أحلام الغسق رهيفة الجناح

محمد بنقدور الوهراني*

أنا أَحْلُمُ
أحْلُمُ كَثِيراً،
أحلُمُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِوِسَادَتي
التي أَضَعُ تَحْتَهَا كَوَابِيسي
لِأَرَاهَا فِي مَنَامِي
بَيْضَاءَ تُشْبِهُ الصَّبَاحَ،
أَحْلُمُ كُلَّ لَيْلَةٍ
بِوَجْهي يَسْأَلُنِي
عَنْ ظِلِّ اللهِ فِي الأَرْضِ
عَنِ الشُّهَدَاءِ وَالأَنْبِيَاءِ
عَنِ السُّقَاةِ والنُّحَاةِ والفَلاَّحينَ
عَنِ الغَرْقَى
والعَازِفِينَ عَلَى وَتَرِ البُكَاءِ
عَنِ الأُمَّهَاتِ الجَمِيلَاتِ
عَنِ الوَدَائِعِ والتَّوَابِيتِ
عَنِ الوَصَايَا وَفَتِيلِ القَنَادِيلِ
عَنِ السَّبَايَا
عَنْ خَيَالِ الوَرْدِ وَشَوْكِهِ
عَنْ حَالِ شَمْسِ الغُرُوب مَعٓ الرِّيحِ
وَعَنْ بُرْتُقَالِ الوَطَنِ الجَرِيحِ.
أَنَا أَحْلمُ كثيرا،
أحْلُم بِأَنُّي أَرْحَلُ عَنِ البِلادِ التِي،
بِغَيْرِ رَجْعَةٍ،
فِي اِتِّجَاهَ الظَنِّ وَالحَلِّ وَالنِّسْيَانِ
وَأَتْرُكُ هُنَاكَ،
حَيْثُ تَرْقُدُ أَسْمائِيَ الأُولَى،
كُلَّ زَادي ورَصِيدي مِنَ الهَوَى
وَقَلَمَاً مِنْ الرَّصَاصِ
كُنْتُ أَرْسُمُ بِهِ، مِنْ أَعْلَى الجِسْرِ،
شَمْساً لاَ تَغِيبُ
وظِلَالاً تَصْلُحُ لِلْوَدَاعِ،
أَتْرُكُ هُنَاكَ،
بَقَايَا مِنْ عِناقِ الجَنَائِزِ
وَدَمْعاً كَثِيراً مِنْ أَثَرِ الغِنَاءِ
دَمْعاً بَارِداً
كان يَجْرِي مَعَ العَاصِفَةِ
صَوْبَ سُهُوبِ ( الهَبْطِ )
مَوطِنَ الزَّعْتَر ِوَالرَّيْحَانِ،
مَقَامَ العُشَّاقِ
وَ( مَرْسِ السُّلْطَانِ ).
أَنَا أحْلُمُ
أحْلُمُ كَثيراً بِجَدِّي
قِيلَ لِي،
إنَّهُ، حِينَ قَرَّرَ الرَّحِيلَ،
لَمْ يَأْخُذْ مَعَهُ سِوى
حَجَرٍ مِنْ حِصْنِ (الأَمِير)
كَوْمَةَ تُرَابٍ إخْتَلَسَهَا
مِنْ تَحْتِ حَوَافِرِ (الأَجْوَادِ)
حَفْنَةَ رَمَادٍ مِنْ بَقَايَا النَّارِ المُقَدَّسَةِ
أَضْرَمَها السَّالِكونَ( المُرَابِطُونَ )
فِي أَكْفَانِهِمْ مخَافَةَ السَّفَرِ،
وَحِينَ قرَّرَ الرَّحِيلَ
لَمْ يَأْخُذْ مَعَهُ غَيْرَ حَبَّاتٍ قَلِيلَةٍ
مِنْ حَصَائِدِ الخَرَابِ المَحْرُوقَة،
خِرْقَةً صَغِيرَةً
كَانَ يُلَمِّعُ بِهَا آلَامَهُ
حَتَّى لَا يُصِيبَهَا صَدَأَ السَّرِيرَةِ،
وَجَرِيدَةً
إِقْتَطعَهَا مِنْ نَخْلَةِ التَّارِيخِ
كَانَ يَنْوِي أَنْ يَهُشَّ بِهَا عَلَى كِبْرِيائِهِ
كُلَّمَا زَاغَتْ عَنْهُ رُؤَاهُ.
أنَا أَحْلُمُ،
أَحْلُمُ كَثِيراً،
أحْلُمُ بالنَّمْلِ
يَحْمِلُني في اتِّجَاهِ الجِسْر
تُمَّ يَقْذِفُ بي فِي نِصْفِ الكَأْسِ
لأَتَعَثَّرَ بالتَّارِيخِ والمَقَاصِدِ
والمِتَافِيزِقا والوُجُودِ
