتصني حتى أغدو قصيدة تزهر كيفما شاء الفجر.لم أغفر للنورس أبدا خيانته البحرية والألوان قاطعتها منذ الخريف الماضي حتى يستريح الجرح ويكبر برقة زرقاء.
.
منهمكون في توبيخ الهدير
 
كالريح التي فقدتْ شهقتها الأخيرة،وجدتُ روحي تلعب الورق مع بحارة متشردين.والقصبة الطويلة تغازل بحرا لا مذاق له.لاتوبخوا الهدير على ما فعلتْه بكم أصابع الأحلام.أنصتوا رَحِمكم الصخب لنداء نجمة بعيدة و اقترفوا بعض الجرائم الصغيرة حتى يسترجع البحر أسماكه الحنونة.أما الأورام التي تنتفخ في خطواتكم فهي قصائد فاشلة لرجل فاشل في الحب والحياة والموت والحلم 
 
غيمة مختنقة 
في سماء عارية تماما
ترقد غيمة مختنقة
تكاد  تنفجر من شدة الوحدة
وغياب العصافير الصديقة
تنكمش مع كل صرخة برق
والزمن المتوحش يمطرها ذكريات حمراء 
تجعلها تتلوى من شدة الألم.
غيمة مختنقة في سماء عارية تماما
تتهاوى على عيني الآيلة للانطفاء
 
في الطريق إليّ 
 
أخرج من دون رأس حتى لاتقصفني عيون الآخرين
وبأرجل سريعة أتخطّى أغصانا محروقة و جثة حيوان مشوهة
أصل إليّ لأجدني كما تركتُني البارحة
معلّقا على سطح منزل مهجور
وبجانبي صناديق عامرة بقصائد مذبوحة وقنينة عطر مكسرة 
و ذئبتي الأليفة التي تحرسني مني
في الطريق إليّ...تتساقط من ظهري كلمات يابسة وقطرات أنين
في الطريق إلي...تجتاحني رغبات مرعبة ونظرات قاتمة و شفاهك الملتهبة
 
 
بعد يوم مزيّف 
 
تستيقظ في غرفة مطلة على مقبرة 
لتجد نفسك جنب امرأة منحوتة بطين متفسخ
لا تستطيع الكلام لأن لسانك لاصق بشرفة نافذة مفخّخة بلمسات الحريق
لا تستطيع الكتابة لأن أصابعك المبتورة مرمية في منفضة سجائر لزجة
لا تستطيع البكاء لأن دموعك ذائبة في ماء مزهرية شاحبة
بعد ليلة مزيّفة كملامحك
تغمض عينيك و تسافر لطفولتك المختلطة بزبد الجمال
حيث النوارس كانت ترسم لك طريق الفرح بتحليقها الفاتن
حيث القوارب تتجمّع حول خطواتك لتحميك من ريح قوية
بعد يوم مزيف تعكس مراياك أفقك المزدحم بالذئاب والقتلة
وتنصهر في لحم الخريف
 وطن 
لا وطن للشاعر سوى قصيدة دافئة
يحتمي داخل معطفها من عاصفة الوحدة وأنياب الجحود
لا وطن للشاعر سوى حقل تتسابق فيه ضحكاته المشرقة مع سناجب راقصة
لا وطن للشاعر سوى امرأة ترضع بنهديها أشرعة الإبحار
وتتوحّد مع مزاجيته الراقدة في ظل المشيئة المجهولة
أثر المساء 
في الجانب الآخر من جسد البحر
يهرب المساء من شباكي
ويتوارى خلف آهات الميناء
أنزع جلد الأسوار وأعري الأرصفة
وأمزق الضوء وألوي عنق الظهيرة
لكن المساء القريب مني يتجاوزني بمهارة
رغم أنني منحتُه أسراري و وضعت في جفونه 
كل القصائد المكسّرة بمطارق الغروب
هذا البحر الأبيض تماما الذي رافقني منذ طفولتي
واقتسم معي ألم الطريق وجحود الآخرين
ما زال تائها مثلي وضائعا مثلي...
سأترك في آخر سماء التهمتها المشيئة رسالة صغيرة
و أهاجر إلى أقصى مكان في روحي ...
لتتركني كل الفراشات التي تعتقد أنني ملاك أزرق
لأعيش وهج الأشياء
بسكينة في حجم المحيطات التي جرفت صخور أملي
لضفاف الموت الأسود
 
خيبة 
يضخ الميناء في شرايين القوارب المنهكة
جرعات من الشعر البحري
فترتعش أوصال الطحالب
ويتمدّد زفير الحلم في ليل محتضر
والبحارة الذين رجعوا البارحة منهزمين
يتدثّرون بريح الشباك
لعل ثقوبها تُسيل زبد الحظ
في عالم لا يقبل الرحيل
 
سراب 
تنمو الأجنحة في جسد الغربة
لتطير في أرجاء المدينة المتسخة بأغنيات الشهوة
ويتفسّخ جلد الشوارع لتنبعث منها أرواح ميتة
ترمم أحلامها بخلاصة الخريف
و حارس الظلال يدخن وحده سيجارته الأخيرة
في انتظار امرأة خانها البحر وشرّدتها الأوهام المزيفة
والمقبرة التي زرع الموت في رحمها 
بذور الرحيل
تتلو قصائد شاعر متيّم بالخراب
فتفتح الجثث أعينها المسيّجة بأسلاك الرماد
وتذوب المساءات في ماء الصقيع
 
غرق 
القطار الذي رسمتُه بلون أحمر فاتح كغروب صغير
يتجول في حقول صدرك الأخضر
ويتخذ عروقك الغزيرة
سكة لا تنتهي
سوى في غرق حالم
 
* شاعر وتشكيلي مغربي