وأَسْقُط، كمَا سَقَطْتُ دائِماً
في النَّقْل وَالعَقلِ
في الشَكِّ واليَقِينِ
فِي المُطْلَقِ والمُغْلَقِ
وَفِي جَوْهَرِ الأَشْيَاءِ الأُولَى.
أنا أحْلُمُ كثيراً،
أحْلُمُ دَائِماً بأنِّي مُسْتَبِدٌّ عَاجِزٌ
أُقِيمُ في الجِهَةِ المُقَابِلَةِ لِلشَّمْسِ
بيْنَ المَاءِ وَالمَاءِ
لَا مَرَاكِبَ أَحْمِلُهَا فِي جِرَابِي
وَلَا عَصَا المُلْكِ أضْرِبُ بِهَا
عَلَى بَحْرِ أَحْزَاني
لِتُنْبِتَ لِي طَرِيقاً
أَو بَرِيقاً أَوْ حَرِيقاً
أعْتَصِرُهُ مِنْ خَيْبَةٍ بَعْدَ خيْبَةٍ
وَخَيْبَاتَ أُخْرَى
أَحْفَظُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْب.
أنا أحْلُمُ،
أحْلُمُ بِأَنِّي أَمْلِكُ الأَرْضَ كُلَّها
أُسْنِدُها بخَيْطٍ مِنْ وَهَنٍ
وَأُعْطِيهَا، فِي كُلِّ فَصْلٍ،
شَكْلاً وَلَوْناً وَلُبُوسَا.
أَنَا أحْلُمُ دائِماً بالأَرْضِ
وَأَراهَا كَسْرَةَ خُبْزٍ بَائِت
أقْتَسِمُهَا مَعَ المَارِّينَ
بِالقُرْبِ مِنْ خُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ
وَالكَفِّ والقَوَافِلِ والمَسَافَاتِ،
مِنَ الطَّيْرِ والنَّمْلِ وَالنَّحْلِ وَالفَرَاشَاتِ.
أنا أحْلُمُ،
أَحْلُمُ بالأَرْضِ
مَزْرُوعَةً بالصَّخَبِ وَبِالتَّعَبِ
وَحِينَ أَقْطِفُ نُجُومَ فَجْرِهَا
أَعْرِفُ، بِحُرْقَةِ السَّائِلِ،
أَنَّ حِدَةَ المَنَاجِلِ
مِنْ غُنْجِ السَّنَابِلِ
وَأَنَّ مِلْحَ الرَّمْلِ
مِنْ عَطَشِ الزَّهْرِ
وَأَنَّ زُرْقَةَ المَاءِ
مِنْ صُلْبِ السَّمَاءِ.
أنا أَحْلُمُ
أَحْلُمُ كَثِيرًا،
أحْلُمُ، وَأَنا أُسْقِطُ النُّجُومَ فِي النَّهْرِ
وَأَنا أُرَاقِصُ سَنَابِلَ الغَسَقِ رَهِيفَةَ الجَنَاحِ
في حَقْلٍ لَا شَيْءَ فِيهِ للَّهِ
وَكُلُّهُ لِقَيْصَر،
أَحْلُمُ وَأَنا أَغُوصُ فِي عُمْقِ المَحَارَةِ
لِأُسْمِعَهَا مَواوِيلي العَرْجَاءَ الحَزِينَة.
أنا أَحْلُمُ
أَحْلُمُ كَثِيرًا بِالسُّقُوطِ،
سُقُوطُ بَغْدَاد وَغَرْنَاطَة وَوَهرَان،
السُّقُوطُ مِنْ القَلْبِ وَالعَيْنِ،
السُّقُوطُ فِي غَيَاهِبِ النِّسْيَانِ،
سُقُوطُ الفَرَاشَةِ في فَخِّ الضَّوِءِ،
السُّقُوطُ فِي النَّقْلِ والعَقْلِ
والاجْتِهادِ والامْتِحَانِ،
سُقُوطُ وَرَقَةِ التُّوتِ
مِنْ أَعْلَى شَجَرَةِ الصَّبْرِ
فِي أَرْدَلِ العُمْرِ،
سُقُوطُ الفِكْرَةَ فِي البِئْرِ
وَسُقُوطُ المَطَرِ فِي عِزِّ الصَّيْفِ
عَلَى الصَّخْرِ والرَّمَادِ وَالكَأْسِ،
أَنَا أَحْلُمُ كَثِيرًا
أَحْلُمُ بِالبَهَاءِ
وَفِي الصَّبَاحِ
أَبْحَثُ في عُمْقِ أَضْغَاثِ أَحْلَامِي
فَلَا أَجِدُ غَيْرَ تَفَاصِيلَ الهَبَاءِ.
 
* أديب من المغرب.